Article image
مصدر الصورة: صور جيتي



تُظهر صور الأقمار الصناعية كيف تتغير الفيضانات ومن الأكثر عرضة للخطر.

2021-08-11 20:05:00

11 أغسطس 2021

بالرغم من أن تغير المناخ والتوسع الحضري يرفعان من وتيرة الفيضانات ويجعلان عواقبها أكثر حدة، إلا أن نسبة أعلى من الناس يعيشون في المناطق التي تشهد فيضانات.

وفي دراسة جديدة نُشرت الأسبوع الماضي في دورية نيتشر، استخدم الباحثون صور الأقمار الصناعية لرسم خريطة لأكثر من 900 من حوادث الفيضانات التي وقعت بين عامي 2000 و2018، وأثرت على ما بين 255 مليون و290 مليون شخص.

وفي حين نما عدد سكان العالم بنسبة 18.6٪ من عام 2000 إلى عام 2015، فقد تجاوز عدد السكان في هذه المناطق هذه الزيادة، وارتفع بنسبة 34.1٪ خلال نفس الفترة، وهو ما يعني أن ما بين 58 مليون و86 مليون شخص إضافي تعرضوا للفيضانات في تلك الأماكن على مدى 15 عاماً.

وتقول بيث تيلمان، المؤلفة الرئيسية للدراسة والشريكة المؤسسة لشركة كلاود تو ستريت (Cloud to Street) الناشئة المتخصصة في رسم خرائط الفيضانات: “إن ازدياد الفيضانات ليس أمراً مستغرباً بشكل خاص، إلا أن الأمر الملفت للنظر بالنسبة لي هو أن الناس كانوا ينتقلون إلى أماكن رأينا فيها فيضانات في الماضي”.

ونظر الباحثون في أكثر من 3,000 فيضان تم تسجيلها في قاعدة بيانات مرصد دارتموث للفيضانات (Dartmouth Flood Observatory)، والتي تسجل الفيضانات التي يرد ذكرُها في التغطية الإعلامية. وقاموا بمضاهاة حوادث الفيضانات التي تتوافر بشأنها بيانات الموقع بصور الأقمار الصناعية التي التقطتها موديس (MODIS)، وهي أداة مثبتة على قمرين صناعيين تابعين لوكالة ناسا يلتقط كل منهما صوراً يومية للأرض منذ عام 2000.

واستخدم الباحثون خوارزمية لرسم خريطة للأماكن التي وقعت فيها الفيضانات، عن طريق فرز أي من البكسلات تمت تغطيتها بالماء وأيها لم يغطى. ثم أضافوا إليها البيانات السكانية لرؤية كيف تغيرت الاتجاهات السائدة في المناطق التي غمرتها الفيضانات بمرور الوقت.

وقد شهدت البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أسرع معدل نمو سكاني خلال العقدين الماضيين في المناطق المعرضة للفيضانات، وسُجلت أعلى معدلات النمو في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ومنطقة جنوب آسيا.

وترى تيلمان أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية قد تفسر بعض هذه التنقلات، فقد لا يكون أمام الفئات الضعيفة خيار سوى الاستقرار في مناطق الفيضانات، التي قد تكون أراضيها أرخص ثمناً وأكثر توافراً.

وباستخدام صور الأقمار الصناعية، تمكن الباحثون من رسم تأثيرات الفيضانات الحقيقية بدقة أعلى من النماذج التقليدية. فالبرغم من أن النماذج يمكنها أن تلتقط بعض أنواع الفيضانات، مثل تلك التي تحدث حول الأنهار وعلى السواحل، إلا أن صور الأقمار الصناعية تقدم صورة أكثر وضوحاً للأنواع الأخرى الناجمة عن هطول الأمطار الغزيرة أو الأحداث العشوائية مثل انهيار السدود أو هبوب العواصف المتزامن مع ارتفاع المد.

تزايد السكان مناطق معرضة لفيضانات

تُظهر الخرائط المستمدة من صور الأقمار الصناعية الفيضانات التي سببها الإعصار المداري نرجس في مختلف أنحاء ميانمار عام 2008.

ولا تمثل الفيضانات التي تم رسم خرائطها، والبالغ عددها 913 فيضاناً، سوى جزء ضئيل من عشرات الآلاف من الفيضانات التي تحدث في العالم كل عام. وتقول تيلمان: “هذا ليس سوى غيض من فيض”.

تلتقط أداة موديس الصور بدقة 250 متراً، أي ما يعادل طول ملعبي كرة قدم تقريباً، وهو ما يعني أنه لم يكن باستطاعة الباحثين رسم خرائط للفيضانات الأصغر حجماً أو لتلك الموجودة في معظم المدن.  كما أن السحب أثرت سلباً أيضاً على خوارزمية معالجة الصور. ونظراً لأن القمرين الصناعيين لم يكونا يمران فوق أي بقعة على الأرض سوى مرة أو مرتين فقط يومياً، فقد غفلا عن الفيضانات قصيرة الأمد أيضاً.

من جانبها، تقول بيسي شوارتز، الشريكة المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة كلاود تو ستريت، إن الأدوات الأحدث تتمتع بدقة أعلى بكثير ويمكنها الرؤية عبر السحب. كما أن تلك الأدوات -جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي- يمكنها حالياً أن ترسم خرائط أكثر دقة للفيضانات. ولكن لرسم خرائط منتظمة للفيضانات على مدى فترة من الزمن، كان على الباحثين الاستمرار في الحصول على الصور من مصدر واحد، وباستخدام تقنية موجودة منذ مدة طويلة.

وتوفر هذه الدراسة للعلماء صورة أوضح مما يوفره أي مصدر آخر عن نطاق الفيضانات التي وقعت مؤخراً وأثرها على البشر. ويقول فيليب وارد، الذي يدرس تقييم مخاطر الفيضانات في الجامعة الحرة بأمستردام والذي لم يشارك في الدراسة، إن هذه النتائج ستكون مفيدة بصفة خاصة لمصممي النماذج الذين يحاولون التنبؤ بالمخاطر.

عادة، عندما يبني الباحثون نموذجاً للتنبؤ بمخاطر الفيضانات، فإنهم يختبرونه باستخدام خرائط للفيضانات السابقة. وعلى الرغم من أن الباحثين المحليين أو الحكومات يرسمون خرائط العديد من الفيضانات، إلا أنهم غالباً ما يستخدمون طرقاً مختلفة، كما أن بعض البيانات لا تكون متاحة علناً؛ وبالتالي فإن وجود مجموعة بيانات كبيرة تستخدم نفس الطريقة لرسم خرائط العديد من الفيضانات سيسمح للباحثين بتطوير نماذج أكثر دقة. ويقول وارد: “يمكننا الآن أن نقارن بين خرائط متشابهة، وهذا مفيد حقاً”.

التفكير في المستقبل

تقول تيلمان إن الحصول على صورة أكثر دقة لمخاطر الفيضانات العالمية قد يساعد في توجيه التمويل المخصص للتكيف مع المناخ إلى الأماكن الأكثر احتياجاً إليه. وفي هذا الإطار، تشير إلى جمهورية أفريقيا الوسطى، الدولة التي تشهد -بحسب الدراسة- زيادات كبيرة في التعرض للفيضانات، ومع ذلك فإنها لا تتلقى الكثير من التمويل للتكيف مع المناخ من الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية.

ويقول بريندن يونجمان، أخصائي إدارة مخاطر الكوارث في البنك الدولي وأحد مراجعي الدراسة، إن أخطار الفيضانات تعكس بعض العوامل: الخطر، والتعرض، والقابلية للتأثر. وفي حين أن حدوث بعض الفيضانات أمر لا مفر منه، فإن الحكومات يمكنها معالجة بعض عوامل الخطر للمساعدة في الحد من الضرر.

هناك بعض التدابير التي قد تقلل من التعرض، مثل نقل الأشخاص من المناطق المعرضة للفيضانات عن طريق تغيير قوانين تقسيم المناطق، أو إيجاد أماكن جديدة لهم ليستقروا فيها. ويمكن لتدابير أخرى تقليل قابلية التأثر، ومنها مثلاً بناء المزيد من المباني المقاومة للفيضانات، أو وضع أنظمة للإنذار المبكر.

ويقول يونجمان إنه بينما يعيش المزيد من الناس في المناطق المعرضة للفيضانات، فإن بعض الأبحاث تشير إلى أن القابلية للتأثر آخذة في الانخفاض بالفعل، مع تكيف الناس مع الفيضانات وبناء أنظمة أكثر مرونة.

وتقول شوارتز إن “أفضل طريقة في الواقع لمواجهة الفيضان هي الاستعداد قبل أسابيع وأشهر وأحياناً حتى قبل سنوات من ذلك الفيضان؛ لذا علينا أن نستثمر في الاستعداد”.