Article image

مصدر الصورة: ميس تيك/ بيكسلز



صار المعيار السائد هو العمل الهجين أو عن بعد؛ لذا أضيفت للاجتماعات عناصر جديدة لزيادة الحيوية والمشاركة، كألعاب الفيديو والواقع الافتراضي.

2021-09-18 22:28:23

17 سبتمبر 2021

منذ فترة قريبة، كان مارك زوكربيرج يدردش مع مقدمة البرامج جايل كينج في البرنامج التلفزيوني CBS This Morning. وبدلاً من الجلوس في الاستوديو أو استخدام تطبيق للتواصل المرئي، كان الاثنان يتحدثان معاً في الواقع الافتراضي.

وقد ظهر زوكربيرج في هذا البرنامج التلفزيوني الذي يحظى بمتابعة واسعة لتقديم هورايزنز ووركروم، وهو تطبيق من فيسبوك لوصل المستخدمين مع فضاء واقع افتراضي عبر النظارة الخاصة بالشركة، أوكيولوس. ولهذه المناسبة، قام زوكربيرج وكينج بتركيب شخصيات إلكترونية كرتونية تمثلهما، وذلك بفضل حساسات الحركة التي التقطت حركات اليدين والرأس لديهما.

وقد كان تأثير هذه التجربة بأسرها، في أفضل الأحوال، غريباً. فقد كانت كينج تحدق بالنمش على وجه زوكربيرج، على حين كان مسترسلاً في الحديث عن “الكون الموازي”. وخلال الحديث، وجهت كينج السؤال الأهم: “هل كنت تشعر بالتعب الزومي؟” “لأنني كنت أشعر بالتعب الزومي”.

ومع تحول اسم زوم، التطبيق الشهير، إلى كلمة شائعة، كانت الشركة تحصد ما يقرب من مليار دولار. لكن الانتشار الواسع لهذا التطبيق لم يحدث دون نتائج سلبية. فبعد ثمانية عشر شهراً من بدء موظفي المكاتب باللجوء إلى الاجتماعات الافتراضية بسبب الوباء، أصبح “التعب الزومي” مشكلة شائعة بين الأشخاص الذين كانوا يستخدمون هذا التطبيق في الاجتماعات على الإنترنت يومياً.

ولا عجب أن الشركات التكنولوجية الأخرى بدأت تبحث عن أساليب مبتكرة لتجديد الاجتماعات أيضاً، خصوصاً أن العمل عن بعد سيبقى موجوداً، كما يبدو، لفترة طويلة. ولكن، ولإزاحة زوم عن عرشه، يجب على هذه الشركات أن تكون ابتكارية، وتتوصل إلى أساليب جديدة تمنع إحساس الموظفين بالإرهاق بسبب الاجتماعات المرئية الطويلة التي لا تنتهي.

وبطبيعة الحال، فإن فيسبوك هي إحدى هذه الشركات. يمثل تطبيق هورايزنز ووركروم الخطوة الأولى للشركة نحو تحقيق طموحها الغامض بعض الشيء في بناء “كون موازٍ”، وهو فضاء افتراضي حيث يعمل الناس، ويلعبون، وكما يمكن أن نفترض، يرون الكثير من الإعلانات التي تدر الأرباح الوفيرة. ولكن هورايزنز ووركروم تعرّض إلى الكثير من الانتقادات والسخرية بعد تجربته. على سبيل المثال، قال أحد الكتاب إن التطبيق يجسد “أسوأ ما في حياة المكتب“، كما وصفه آخر بأنه “يفتقر إلى الجاذبية“. ويبدو أن الإجماع استقر على عدم استعداد الموظفين، أو الشركات التكنولوجية، لمكان عمل افتراضي غامر بالكامل.

لكن هذا لا يعني أن الشركات لا تبذل كل ما في وسعها للعثور على أساليب لتعزيز التعاون والودية في بيئات العمل عن بعد. وعلى الرغم من أن بيئة عمل افتراضية غامرة بالكامل قد تبدو خطوة بعيدة بعض الشيء في الوقت الحالي، فإن الكثيرين يبحثون عن أساليب لجعل الاجتماعات أكثر تسلية ببناء عوالم افتراضية تشبه بيئات ألعاب الفيديو أو باستخدام ألعاب الفيديو نفسها كبيئة للاجتماع.

ويأملون أن هذا قد يؤدي إلى زيادة إنتاجية الموظفين وسعادتهم. لكن هذا لن يحدث إلا إذا تمكن أحدهم من ابتكار أسلوب مناسب.

تشير جيمي تيفان، وهي عالمة أساسية متخصصة بالتجارب والأجهزة في مايكروسوفت، ودرست الإنتاجية، إلى أن الهدف الأساسي هو إضافة بعض المرح إلى التجربة. وتضيف أن الاجتماعات عن بعد وضعت على المحك طريقتنا في استخدام المساحة للتواصل، حيث حصرت عالمنا بمربعات رقمية ضيقة للغاية. وتعتقد أن تحسين التواصل يتطلب فتح هذه المساحات عبر اللعب. وتقول: “نحن خبراء في استخدام المساحة، لكننا خسرنا هذه الميزة في الاجتماعات على الإنترنت”. “ولهذا، من الأساسي أن نحدد شكل وطبيعة اللعبة والصلة الاجتماعية”.

ولهذا، وفي أحد صباحات الشهر المنصرم، انضممت إلى كوموسبيس، وهي شركة ناشئة تمكنت من ضم جوجل إلى قائمة عملائها، كما تعد على صفحتها الرئيسية بأن “تبني صلات ذات معنى حقيقي ضمن فضاءات افتراضية لا تُنسى”. وقد تم تصغير نافذة الفيديو الخاصة بي إلى مربع صغير أخذ يتجول ضمن فضاء افتراضي على شكل ردهة كبيرة مع أرائك، وبيانو، ونباتات الأفعى، وصندوق موسيقي يصدح بمسار صوتي ممزوج من سبوتيفاي باسم “الساعات الهادئة”. وما إن انضم المؤسس بريت مارتن إلى الفضاء الافتراضي، أخذني في جولة في الغرفة. وعندما تخلفت عنه في أثناء الحركة، أصبح صوته أضعف مع زيادة المسافة بيننا، وهي ميزة صوتية لمحاكاة الحياة الحقيقية.

“لحظة، أريد أن أريك شيئاً. أأنت جاهزة؟” سألني مارتن فجأة. وقبل أن أتمكن من الإجابة، وجدت نفسي أسير على شاطئ طويل.

لقد كانت التجربة بأسرها مثيرة للارتباك. وقد أحسست بالتشتت بسبب كثرة الأشياء التي شعرت بأنني مضطرة للقيام بها في نفس الوقت: التحدث مع مارتن، والحرص على البقاء قريبة منه حتى لا أضيعه في أثناء الحركة، وتجاوز العوائق المختلفة التي كانت تظهر أمامي فجأة، مثل موجة من الشاطئ، أو الراديو الذي كان يطمس حديثنا لدى الاقتراب منه، أو “كأس المشروب” الخاص بي، الذي كان يفرغ تدريجياُ بنفسه. ولهذا، وجدت أن التركيز على الاجتماع كان أمراً صعباً. وفي الواقع، شعرت بالتوتر والتحفيز الزائد.

ولكن مارتن يقول إن كوموسبيس وجدت لنفسها جمهوراً محدوداً من الشركات التي تستضيف الاجتماعات غير الرسمية، حيث يرغب الموظفون بالتعرف بعضهم إلى بعض، مثل لقاءات التعارف، ولقاءات بناء العلاقات، والرحلات “الخارجية”. ووفقاً لمارتن، فقد استخدم هذا المنتج “أكثر من مليون شخص” منذ إطلاقه في يونيو.

ومن المحتمل أن هدف هذه الاجتماعات -أي التعرف على الآخرين، لا محاولة إيجاد الحلول- يشير إلى السياق الذي تتمتع فيه الاجتماعات الأكثر اندماجية بأفضلية على غيرها. يقول مارتن: “إن زوم جيد للغاية لتوزيع المعلومات على الأشخاص الذين تعرفهم من قبل، ولكنه ليس رائعاً لبناء العلاقات مع الأشخاص الذين لا تعرفهم”.

وبالفعل، فإن الكثير من ابتكارات تكنولوجيا الاجتماعات التي ظهرت في العام الماضي تركز على إعادة بناء لحظات “اللقاءات العفوية قرب مبرّد المياه” التي تساعد الموظفين على بناء الصلات والعلاقات فيما بينهم. وتعتبر هذه الحوارات الخفيفة (حول الطقس أو الرياضة أو التلفاز مثلاً) مهمة لبناء وجهة نظر وإحساس بالثقة بشكل يسهل العمل اللاحق في حل المشاكل. ولكن هذه التفاعلات تتطلب انطباعاً بالتواصل، وهو انطباع لم تفلح مستطيلات زوم في بنائه على نحو جيد.

لقد استثمرت بعض الشركات المنصات الرقمية الموجودة من قبل بطريقتها الخاصة. فبعد ظهور الوباء بنحو شهرين، كتبت فيفيان شوارتز -مصممة الكتب والألعاب التي تعمل بشكل حر- منشوراً حقق انتشاراً كبيراً على تويتر حول مجموعة العمل الخاصة بها، التي كانت تعقد الاجتماعات في لعبة صراع البقاء في الغرب الأميركي القديم، ريد ديد ريديمبشن 2.

وقالت شوارتز: “تسمح اللعبة لنا بالجلوس في حلقة أو المشي معاً، أو حتى إعداد القهوة، إضافة إلى وجود نظام راسخ للدردشة الصوتية، ولهذا، بدت هذه الفكرة منطقية”.

ليست هذه المرة الأولى التي تُستخدم فيها لعبة فيديو لعقد الاجتماعات. فقبل شهر وبحسب تغريدة شوارتز، انتشرت شائعة عن استخدام شركة يابانية للعبة أنيمال كروسينج: نيو هورايزنز لعقد الاجتماعات. كما وجه بعض المسؤولين التنفيذيين دعوات إلى ألعاب مثل جراند ثيفت أوتو لكسب ود العملاء ضمن بيئة شخصية الطابع ومناسبة لظروف الوباء.

وبعد انتشار منشور شوارتز، أصبحت ريد ديد ريديمبشن بالنسبة للكثيرين “منصة مثالية لعقد اجتماعات العمل“. ولكن، على الرغم من تجربة شوارتز الإيجابية، فإنها ليست من مناصري استخدام ألعاب الفيديو للاجتماعات أولاً. وتقول إنه توجد وسائط أبسط للتواصل مع الناس على نحو يحقق الغرض المطلوب. وبما أن قيود الحظر رُفعت الآن في الكثير من أنحاء العالم، فإن الاجتماعات الشخصية ممكنة وفعالة، كما أن الاتصالات الهاتفية ما زالت متاحة بشكل أكثر سهولة وسرعة من ألعاب الفيديو.

هذا هو التوجه الذي اتخذته المجموعات: من ناحية، يمكن للعناصر المسلية جعل الاجتماعات أكثر إثارة للاهتمام، ويمكنها إلهام أفكار جديدة. ولكن من ناحية أخرى، فإن عقد هذه الاجتماعات قد يكون أكثر صعوبة، وقد تبدو مليئة بالحيل والألاعيب. تقول تيفان: “نحن نواجه تحديات محددة في الصلات الاجتماعية”. وعلى غرار فيسبوك، فإن مايكروسوفت تسعى أيضاً لإعادة ابتكار أدوات الاجتماعات. إحدى هذه الأدوات هي نمط توجيذر الذي صممته لبرنامج تيمز، والذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لاقتطاع صورة الشخص لوضعها ضمن بيئة افتراضية.

تقول تيفان إن العاملين يشعرون بعزلة متزايدة في العمل عن بعد، ويتحرقون للتواصل مع الآخرين. وتبين أبحاثها الداخلية في مايكروسوفت أن العاملين أصبحوا أقل انفتاحاً على الآخرين ضمن بيئة مؤتمرات الفيديو، ما يمكن أن يؤدي إلى قرارات سيئة.  وتقول: “نحن نعمل على تحويل شبكاتنا الاجتماعية الموجودة مسبقاً إلى بنى برمجية”. ويمكن للألعاب أن توسع هذه الشبكات، وتحسن من الثقة، تؤدي إلى قرارات أفضل أيضاً.

تشغل سيلفيا فورنوس منصب زميلة حائزة على الدكتوراة في مركز أبحاث ألعاب الحاسوب بجامعة آي تي في كوبنهاجن، وقد ساعدت مؤخراً على تنظيم قمة لمدة أسبوع كامل على جاذر، وهو فضاء افتراضي يسمح للمستخدمين بعقد اجتماعات في بيئة بتصميم بيكسلات كبيرة على غرار الألعاب بأنظمة 8 بت، بعد أن وجدت أن سلاك وزوم لم يحققا نتائج جيدة في التواصل مع الزملاء من حضور المؤتمر. وبدلاً من تشتيت الانتباه، فإن هذا التصميم المستوحى من الثمانينيات أضاف جواً من الأريحية والحميمية إلى الاجتماعات، وفقاً لفورنوس.

وعلى الرغم من هذا، فقد وجدت أن التواصل الحقيقي كان مفقوداً. وتقول: “إن الترابط بين أعضاء الفريق أمر أساسي في الأبحاث متعددة التخصصات ويمكن أن يؤثر في العمل مباشرة”. “ونحن بحاجة إلى العثور على حل وسطي، مثل فضاءات هجينة تجمع ما بين مرونة الفضاءات الافتراضية وإمكانية التواصل الاجتماعي والحضور الشخصي عند الحاجة”.

هذا الحل الوسطي في تكنولوجيا الاجتماعات يمثل تقاطع الأرباح مع الحاجات، وتأمل فيسبوك أن يلبي هورايزنز ووركروم هذه الحاجات، مهما بدا من المضحك أن تتحدث مع شخصية كرتونية متحركة تمثل رب عملك في الفضاء الافتراضي. وحتى كينج اعترفت بأن هورايزنز ووركروم “بدا غريباً وركيك الاستخدام بعض الشيء بالنسبة لي”.

ووفقاً لجيريمي بايلنسون، وهو أستاذ في الاتصالات في جامعة ستانفورد، ومؤسس مختبر التفاعلات البشرية الافتراضية، فإن الحل قد يكمن في مكان ما بين التكنولوجيات التقليدية والشبيهة بألعاب الفيديو للمؤتمرات المرئية. وفي هذا الصيف، أجرى تجربة لتحديد مدى نجاح كل من الطريقتين، مع 102 طالب يسجلون حضورهم لأكثر من 60,000 دقيقة على زوم ومنصة الواقع الافتراضي إنغيج.

“هل يجب أن نبقى على زوم أو نستخدم الواقع الافتراضي؟ الإجابة برأيي هي نعم، يجب أن نستخدم كلتا الطريقتين”، كما يقول بايلنسون. ويبين عمله، الذي نشر مؤخراً، أن نوع الاجتماع نفسه عامل مهم. ويقول: “إذا كان لديك شخص واحد سيتكلم فقط حتى يصغي إليه الآخرون، فإن زوم رائع لهذا النوع من الاجتماعات”. “أما إذا تضمن الاجتماع شيئاً من الحركة أو حوارات مجموعات صغيرة، فإن الواقع الافتراضي الغامر أفضل لتحقيق هذا الأمر”. وجد بايلنسون أن الواقع الافتراضي كان أفضل من حيث السماح للمشاركين بقراءة الإشارات غير اللفظية، مثل الميلان إلى الأمام أو النظر إلى العينين، وهو أمر ضروري لبناء الثقة والتفاهم.

ولكن بايلنسون يعترف بأن الواقع الافتراضي لم يصل إلى مرحلة تسمح باستخدامه لأكثر من بضع دقائق قبل أن نصاب بالتشويش.

إضافة إلى ذلك، ماذا لو لم يكن بإمكانك الوصول إلى الواقع الافتراضي؟ من أحد أساليب تحسين الاجتماعات الحالية إضافة عنصر ترفيهي بأساليب تكنولوجية بسيطة. وقد شاركت تيفان أبحاثاً داخلية من مايكروسوفت تشير إلى أن اللعب داخل الاجتماعات يمكن أن “يركز الانتباه على سياق الاجتماع ويحفز على الحوار” بدلاً من تشتيت انتباه الموظفين. كما وجدت دراسة داخلية أخرى من مايكروسوفت أن الألعاب لا تضع الموظفين في مواجهة مع بعضهم البعض، بل تقدم الدعم والتواصل “لبناء رأس مال اجتماعي”.

يمكن أن تمتد فوائد المرح والتسلية إلى المستقبل عندما نلتقي شخصياً حتى. ففي فترة ما قبل الوباء، قادت تيفان أبحاثاً حول استخدام ألعاب مثل منافسات المعلومات العامة لدعم التواصل الاجتماعي خلال الاجتماعات. وتقول: “لقد وجدنا أن هذه الألعاب تشجع على المزيد من التفاعل الاجتماعي، والمزيد من الحوار، وتزيد من المشاركة النشطة في الاجتماع”. وفي يوليو، أضافت شركة زوم بعض الألعاب ضمن التطبيق، بحيث يستطيع المشاركون في الاجتماع المرئي استخدامها في أثناء الاجتماعات، ولكن نوا ويسن نائب مدير المنتج في سلاك، قال لي إن الشركة ليست مهتمة بإضافة ألعاب.

ولكن شوارتز توافق على أن التخفيف من رتابة الاجتماعات قد يجعلها أفضل بالنسبة للعاملين المرهقين بسبب الوباء، بشرط ألا تُفرض على الموظفين من قبل المدراء المفرطين في الحماس. وتقول: “يمكن للمرح أن يتضمن الكثير من الأشياء الأخرى، مثل التعرض لهجوم من قبل دب بري في أثناء تدقيق جدول على جوجل لأن الجميع قرروا الذهاب إلى ريد ديد ريديمبشن 2”. “ولكن هذا يجب أن ينتج عن قرار حقيقي من قبل مجموعة من الأنداد الذين يشعرون بأنها رغبتهم الحقيقية، لا عن مدير يريد أن يفرض على الآخرين القيام بهذا الأمر بانتظام”.