Article image
الصورة الأصلية: كارستن ويرث عبر أنسبلاش | تعديل: إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية



يتناول هذا المقال الحاجة المتنامية إلى زيادة مرونة شبكات الطاقة، ونحلل فيه المساهمة المحتملة لبرنامج آلية الاستجابة للطلب.

2021-03-28 16:31:40

28 مارس 2021

نشرة خاصة من إنجازات

كثيرة هي التهديدات التي قد تؤثر على قدرة شبكات الطاقة في الاستجابة للمخاطر، رغم وجود خطط حالية تهدف إلى تعزيز الطاقات الاستيعابية. ويتناول هذا المقال الحاجة المتنامية إلى زيادة مرونة شبكات الطاقة، ونحلل فيه المساهمة المحتملة لبرنامج آلية الاستجابة للطلب. ويمثل هذا البرنامج وسيلة ناجحة لإدارة جانب الطلب في العديد من دول العالم، كأداة اقتصادية التكلفة لتعزيز مرونة الشبكة ودعم استقرار إمدادات الطاقة الكهربائية.

الحاجة المتنامية إلى تعزيز مرونة الشبكات وقدرتها على الاستجابة للمخاطر

يُقصد بمرونة الشبكة قدرة نظام الطاقة على تحقيق توازن مستمر بين التوليد والحمل حتى في ظروف التشغيل الصعبة، وبالتالي ضمان استقرار أداء الشبكة وقدرتها المتنامية على دمج مصادر الطاقة المتقلبة مثل الطاقة المتجددة. وتعد المرونة اليوم ضرورة إستراتيجية للعديد من القطاعات، لكنها تحظى بأهمية جوهرية في إطار شبكات الطاقة باعتبارها بنية تحتية ذات أهمية وطنية، ونظراً للصعوبة المتزايدة في تخطيطها وتشغيلها وصيانتها.

أما القدرة على الاستجابة للمخاطر، فيقصد بها عموماً قدرة النظام على استئناف عملياته التشغيلية الاعتيادية بعد الحالات الطارئة أو الأعطال الكبيرة. وفي سياق شبكات الطاقة، تتجسد قدرة الشبكة على الاستجابة للمخاطر في إمكانية توفير إمدادات الطاقة الموثوقة لتلبية معدلات الطلب المُلحَّة والمتباينة، عند حدوث أي اضطرابات غير متوقعة. ويستدعي ذلك قدرة الشبكة على معالجة تقلبات الطلب عبر امتلاك الاحتياطي الكافي أو إبداء المرونة اللازمة لاستعادة توازن الشبكة في أقصر وقت ممكن.

وثمة حاجة ملحة اليوم إلى تحقيق مستويات أعلى من المرونة مع تنامي التحديات التي تواجه أنظمة الطاقة الحالية، ومنها على سبيل المثال حالات الطوارئ المرتبطة بالظروف الجوية القاسية الناجمة عن تغير المناخ العالمي. أضف إلى ذلك أن الاستخدام المتزايد لمصادر الطاقة الخضراء يؤدي إلى التقلبات في إمدادات الطاقة، كما أن الاعتماد المتزايد على الأصول التي تغذيها طاقة الكهرباء والاستهلاك المتزايد للكهرباء يؤديان إلى تغيير نمط الاستهلاك، وفرض قيود جديدة على صعيد تنظيم عملية إدارة الشبكة وتوليد الطاقة وتوزيعها.

التكلفة المتصاعدة لمرونة الشبكات وقدرتها على الاستجابة للمخاطر

اعتاد مشغلو الشبكات وشركات خدمات الطاقة على تحقيق المرونة وتعزيز قدرة الشبكات على الاستجابة للمخاطر عبر امتلاك قدرة مركزية احتياطية للتوليد، أو من خلال الاستثمار في حلول توليد وتخزين موارد الطاقة الموزعة عبر الشبكات المحلية. وعادةً ما يرتبط سعر أمن الشبكة -وهو تكلفة تأمين مستويات أعلى من مرونة الشبكة- بالتكلفة الهامشية للاحتياطيات الإضافية، أو بتحقيق المرونة عن طريق جانب التوليد.

ويشمل ذلك التكلفة الرأسمالية الضخمة لبناء محطات طاقة حرارية جديدة مع البنية التحتية المرتبطة بها لضمان توفر احتياطيات كافية من الطاقة على الشبكة، وذلك رغم أن استخدامها الفعلي قد يكون متقطعاً ومقتصراً على فترات الذروة القصيرة أو الإمداد في حالات الطوارئ، ويعد ذلك بطبيعة الحال استخداماً غير مثالي للأصول والموارد ذات التكلفة الباهظة.

وقد تصل التكلفة الهامشية لمحطة توليد تعمل بواسطة توربينات الغاز ذات الدورة المفتوحة عند استخدامها بنسبة 6% إلى حوالي 200 دولار / ميجاواط ساعي، بينما تبلغ التكلفة الرأسمالية لمحطة توليد تعمل بواسطة التوربينات الغازية ذات الدورة المركبة حوالي 700,000 دولار للميجاواط. وكلما ازدادت حالات الاضطراب زادت معها الحاجة إلى المرونة، وارتفعت أيضاً التكاليف المرتبطة بها وأوجه القصور المحتملة.

إدارة جانب الطلب وآلية الاستجابة للطلب 

تمثل إدارة جانب الطلب من قِبل المستخدمين النهائيين وسيلة مثالية لتعزيز مرونة الشبكة. ويتيح ذلك لمشغلي الشبكات خفض وتيرة وأحمال الذروة، وأيضاً تقليص الاستهلاك الفعلي -على مدار الساعة وعلى امتداد الشبكة- إلى المستوى المطلوب؛ لتعزيز قدرة الشبكة على توفير الطاقة المطلوبة فورياً وعند الحاجة.

يعد برنامج آلية الاستجابة للطلب (Demand Response) من أبرز برامج إدارة جانب الطلب، ويأتي في إطار منظومة تهدف إلى تأسيس مفهوم الطاقة “الرقمية”، ويمكن استخدامه لتعزيز المرونة بتكلفة أقل. يعتمد هذا البرنامج على مرونة المستخدم النهائي -أي قدرة المستهلك على تقليل طلبه واستهلاكه للكهرباء خلال أوقات معينة ولفترات محددة– والاستفادة منها عبر مفهوم “المُجمِّع”. ويقوم هذا المُجمِّع بتجميع هذه المرونة من المستخدمين النهائيين ثم بيعها إلى مشغل الشبكة.

وتقوم اقتصاديات بيع هذه المرونة على عوامل عدة، منها خصائص المرونة المتاحة -مثل مدة خفض الاستهلاك، ومتطلبات فترة الإشعار، ووقت الاستهلاك- التي تحدد أيضاً نطاق استخدام المرونة المعروضة ونوع الهامش الاحتياطي الذي سيستخدمه مشغل الشبكة. ويرتكز نموذج عمل التجميع -وكذلك الاقتصادات الناجمة التي تحدد التدفقات المالية في البرنامج- على مبدأ بسيط إلى حد ما، ولكن التطبيق قد يصبح معقداً للغاية نظراً لحجم إعادة الهيكلة والتحرير والخصخصة وتعديل الأطر الناظمة لقطاع الكهرباء وسوق الكهرباء.

أنواع آليات الاستجابة للطلب

يهدف برنامج الاستجابة للطلب إلى “تغيير أنماط استهلاك الكهرباء المعتادة للمستخدمين النهائيين استجابةً لتغير أسعار الكهرباء؛ أو تقديم حوافز مادية لتشجيعهم على خفض استهلاك الكهرباء خلال أوقات الذروة، أو عند ارتفاع أسعار البيع، أو حدوث حالات طارئة تهدد استقرار الشبكة”.

ويمكن تقسيم برامج الاستجابة للطلب إلى فئتين: الاستجابة للطلب على أساس السعر (خيار التعرفة)، وفيها يتم تشجيع المستخدمين على تعديل أنماط استهلاكهم من خلال استخدام التعريفات وتوظيف المرونة السعرية للطلب على الطاقة؛ والاستجابة للطلب على أساس الحوافز (خيار البرنامج)، وفيها يوافق المستخدمون النهائيون على خفض استهلاكهم للكهرباء خلال أوقات معينة ولفترات محددة مقابل حوافز اقتصادية مثل الحسومات على فواتير الكهرباء، أو منحهم أرصدة للفواتير المستقبلية، أو دفع قيمة المرونة المعروضة.

ويمتاز النوع الثاني من برامج الاستجابة للطلب بقدرة أعلى على توفير احتياطيات “افتراضية”، وتحسين مرونة الشبكة بتكلفة هامشية إجمالية أقل من تكلفة بناء قدرات توليد إضافية. ويتم ذلك عبر توظيف هذه المرونة في تخفيض الاستهلاك الذي يمكن للمستخدمين النهائيين تحقيقه بأقل تأثير ممكن على راحتهم أو على المستوى العام لاستخدامهم للطاقة.

ويمكن لبرامج الاستجابة للطلب أن تعزز من مرونة شبكات الطاقة إلى حد كبير، وذلك عبر تجميع هذه المرونة وبيعها إلى مشغل الشبكة كقدرة افتراضية ثابتة ومرنة، ويمكن استخدامها في حالات الطوارئ للموازنة بين الطلب والعرض، أو حتى استخدامها كاحتياطي أثناء فترات التشغيل الطبيعية للشبكة. وتتيح هذه البرامج تحويل جزء كبير من الطلب من عبء على الشبكة إلى خيار أقل تكلفةً لاكتساب المرونة وضمان استمرارية عمل الشبكة ضمن هوامش أمان عالية وحتى تجنب الانقطاعات الكارثية.

ويمكن للمشاركين في برنامج الاستجابة للطلب الاستفادة أيضاً؛ حيث إن 50% على الأقل من تكلفة برنامج الاستجابة للطلب على أساس الحوافز ناجمة عن المدفوعات أو الخصومات الممنوحة للمستخدمين النهائيين الذين ينضمون إلى البرنامج ويوفرون المرونة اللازمة.

آليات الاستجابة للطلب كمبادرة وطنية

جرى تنفيذ برامج الاستجابة للطلب على أساس السعر -والتي تعتمد على أسعار متباينة وحوافز أخرى لتشجيع المستهلكين على تبني سلوكيات أكثر فعالية- على نطاق واسع في العديد من البلدان، بما في ذلك منطقة مجلس التعاون الخليجي والإمارات العربية المتحدة. في المقابل، لم تشهد مختلف البلدان والمناطق الجغرافية تقدماً متساوياً في تطبيق برامج الاستجابة للطلب على أساس الحوافز بعد المرحلة التجريبية الأولية. ويعود ذلك لثلاثة أسباب رئيسية:

  1. الدعم التنظيمي:
    يتمثل الدعم المطلوب في وضع لوائح تنظيمية جديدة تغطي المعايير والمواصفات الفنية للبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات المستخدمة لضمان استقرار أداء المنصة وتمكين التواصل المستمر بين مشغل الشبكة وجميع المستخدمين النهائيين المشاركين في برنامج الاستجابة للطلب. ويشمل هذا الدعم أيضاً الإجراءات التشغيلية للمعاملات، وكذلك هياكل السوق التي تضمن توفير تعويضات مجزية ومتوقعة ومنصفة لجميع الأطراف المعنية.
  2. توافر التكنولوجيا:
    إن إحداث تحول في قطاع الطاقة للاستفادة من مرونة المستخدم النهائي كجزء من عملية التوزيع هو أمر غير منطقي ما لم تتوافر الأدوات والتكنولوجيا اللازمة لتلبية جوانب المتطلبات جميعها. ويشمل ذلك أجهزة الاستشعار القادرة على قراءة البيانات متعددة المتغيرات، وقنوات الاتصال اللازمة لضمان الاستجابة الفورية لطلبات مشغلي الشبكات وشركات المرافق، والمنصة الضرورية للحصول على مجموعات البيانات الكبيرة ومعالجتها، والخوارزميات وأدوات التحكم اللازمة لإجراء تحليلات شبه فورية، والآليات المناسبة لجعل هذه البيانات وأدوات التحكم المرتبطة بها موثوقة وآمنة.
  3. توفر الخبرات الجاهزة:
    يشير ذلك إلى المعرفة المطلوبة لاستخدام البيانات، وتطبيق آليات التحليل المتقدمة على هذه البيانات لإنتاج معلومات قابلة للتطبيق، وكذلك المعرفة العميقة بعمليات واقتصاديات قطاع الطاقة. وتختلف هذه الخبرات باختلاف المشهد الجغرافي وقطاع المستخدم النهائي الذي سيتم تطبيق هذا التحول فيه. وعادةً ما يختلف مشهد قطاع الطاقة بين البلدان من حيث البنية، وهيكل السوق، والإطار التنظيمي، والمتطلبات الاجتماعية، وآليات عمل الأطراف المعنية.

أياً ما كان الأمر، فإن التنفيذ الأولي لبرامج الاستجابة للطلب على أساس الحوافز لا يحتاج بالضرورة إلى الانتظار حتى اكتمال إجراء التغييرات التنظيمية؛ فحتى قبل إنشاء وتنظيم أسواق الكهرباء (سوق اليوم التالي، والسوق الفوري، والخدمات المساعدة… وما إلى ذلك)، يمكن لمشغل الشبكة أو شركة المرافق المحلية التصرف -بشكل مباشر أو غير مباشر- كمُجمِّع، والاستعانة بشريك إستراتيجي للوصول إلى التكنولوجيا والخبرة المطلوبة لتصميم وإنشاء وتشغيل مثل هذا البرنامج.

كانت أبوظبي السبّاقة في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي إلى تصميم وتنفيذ إصلاحات تنظيمية تساعدها في تقليص الاعتماد على الهيكلية الموحدة لسوق الكهرباء. فابتداءً من عام 1998، تم إجراء العديد من التغييرات في التشريعات والهيكليات والأنظمة المرتبطة بقطاع الكهرباء في أبوظبي وكذلك على قطاع تحلية المياه المرتبط به.

ونتيجة لارتفاع عدد السكان والنمو الاقتصادي، وبالرغم من التداعيات السلبية لجائحة “كوفيد -19″، من المتوقع أن يزداد الطلب على الطاقة في أبوظبي بشكل مضطرد خلال العقد المقبل، وأن تزداد معدلات الاستهلاك سنوياً حتى عام 2035. وللحد من استهلاك الطاقة المتزايد والمساهمة في الموازنة بين العرض والطلب، شرعت أبوظبي بتطبيق إستراتيجية لإدارة جانب الطلب وترشيد استخدام الطاقة التي يمكن لها خفض استهلاك الكهرباء والمياه بحلول عام 2030. وبما أن آلية الاستجابة للطلب تعد من المبادرات الرئيسية التي حددتها هذه الخطة الطموحة، ونظراً لقدرة الهيئات الحكومية في دولة الإمارات على لعب دور إقليمي وعالمي رائد في جميع المجالات، فنحن اليوم على ثقة أكبر بقرب تطبيق هذه الآلية على نطاق واسع في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وعلى هذا الصعيد، تعد مبادرتا “ملفّي” و”حصَّنتك” -اللتان شاركت “إنجازات” في إطلاقهما- بمنزلة نموذجين ملهمين لنجاح الجهات الحكومية في دولة الإمارات العربية المتحدة في تسريع وتيرة تطبيق التقنيات الناشئة؛ وذلك للمساهمة بشكل ملموس في تعزيز النطاق والجودة وتكلفة الخدمات المقدمة للمواطنين والشركات، عن طريق الشراكات التي جمعت بين القطاعين العام والخاص (PPP) من خلال شركة تتمتع بأعلى القدرات ومستويات الالتزام والموثوقية.