Article image
مصدر الصورة: إم إس تك | صور أسوشييتد برس



قامت الصين بتقليد تقنيات أميركية لإنشاء فيروسات كورونا جديدة في ظروف غير آمنة.

2021-08-12 01:04:54

11 أغسطس 2021

في عام 2013، اقترب عالم الفيروسات الأميركي رالف باريك من جنغلي شي في أحد الاجتماعات. كان باريك أحد أبرز خبراء فيروسات كورونا وذُكر اسمه في مئات الأوراق البحثية، وكانت جنغلي شي وفريقها في معهد ووهان لعلم الفيروسات يستكشفون العديد منها في كهوف الخفافيش. في إحدى عينات فضلات الخفافيش، اكتشفت جنغلي شي جينوماً لفيروس جديد يُدعى SHC014، الذي كان أحد أقرب الفيروسات لفيروس السارس الأصلي، لكن فريقها لم يتمكن من استزراعه في المختبر.

وكان باريك قد طور طريقة للتغلب على هذه المشكلة، وهي تقنية ترتبط بـ “الوراثة العكسية” لدى فيروسات كورونا. ولم يسمح له ذلك بإنشاء فيروس حي اعتماداً على شيفرته الجينية فحسب، ولكنه تمكن أيضاً من الجمع بين أجزاء مأخوذة من فيروسات متعددة ومطابقتها. أراد باريك أن يأخذ جين “البروتين الناتئ” من فيروس SHC014 وأن ينقله إلى نسخة جينية من فيروس السارس كانت موجودة بالفعل في مختبره. إن جزيء البروتين الناتئ هو ما يسمح لفيروس كورونا باقتحام الخلية والدخول إليها. ومن شأن المركب الناتج توضيح ما إذا كان البروتين الناتئ لفيروس SHC014 سيرتبط بالخلايا البشرية أم لا.

إذا كان ذلك ممكناً، فيمكن أن يساعده في مشروعه طويل الأمد لتطوير أدوية ولقاحات عالمية ضد مجموعة كاملة من الفيروسات الشبيهة بالسارس، التي كان كثيراً ما يعدُّها مصادر لأوبئة محتملة. تم تطوير لقاح للسارس، لكن لم يكن من المتوقع أن يكون فعالاً للغاية ضد فيروسات كورونا القريبة، تماماً كما أن لقاحات الأنفلونزا نادراً ما تكون فعالة ضد السلالات الجديدة. لتطوير لقاح عالمي من شأنه أن يثير استجابة الأجسام المضادة ضد مجموعة من الفيروسات الشبيهة بالسارس، لا بدّ من تعريف جهاز المناعة على مجموعة من البروتينات الناتئة. ويمكن أن يكون فيروس SHC014 أحدها.

سأل باريك جنغلي شي عما إذا كان بإمكانه الحصول على البيانات الجينية لفيروس SHC014. ويقول: “لقد كانت كريمة بما يكفي لإرسال تلك التسلسلات إلينا على الفور تقريباً”. قام فريقه بتقديم الفيروس المعدل بهذه الشيفرة إلى الفئران وإلى خلايا مجرى الهواء البشرية في طبق بتري. أظهر الفيروس المركّب “تكاثراً قوياً” في الخلايا البشرية؛ ما يمثل دليلاً على أن الطبيعة كانت مليئة بفيروسات كورونا الجاهزة للانتقال مباشرة إلى البشر.

بينما كان يتم إجراء دراسة باريك، أعلنت المعاهد الأميركية الوطنية للصحة أنها ستتوقف مؤقتاً عن تمويل أبحاث “اكتساب الوظائف”، وهي تجارب تجعل الفيروسات الخطرة أصلاً أكثر خطورة أو قابلية للانتقال، وذلك على فيروسات السارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (التي تنتمي إلى فيروسات كورونا أيضاً) والأنفلونزا، إلى أن يتم تقييم سلامة مثل هذه الأبحاث. أدى هذا الإعلان إلى توقف أعمال باريك.

كان باريك يعدّ أسطورة في هذا المجال، ولكن بغض النظر عن مدى احتياطات السلامة التي يتم اتخاذها، فهناك دائماً احتمال أن يتسرب فيروس لم يسبق له مثيل ويؤدي إلى حدوث وباء. شعر باريك أن الإجراءات القصوى التي اتخذها في المختبر قللت من المخاطر، وجعلت بحثه مختلفاً بشكل قاطع عن أبحاث الأنفلونزا عالية الخطورة التي استهدفتها المعاهد الوطنية للصحة. كما أحس بأن بحثه كان مُلحّاً؛ فقد بدأت حالات جديدة من متلازمة الشرق الأوسط التنفسية بالانتشار عن طريق الجمال في الشرق الأوسط. وفي النهاية، منحته المعاهد الوطنية للصحة موافقتها على الاستمرار.

وكانت ورقته البحثية التي نشرت عام 2015 بعنوان “مجموعة شبيهة بالسارس من فيروسات كورونا المنتشرة لدى الخفافيش تُبدي إمكانية ظهورها لدى الإنسان”، بمثابة عمل بارز تم فيه استخدام التكنولوجيا الجينية المتطورة لتنبيه العالم المتحضر إلى خطر يلوح في الأفق. كما أعادت إبراز المخاوف بشأن تجارب اكتساب الوظائف، الأمر الذي كان باريك يعرف أنه سيحدث. في الورقة البحثية، أوضح باريك الاحتياطات الإضافية التي اتخذها واعتبر البحث كحالة اختبار. وكتب قائلاً: “يجب الموازنة بين إمكانية الاستعداد لتفشي الأمراض في المستقبل والتخفيف منها مع خطر خلق عوامل ممرِضة أكثر خطورة. قد تعد لجان المراجعة العلمية أن الدراسات المماثلة التي تقوم بإنشاء فيروسات مركبة اعتماداً على السلالات المنتشرة تنطوي على مخاطرة كبيرة للغاية”.

قررت المعاهد الوطنية للصحة أن الأمر يستحق المخاطرة؛ ففي قرار ربما يكون مصيرياً، قامت بتمويل بحث مشابه لبحث باريك في معهد ووهان لعلم الفيروسات، الذي سرعان ما استخدم تقنيته الخاصة في علم الوراثة العكسية لإنشاء العديد من فيروسات كورونا المركبة.

ومع ذلك، ما لم تتم ملاحظته من قِبل الأغلبية كان وجود اختلاف رئيسي أدى إلى تغيير كبير في حساب المخاطر. فقد تم إجراء البحث الصيني في مختبر سلامته الحيوية من المستوى 2 (BSL-2)، وهو مستوى أقل بكثير من مختبر باريك الذي يزيد مستواه عن 3.

لا يزال سبب جائحة كوفيد-19 غير مؤكد، وتقول جنغلي شي إن مختبرها لم يتعامل أبداً مع فيروس كورونا المستجد قبل تفشيه في ووهان. ولكن الآن بعد أن قال المسؤولون الأميركيون إنه لا بد من التحقيق في احتمال وقوع حادث مختبري، فقد تسلطت الأضواء على التمويل الأميركي لأبحاث مختبر ووهان الأقل أماناً. يتقدم الآن مجموعة من العلماء، من بينهم باريك، ليقولوا إن تلك الخطوة كانت خاطئة. فحتى لو لم يكن هناك ارتباط بكوفيد-19، فإن السماح بإجراء أبحاث على فيروسات الخفافيش التي يحتمل أن تكون خطرة في مختبر من المستوى 2 هو “فضيحة حقيقية”، كما يقول مايكل لين، المهندس الحيوي في جامعة ستانفورد.

بدأت المخاوف المتزايدة من أن الولايات المتحدة قد موّلت أبحاثاً خطيرة في الصين بالظهور في المناقشات الوطنية العامة في 11 مايو، عندما قام السيناتور راند بول باتهام أنتوني فوسي، المدير المخضرم للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المُعدية التابع للمعاهد الأميركية الوطنية للصحة، بتمويل أبحاث “الفيروسات الخارقة” في الولايات المتحدة و”ارتكاب خطأ فادح” من خلال تبادل المعارف مع الصين. قام بول بمواجهة فوسي مراراً وتكراراً مطالباً إياه بمعرفة ما إذا كان قد قام بتمويل أبحاث اكتساب الوظائف في ذلك البلد. نفى فوسي الاتهام وقال بشكل قاطع: “لم تقم المعاهد الوطنية للصحة على الإطلاق، ولا تقوم الآن، بتمويل أبحاث اكتساب الوظائف في معهد ووهان لعلم الفيروسات”.

السيناتور راند بول

خلال جلسة استماع في 11 مايو 2021، قام السيناتور راند بول بمواجهة أنتوني فوسي بشأن تمويل أبحاث فيروسات الخفافيش من قبل المعاهد الوطنية للصحة.
مصدر الصورة: جريج ناش / بول عبر صور أسوشييتد برس

يعتمد هذا الإنكار على التعريف الخاص بالمعاهد الوطنية للصحة لما يشمله التعليق، وهي الأبحاث التي من شأنها أن تقوم بشكل متعمد بتعزيز الفيروسات الشبيهة بالسارس أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية أو الأنفلونزا، على سبيل المثال؛ ما يسهل انتشارها عبر الهواء. لم يكن الهدف المحدد للبحث الصيني يتمثل في زيادة قوة الفيروسات، كما استخدم فيروسات قريبة من السارس بدلاً من السارس نفسه، التي لم تكن مخاطرها الحقيقية معروفة. وفي الواقع، كان تحديد الخطر هو الهدف من البحث. وكما هو الحال في لعبة الحظ، فلم تكن هناك طريقة لمعرفة ما إذا كانت الفيروسات المركبة النهائية ستكون أقوى أم أضعف.

لم توضّح المعاهد الوطنية للصحة بشكل كامل حتى الآن عمليتها في اتخاذ القرار ولم ترد على الأسئلة. ونقلاً عن تحقيق معلق، فقد رفضت نشر نسخ عن المنحة التي أرسلت نحو 600 ألف دولار إلى معهد ووهان بين عامي 2014 و2019. ولم تكشف أيضاً سوى القليل عن نظامها الجديد لتقييم مخاطر أبحاث اكتساب الوظائف، الذي يتم إجراؤه من قِبل لجنة مراجعة مجهولة الهوية ولا يتم الإعلان عن مناقشاتها. وإلى أن يتم إيضاح المزيد، فإن الوكالة ستحارب التكهنات الصادرة عن بول وغيره بأن السيناريو الذي حدث قد أوضحه فوسي بنفسه في تعليق له عام 2012 ناقش فيه الأبحاث حول الفيروسات الوبائية.

وكتب فوسي قائلاً: “تخيل هذا السيناريو الافتراضي: تم إجراء تجربة مهمة لاكتساب الوظائف على فيروس يمكنه إحداث جائحة خطيرة، وذلك من قبل باحثين يتمتعون بالخبرة وفي مختبر جيد التنظيم وعالمي المستوى، ولكن تم فيما بعد استخدام المعلومات المنبثقة عن التجربة من قبل عالم آخر لم يتلق نفس التدريب وليس لديه نفس المنشآت ولا يخضع لنفس الإجراءات التنظيمية. وفي تحوّل غير متوقع للأحداث ولكنه ممكن، ماذا لو أصيب هذا العالم بالفيروس، مؤدياً إلى تفشي المرض والتسبب في حدوث جائحة في النهاية؟”.

نداء للانتباه

أدى اتهام بول لفوسي إلى تدقيق جديد للعلاقة بين مختبر رالف باريك في جامعة نورث كارولينا وجنغلي شي في معهد ووهان، مع بعض الروايات التي تصوّر باريك على أنه المعلم في مجال السارس وجنغلي شي على أنها تلميذته الصاعدة. فقد قاما بالتشارك في الموارد؛ فعلى سبيل المثال، أرسل باريك الفئران المعدلة جينياً بإضافة مستقبلات رئوية بشرية إلى ووهان. ولكن بعد تعاونهما الأوّلي، أصبح المركزان أشبه بالمنافسين؛ إذ كانا في سباق لتحديد فيروسات كورونا الخطيرة وتقييم التهديد المحتمل وتطوير تدابير مضادة مثل اللقاحات.

بالنسبة إلى باريك، بدأ هذا البحث في أواخر التسعينيات. تم في ذلك الوقت اعتبار فيروسات كورونا على أنها ذات خطورة منخفضة، لكن دراسات باريك حول الجينات التي سمحت للفيروسات بدخول الخلايا البشرية أقنعته بأن بعضها قد يكون بحاجة إلى طفرات قليلة للانتقال بين الأنواع.

تم تأكيد هذا الحدس في عامي 2002 و2003، عندما تفشى مرض سارس في جنوب الصين، مؤدياً إلى إصابة 8,000 شخص. ويقول باريك إنه على الرغم من أن ذلك كان سيئاً، إلا أننا تجنبنا حدوث كارثة مع السارس. فلم يكن المرض ينتشر من شخص إلى آخر إلا بعد مرور يوم تقريباً على بدء ظهور الأعراض الشديدة؛ ما سهّل حصره من خلال الحجر الصحي وتتبع المخالطين. توفي 774 شخصاً فقط في تلك الفاشية، ولكن لو كان الفيروس ينتقل بسهولة انتقال فيروس كورونا، “لكنّا واجهنا جائحة معدل وفياتها 10%”، كما يقول باريك. ويضيف: “لقد بلغت البشرية ذلك المدى”.

ورغم أنه من المثير أن ينتهي السارس بصفته فاشية لمرة واحدة، إلا أن متلازمة الشرق الأوسط التنفسية ظهرت في عام 2012 وبدأت تنتشر بين الناس في الشرق الأوسط. يقول باريك: “بالنسبة لي شخصياً، كان ذلك بمنزلة نداء للانتباه إلى أن الحيوانات لا بد من أن تحتوي على الكثير من السلالات التي تتهيأ للانتقال عبر الأنواع”.

بحلول ذلك الوقت، كان يتم اكتشاف أمثلة على مثل هذه المخاطر من قبل فريق جنغلي شي، الذي أمضى سنوات في أخذ عينات من الخفافيش في جنوب الصين لتحديد منشأ السارس. كان المشروع جزءاً من جهد عالمي للترصد الفيروسي تحت إشراف مؤسسة إيكوهيلث أليانس الأميركية غير الربحية. يبلغ الدخل السنوي لهذه المؤسسة أكثر من 16 مليون دولار، أكثر من 90% منها من منح حكومية، ولها مكتب في نيويورك ولكنها تعقد شراكات مع مجموعات بحثية محلية في دول أخرى للقيام بأعمال ميدانية ومختبرية. وكان معهد ووهان أبرز هذه المجموعات، وشارك بيتر داشاك، رئيس إيكوهيلث أليانس، مع جنغلي شي في تأليف معظم أوراقها البحثية الرئيسية.

ومن خلال أخذ آلاف العينات من فضلات الطيور ومسحات البراز وأنسجة الخفافيش، والبحث في تلك العينات عن تسلسلات جينية مشابهة لفيروس السارس، بدأ فريق جنغلي شي باكتشاف العديد من الفيروسات القريبة. وفي كهف في مقاطعة يونان، اكتشفوا في عام 2011 أو 2012 أقرب فيروسين، وأطلقوا عليهما WIV1 وSHC014.

تمكنت جنغلي شي من استزراع فيروس WIV1 في مختبرها من عينة برازية وأظهرت إمكانية إصابته للخلايا البشرية بشكل مباشر؛ ما يثبت أن الفيروسات الشبيهة بالسارس والجاهزة للانتقال من الخفافيش إلى البشر مباشرة توجد في الطبيعة بالفعل. وكما قال داشاك وجنغلي شي، فإن ذلك يثبت أن فيروسات الخفافيش تشكل “تهديداً عالمياً كبيراً”. وقالا إنه يتعين على العلماء العثور عليها ودراستها قبل أن تعثر علينا.

لم يكن من الممكن استزراع العديد من الفيروسات الأخرى، ولكن نظام باريك وجد طريقة لاختبار بروتيناتها الناتئة بشكل سريع عن طريق تعديلها إلى فيروسات مماثلة. وعندما أثبت الفيروس المركّب الذي صنعه اعتماداً على فيروس SHC014 قدرته على إصابة الخلايا البشرية في طبق مختبري، قال داشاك للصحافة بأن هذه الاكتشافات ينبغي أن “تغيّر تصنيف هذا الفيروس من عامل مُمْرِض ناشئ محتمل إلى خطر واضح وقائم”.

بالنسبة للآخرين، كان ذلك هو المثال الأمثل عن المخاطر غير الضرورية لتجارب اكتساب الوظائف. وقال ريتشارد إبرايت، عالم الأحياء الدقيقة في جامعة روتجرز والناقد القديم لمثل هذه الأبحاث، لمجلة نيتشر: “التأثير الوحيد لهذا العمل هو خلق خطر جديد غير طبيعي في المختبر”.

بالنسبة إلى باريك، فقد كان الوضع يحمل معنى آخر. وعلى الرغم من أن الفيروس الذي ابتكره قد يكون أكثر خطورة من الفيروس الأصلي المتكيف مع الفئران والذي استخدمه كأساس، إلا أنه لا يزال ضعيفاً مقارنةً بفيروس السارس، ولم يكن بالتأكيد فيروساً خارقاً كما أشار إليه السيناتور بول في وقت لاحق.

في النهاية، لم يكن لتعليق المعاهد الوطنية للصحة أي أثر؛ فقد تضمن بنداً يمنح استثناءات “إذا قرر رئيس وكالة التمويل بأن البحث ضروري بشكل عاجل لحماية الصحة العامة أو الأمن القومي”. ولم يُسمح فقط لدراسات باريك بالاستمرار، ولكن أيضاً لجميع الدراسات التي تقدمت بطلب للحصول على استثناء. وتم رفع قيود التمويل في عام 2017 واستبدالها بنظام أكثر تساهلاً.

بدلات واقية وأجهزة تنفس

إذا كانت المعاهد الوطنية للصحة تبحث عن عالم مطمئن للهيئات التنظيمية فيما يتعلق بأبحاث اكتساب الوظائف، فإن باريك كان هو الخيار الواضح؛ إذ كان يصر لسنوات على اتخاذ خطوات أمان إضافية وبذلَ جهداً للإشارة إلى هذه الخطوات في بحثه عام 2015، كما لو كانت نموذجاً للمضي قدماً.

تحدد مراكز السيطرة على الأمراض أربعة مستويات للسلامة الحيوية وتقترح العوامل الممرِضة التي ينبغي دراستها في كل مستوى. ينطوي مستوى السلامة الحيوية 1 على الكائنات غير الخطرة ولا يتطلب أي احتياطات تقريباً، سوى ارتداء مريول المختبر والكفوف عند اللزوم. أما المستوى 2، فهو مخصص للعوامل الممرِضة متوسطة الخطورة المتوطنة أصلاً في المنطقة، ويوصى في هذا المستوى باتخاذ تدابير خفيفة نسبياً، مثل إغلاق الباب وارتداء نظارات لحماية العينين والتخلص من النفايات في معقمة رطبة. تبدأ الأمور بأن تصبح خطيرة في المستوى 3، الذي ينطوي على عوامل ممرِضة يمكنها أن تسبب مرضاً خطيراً من خلال انتقالها عبر التنفس، مثل الأنفلونزا والسارس، وتشمل البروتوكولات في هذا المستوى حواجز متعددة لمنع التسرب. وتكون المختبرات محاطة بمجموعتين من الأبواب ذاتية الإغلاق والقفل، ويتم ترشيح الهواء، ويستخدم الأشخاص معدات الوقاية الشخصية الكاملة وكمامات N95 ويخضعون للمراقبة الطبية. ويبقى المستوى 4 مخصصاً لأسوأ العوامل الممرِضة، مثل فيروسي إيبولا وماربورغ، ويضاف إلى المعدات في هذا المستوى بدلات تشبه بدلات الفضاء وأنظمة هواء مخصصة.

في مختبر باريك، تمت دراسة الفيروسات المركبة تحت المستوى 3، وتم تعزيز السلامة الحيوية بخطوات إضافية مثل بدلات واقية وكفوف مزدوجة وأجهزة تنفس لحماية جميع العمال من الهواء الملوث. وشاركت فرق الاستجابة الأولية المحلية في تدريبات منتظمة لزيادة معرفتهم بالمختبر. وتمت مراقبة جميع العمال للكشف عن العدوى، وكان هناك إجراءات في المستشفيات المحلية للتعامل مع العلماء القادمين. كان هذا المختبر على الأرجح أحد أكثر منشآت المستوى 3 أماناً في العالم. ومع ذلك، لم يكن هذا الأمر كافياً لمنع حدوث عدد من الأخطاء على مر السنين، حيث تعرض بعض العلماء للعضِّ من قبل الفئران الحاملة للفيروسات. لكنها لم تُسفر عن الإصابة بأي حالات عدوى.

عوامل ممرِضة جديدة تماماً

في عام 2014، قدّمت المعاهد الوطنية للصحة منحة مدتها خمس سنوات وقيمتها 3.75 مليون دولار لمؤسسة إيكوهيلث أليانس لدراسة خطر ظهور المزيد من فيروسات كورونا التي تنقلها الخفافيش في الصين، وذلك باستخدام نفس النوع من التقنيات التي ابتكرها باريك. وكان من المقرر أن تقوم المؤسسة بالتعاقد مع معهد ووهان لعلم الفيروسات لإجراء بعض تلك التجارب.

وبعد عامين، قام داشاك وجنغلي شي بنشر ورقة بحثية توضح كيف طوّر المختبر الصيني أنماطاً مختلفة من فيروس WIV1 واختبر قابليتها لإصابة الخلايا البشرية بالعدوى. وذكرت الورقة البحثية أن معهد ووهان طوّر نظامه الخاص بالوراثة العكسية، على غرار ما قام به الأميركيون. كما تضمنت أيضاً تفاصيل مثيرة للقلق، فالبحث الممول جزئياً من خلال منحة المعاهد الوطنية للصحة قد تم إجراؤه في مختبر من المستوى 2. وهذا يعني أن نفس الفيروسات، التي كان داشاك يعدها خطراً واضحاً وقائماً على العالم، كانت تخضع للدراسة في ظل ظروف تماثل “مستوى السلامة الحيوية في عيادة طبيب الأسنان في الولايات المتحدة”، وفقاً لريتشارد إبرايت.

يعتقد إبرايت أن من بين العوامل المؤثرة كانت التكلفة وعدم ملائمة العمل في تلك الظروف عالية المخاطر. ويقول إن قرار المختبر الصيني بإجراء التجارب في منشأة من المستوى 2 كان من شأنه أن “يزيد معدلات التقدم بشكل فعال بمقدار 10 أضعاف إلى 20 ضعفاً، عند تساوي باقي العوامل الأخرى”، الأمر الذي يعتبر ميزة هائلة.

وكانت التجارب في معهد ووهان تتقدم بسرعة بالفعل. وفي عام 2017، تابع داشاك وجنغلي شي دراسة أخرى في منشأة من المستوى 2 أيضاً، التي تفوقت على بحث باريك في ولاية كارولينا الشمالية. واصل معهد ووهان اكتشاف العشرات من فيروسات كورونا الجديدة الشبيهة بالسارس في كهوف الخفافيش، وأبلغت عن إعداد فيروسات مركبة لثمانية منها من خلال دمج البروتينات الناتئة للفيروسات الجديدة مع هيكل فيروس WIV1. ونجح اثنان منها بالتكاثر بشكل جيد في الخلايا البشرية. وبشكل أساسي، فقد كانت تلك الفيروسات عبارة عن عوامل ممرِضة جديدة تماماً.

أدى الكشف عن أن معهد ووهان كان يجري تجارب على فيروسات شبيهة بالسارس في ظروف سلامة دون المستوى إلى قيام البعض بإعادة تقييم احتمال ظهور فيروس كورونا من أحد أنواع الحوادث المختبرية. وقال إيان ليبكين، عالم الفيروسات في جامعة كولومبيا الذي شارك في تأليف الورقة البحثية الأساسية التي تقول إن منشأ فيروس كورونا لا بدّ وأن يكون طبيعياً، للصحفي دونالد ماكنيل جونيور: “ذلك أمر خاطئ. ما كان ينبغي أن يحدث. ينبغي ألا يتم إجراء تجارب على فيروسات الخفافيش في مختبرات من المستوى 2. لقد تغيرت وجهة نظري”.

لكن معهد ووهان لم يخالف أي قواعد من خلال العمل في مختبر من المستوى 2، كما تقول فيليبا لينتزوس، خبيرة الأمن الحيوي في كينجز كوليدج لندن، مضيفةً: “لا توجد معايير يجب الالتزام بها لما ينبغي عليك فعله وما لا ينبغي عليك فعله. الأمر متروك لكل دولة وللمؤسسات والعلماء”. وتقول إن الازدياد المفاجئ في الأبحاث الحيوية عالية التقنية في الصين لم يرافقه ازدياد مماثل في الإشراف.

وقالت جنغلي شي في رسالة بالبريد الإلكتروني إنها اتبعت القواعد الصينية المشابهة لتلك الموجودة في الولايات المتحدة. تعتمد متطلبات السلامة على نوع الفيروس الذي تتم دراسته. ونظراً لأنه لم يتم تأكيد أن بعض فيروسات الخفافيش مثل فيروس WIV1 تسبب المرض لدى البشر، فقد أوصت لجنتها المتخصصة بالسلامة الحيوية بمختبر من المستوى 2 لتعديل هذه الفيروسات واختبارها وبمختبر من المستوى 3 لأي تجارب على الحيوانات.

ورداً على أسئلة بشأن قرار إجراء البحث في مختبر من المستوى 2، أرسل بيتر داشاك بياناً من مؤسسة إيكوهيلث أليانس ينص على أن المؤسسة “يجب أن تتبع القوانين المحلية للبلدان التي نعمل فيها” وأن المعاهد الوطنية للصحة قد قررت بأن البحث “لم يكن من أبحاث اكتساب الوظائف”.

استجواب الصين

ومع ذلك، لا يوجد قانون يمنع استخدام إجراءات أمان مختبرية أكثر صرامة، فهذه الفيروسات تستحق ذلك، وفقاً لباريك. ويقول: “لن أزعم أبداً أنه ينبغي دراسة فيروس WIV1 أو فيروس SHC014 في منشأة من المستوى 2؛ لأنهما يمكنهما النمو في الخلايا البشرية الأولية. هناك بعض المخاطر المرتبطة بهذه الفيروسات. ليس لدينا أي فكرة عما إذا كان يمكنها أن تسبب مرضاً خطيراً لدى الإنسان، لكن لا بدّ من أخذ جانب الحذر… عند دراسة 100 فيروس مختلف من فيروسات الخفافيش، فقد لا يحالفنا الحظ”.

منذ أن بدأ الوباء، لم يقل باريك الكثير عن الأصول المحتملة للفيروس أو عن أقرانه الصينيين. ومع ذلك، فقد أشار بهدوء في عدة مناسبات إلى مخاوف تتعلق بالسلامة في معهد ووهان. وفي مايو 2020، عندما كان بعض العلماء على استعداد للكلام عن حدوث تسرب مختبري على العلن، قام بنشر ورقة بحثية أقر فيها بأن “التكهنات حول التسرب العرَضي من المختبر من المرجح أن تستمر، نظراً للمجموعات الكبيرة من عينات فيروسات الخفافيش المخزنة في المختبرات في معهد ووهان لعلم الفيروسات، ولقرب المنشأة من مكان حدوث التفشي الأولي، ولإجراءات العمل في المنشأة”. وأشار إلى ورقة داشاك وجنغلي شي المتعلقة بالمستوى 2، في حال عدم فهم ما كان يقوله.

رالف باريك من جامعة نورث كارولينا

رالف باريك من جامعة نورث كارولينا، وهو متخصص في التعديل الجيني لفيروسات كورونا لتطوير اللقاحات وأبحاث الأدوية.
صورة مقدَّمة للنشر

وقامت المعاهد الوطنية للصحة أيضاً بإعادة النظر في علاقاتها بمختبر ووهان؛ ففي أبريل 2020، أنهت المعاهد الوطنية للصحة منحتها المقدّمة إلى مؤسسة إيكوهيلث أليانس لإجراء أبحاث على فيروسات الخفافيش. وفي رسالة لاحقة إلى داشاك في 8 يوليو، عرضت إعادة المنحة، ولكن بشرط أن تتمكن مؤسسة إيكوهيلث أليانس من تبديد مخاوفها، مشيرةً إلى التقارير التي تفيد بأن معهد ووهان “أجرى أبحاثاً في الصين في منشآته التي تنطوي على مخاوف خطيرة تتعلق بالسلامة الحيوية” للبلدان الأخرى. وأضافت: “لدينا مخاوف من أن معهد ووهان لم يلبِّ متطلبات السلامة بموجب المنحة، وأن مؤسسة إيكوهيلث أليانس لم تفِ بالتزاماتها بمراقبة أنشطة الجهة التي تلقت المنحة منها”.

لا يشبه الرمز الجيني لفيروس كورونا أي رمز لفيروس من المعروف أن معهد ووهان يستزرعه في مختبره، مثل فيروس WIV1، ويقول باريك إنه لا يزال يعتقد أن الانتقال من الطبيعة هو السبب الأكثر ترجيحاً. لكنه يعرف أيضاً المخاطر المعقدة للعمل بما يكفي ليشهد مساراً محتملاً للمشاكل. ولهذا السبب، انضم في شهر مايو من هذا العام إلى 17 عالِماً آخر لنشر رسالة في مجلة ساينس تدعو إلى إجراء تحقيق شامل في المختبر الذي تعاون معه في السابق وفي ممارساته؛ إنه يريد أن يعرف الحواجز التي تم اتخاذها لمنع العامل الممرِض من الانتقال إلى سكان ووهان البالغ عددهم 13 مليون نسمة، وربما إلى العالم.

ويقول باريك: “دعونا نواجه الأمر. ستكون هناك فيروسات غير معروفة في فضلات الطيور أو المسحات الفموية، التي يتم تجميعها في كثير من الأحيان. وإذا كنت تحاول استزراع فيروس، فستكون هناك سلالات جديدة تسقط على الخلايا المستزرعة. سوف ينمو بعضها. ويمكن أن تنتج فيروسات مركبة فريدة من نوعها. وإذا تم إجراء ذلك في منشأة من المستوى 2، فهناك أسئلة لا بدّ من طرحها”.