أدى فيروس كورونا إلى إلغاء كافة المواعيد، التي حل محلها الكثير من الأوقات الافتراضية السعيدة، غير أن البعض بدؤوا يشعرون بالإرهاق والملل.

2020-04-15 19:29:36

04 أبريل 2020
Article image
مصدر الصورة: ستينار إنجيلاند على أنسبلاش

كان يُفترض أن تكون هذه الكارثة مناسبة لتألق الأشخاص الانطوائيين، الذين يعتبرون بمثابة أخصائيي الاستعداد للكوارث في حياتنا الاجتماعية الجديدة التي يهيمن عليها كوفيد-19. إنهم يقيمون وزناً كبيراً للوقت الذي يمضونه بشكل منفرد في المنزل، ولهذا فإنهم خبراء في العزل الذاتي الطوعي. فيما مضى، كان التخلف عن المشروب في المقهى من أجل قراءة كتاب يعني أنك صديق رديء. أما الآن، فقد أصبح هذا الفعل يتصف بالوطنية.

نُشر مقطع فيديو على تيك توك في أوائل مارس، وتمكن من إحراز 1.8 مليون مشاهدة، وفي هذا المقطع، كان أحد الانطوائيين يشاهد الأخبار ويغني مع فيل كولينز قائلاً: “كنت أنتظر هذه اللحظة طوال حياتي”، فيما كانت وسائل الإعلام تخبره بوجوب البقاء في المنزل وتجنب الاختلاط بالآخرين. نشر الانطوائيون أدلة إرشادية حول البقاء في المنزل، وخواطر وتأملات حول متعة “التملص” من المناسبات الاجتماعية. كتب آندرو فيرجوسون في مجلة ذا أتلانتيك أن الحجر الذي تسبب فيه مرض كوفيد 19 “أراح أوساط الانطوائيين من ضغوط كبيرة” بوصفهم “ممارسين متفائلين للابتعاد الاجتماعي”.

ولكن، ومع بدء تكيف الناس مع الحجر، بدؤوا يجدون طرقاً لنقل الحياة الاجتماعية الخارجية إلى داخل المنازل. كانت غرف المعيشة فيما مضى ملاذاً آمناً من الأماكن المليئة بالناس، مثل المكاتب والصالات الرياضية والحانات والمقاهي، ولكنها أصبحت الآن تلعب دور كل هذه الأماكن في نفس الوقت. بعد أن فرغت جداول المواعيد بسبب الابتعاد الاجتماعي، عادت ثانية إلى الامتلاء باللقاءات التي يعقدها الأصدقاء وأفراد العائلة والمعارف على منصة زوم لارتشاف “مشروبات الحجر المنزلي” كما يُطلق عليها على سبيل المزاح، وحفلات مشاهدة نتفليكس، أو تبادل الأحاديث على جوجل هانج آوتس.

يحاول الناس التكيف مع وباء فيروس كورونا بإحداث بعض التغييرات في حياتهم، ومحاولة استعادة ما فقدوه افتراضياً، غير أن هذه النسخة الجديدة لا تشبه حياتنا القديمة إلا بشكل محدود. أصبح من الواجب تكييف وضغط كل شيء ضمن حدود تطبيقات الدردشة وبث الفيديو، مثل زوم، التي لم تُصمم لاستيعاب حياتنا العملية والشخصية في نفس الوقت. ويبدو أن النتيجة التي يشعر بها الانطوائيون والاجتماعيون وما بينهما، على حد سواء، هي إحساس غريب بالازدحام الاجتماعي، على الرغم من أننا نحاول الابتعاد عن بعضنا البعض قدر الإمكان.

يقول طارق، وهو طالب حقوق في نيويورك: “لقد أعجبني هذا الوضع في البداية، فقد كان مسلياً بعض الشيء. كان من المريح معرفة أن الجميع يواجهون هذه الأزمة سوياً”.

ولكن بعد ثلاثة أيام طويلة من المحاضرات على زوم، والاجتماعات الافتراضية للنشاطات اللاصفية، واللقاءات الليلية مع الأصدقاء والعائلة، شعر بأن الإرهاق بلغ به حد الاستنفاد. وبعد ذلك بفترة قصيرة، لم يعد يرد على اتصالات أصدقائه، كان في حاجة إلى إمضاء بعض الوقت بمفرده، ببساطة.

إن رفض دعوات التحدث مع الآخرين في خضم وباء عالمي يمكن أن يكون في نفس الوقت حاجة ذاتية، وأمراً يُشعرك بأنك صديق رديء. فكيف يمكنك القول لمجموعة الدردشة التي تضم أصدقاءك الجامعيين إنك بحاجة إلى إمضاء ليلة بمفردك في المنزل إذا كنت بمفردك في المنزل طوال الوقت في المقام الأول؟

تقول جايا ساكسينا، وهي كاتبة في مجلة إيتر، وقد عزلت نفسها اجتماعياً مع زوجها في شقتها في كوينز بنيويورك: “ليس من الممكن أن تتهرب من هذه اللقاءات الافتراضية بذريعة وجود مخططات أخرى لإمضاء الوقت. إن العذر الوحيد الممكن هو عدم رغبتك في ذلك، وهو ما لا يريد أحد سماعه حالياً”.

يُعتبر الانطوائيون والاجتماعيون من المواضيع المفضلة للكثير من ميمات الإنترنت التي تتمحور حول الصفات الشخصية، مثل الأبراج أو منازل مدرسة هوجوورتس في سلسلة كتب هاري بوتر الخيالية. وقد تؤدي إلى انطباعات مبالغ فيها بعض الشيء. في الواقع، فإن الانطوائيين لا يرغبون في البقاء وحدهم طوال الوقت، كما أن الاجتماعيين يقدرون أهمية اللحظات الهادئة. ولكن هذا التصنيف يعبر عن أساليب مختلفة يلجأ إليها الناس لشحن طاقتهم؛ حيث يعتمد الانطوائيون على الانعزال للتفكير، في حين يفضل الاجتماعيون الاختلاط بالآخرين. 

حالياً، يحاول الجميع التعامل مع القلق الكبير الناجم عن انتشار فيروس كورونا، كما تقول باميلا راتليدج، وهي عالمة اجتماعية ومديرة مركز أبحاث علم نفس الوسائط. ولكن أساليب الحياة في المنزل، وطرق التعامل مع هذا القلق، متباينة إلى حد كبير. بالنسبة للبعض، فإن البقاء في المنزل يعني الوحدة، والكثير من وقت الفراغ. أما بالنسبة لآخرين، فإنه يعني الدراسة أو تدريس الأطفال أو العمل ضمن ظروف صعبة. وعلى حين تبحث المجموعة الأولى عن طريقة لملء وقت الفراغ، تتوق المجموعة الأخرى إلى لحظة فراغ واحدة، وإن كانت لمغادرة المنزل وشراء ورق الحمام. 

قد يبدو الابتعاد الاجتماعي بالنسبة للانطوائيين بمثابة توتر إضافية، حتى قبل انتشار اللقاءات الافتراضية، كما تلحظ راتليدج. كتبت راتليدج في رسالة بالبريد الإلكتروني: “إن البقاء في المنزل مع الآخرين يضع عبئاً إضافياً على الانطوائيين، لأنهم غير معتادين على التفاعل مع الآخرين طوال الوقت”.

لا تعتقد ساكسينا أن لديها صفات انطوائية واضحة. كانت تميل إلى إعطاء مواعيد لنفسها عندما كانت المطاعم مفتوحة ويمكن الذهاب إليها بعد العمل، ولكن بعد تحديد لقاء افتراضي آخر على زوم، واكتشافها أنها حجزت الليالي الأربعة التالية بلقاءات اجتماعية افتراضية، أدركت أن الدردشات على الفيديو لم تقدم لها شيئاً يذكر. كانت في حاجة إلى استراحة. 

“أشعر بالانحطاط لوجود هذا الإحساس لدي. أنا أحب أصدقائي. وأحب التحدث معهم” كما تقول. والأسوأ من هذا، فإنها تدرك أن هذه اللقاءات على الفيديو أصبحت بمثابة حبل نجاة بالنسبة للبعض الآخر في هذه المحنة: “اشعر أن الصحة العقلية للجميع معلقة بكل تفاعل افتراضي. ولهذا لا أرغب في أن أخذل أحداً”. 

يشعر الجميع بأن اللقاء باستخدام الدردشة على الفيديو أصبح البديل الأفضل لكثير من الأشخاص ممن اضطروا للتخلي عن حياتهم الاجتماعية، حيث يستطيعون رؤية معظم الأشخاص الذين أصبح من المستحيل اللقاء بهم فعلياً. من السهل استخدام المنصات مثل زوم وفيس تايم وجوجل هانج آوتس. ولكن هذه المنصات تجعل كل شيء يبدو كاجتماع، فعندما يجتمع عشرة أشخاص في المقهى، يمكنك أن تشارك في حديث جانبي، أو تخرج لاستنشاق بعض الهواء الطلق، أو الاصغاء إلى محادثة أثناء ارتشاف الشراب بهدوء.

أما اللقاءات الافتراضية فهي تقضي على تلك المساحة الإضافية، و”لا تسمح بالضرورة بالوقت والتفكير والتأمل” كما تقول جينيفر جرايجييل، وهي أستاذة مساعدة في مجال التواصل وتبادل المعلومات في جامعة سيراكيوز، في رسالة بالبريد الإلكتروني. “إنها لا تسمح بتلك اللحظات الهادئة الخالية من الأحاديث، التي قد تمر بها عند التنزه مع الأصدقاء”. 

تعمل ستيسي لدى شركة مختصة بتكنولوجيا التعليم قرب ألباني، وتدرك هذا الشعور جيداً؛ فقد اعتادت على اللقاء بأصدقائها بضعة أيام في الأسبوع لممارسة لعبة دانجنز أند دراجونز. (وعلى غرار طارق، فقد طلبت ستيسي استخدام اسمها الأول فقط) أما الآن، فقد انتقلت هذه الألعاب إلى المجال الافتراضي، عبر كاميرا حاسوبها المحمول، التي تستخدمها في جميع اجتماعاتها الخاصة بالعمل. ما زالت اللعبة مسلية، ولكن الاسترخاء لم يعد متاحاً كما من قبل. توجد تأخيرات زمنية في بث الفيديو، وقد يتكلم الجميع في نفس الوقت أو يصمتون في نفس الوقت.

تقول ستيسي: “لا نستطيع قراءة لغة الجسد في جميع الأوقات، ولهذا يمكن أن يقاطع البعض غيرهم أثناء الكلام، وعندها يصمت الجميع. هناك مشكلة في هذا العجز عن فهم ومراقبة لغة الجسد لدى الآخرين، وهذا التأخير البسيط”.

تقول راتليدج: “لا يوجد لدينا نمط طبيعي في منصة زوم لاستخدامها لمجرد الحديث. لدينا نموذج عقلي للاجتماعات، حيث يتم اقتراح تحديد موعد الاجتماعات، ويدوم الاجتماع لفترة، ويجب أن تكون مقبول المنظر، وتشغل كاميرتك”.

لن تحل دردشة الفيديو والمكالمات الهاتفية وليالي الألعاب المشتركة محل العناق أو تناول الطعام مع الآخرين، ولكن هناك -على الأقل- أساليب يمكن أن تحسن من طريقة استخدام هذه الأدوات بالنسبة لمن يشعرون بالإرهاق. 

تعلم طارق أن تعطيل ميزة رؤية نفسه على الشاشة أثناء محاضرات زوم ساعدت على تخفيف الشعور بأنه في مقابلة عمل خلال كل دردشة على الفيديو. تقترح راتليدج تعطيل الاتصال بالفيديو كلياً. تقول: “خلال المكالمات الهاتفية، لا تشعر بأية قيود حول فترة المكالمة، فقد تكون قصيرة أو طويلة، كما يمكنك أن تتمشى وتقوم بأشياء أخرى دون أن تشعر بأن الآخرين يراقبونك”. وتقول أيضاً إنه يجب وضع حدود للوقت: “إن إنهاء المكالمة ليس بالأمر السيئ”.

بالنسبة للآخرين، فإن تنظيم المكالمات قد يكون نافعاً. تقول جرايجييل: “قد يحاول البعض الطبخ أثناء استخدام زوم، أو لعب ألعاب بسيطة، وذلك للسماح بتوقف الحديث لوهلة بشكل طبيعي. قد يلجأ البعض إلى العودة إلى كتابة رسائل أطول بالبريد الإلكتروني”.

ولكن جرايجييل تحذر من العودة إلى كتابة الرسائل العادية؛ حيث إن رفاهية البقاء في المنزل والتفكير في أفضل طريقة للتواصل مع الآخرين على الإنترنت ليست متاحة للجميع. فمع انشغال البعض بالطبخ وإدارة الواجبات الاجتماعية على زوم وإنستقرام، يجب على الآخرين أن يخرجوا لتوصيل هذه الرسائل.