Article image




تسهم تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز في إنشاء مشاهد اصطناعيّة غير حقيقي، ولكن تفاعلنا معها و إدراكنا لها يختلف.

2020-03-08 18:50:15

08 مارس 2020

مع التطور التقنيّ الكبير الحاصل في السنوات الأخيرة، بدأت مصطلحاتٌ جديدة تظهر على الأخبار والمنصات التقنية أكثر من ذي قبل، وفي حين أننا قد أصبحنا على ألفةٍ جيدة -نوعاً ما- مع مفهوم مثل الذكاء الاصطناعيّ، إلا أن مفاهيم أخرى لا تزال تثير اللغط، والحديث هنا حول مفهومَي الواقع الافتراضيّ Virtual Reality والواقع المعزز Augmented Reality. 

في الوقت الذي تتركز فيه تطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي على توفير قدراتٍ أعلى للآلات والحواسيب من حولنا لتصبح أكثر ذكاء، فإن تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز تركز على اصطناع مشهدٍ جديد كلياً لا يمكن لمسه باليد المجردة بل يتم إدراكه حسياً عبر تشكيلةٍ من المؤثرات البصرية والصوتية الاصطناعية. بالرّغم من ذلك، أي بالرّغم من التشابه في الهدف العام الذي تهدف له تقنيات الواقع الافتراضيّ والمعزز، إلا أن الواقع الاصطناعيّ الجديد الذي يمكن إنشاؤه عبر إحدى هاتين التقنيتين ليس نفسه، كما أن فهمنا وإدراكنا لهذا الواقع الاصطناعيّ لن يكون نفسه عبر الواقع الافتراضي والواقع المعزز

حول الواقع الافتراضي
لنقم بفهم الأمر من الناحية اللغوية: يعود أصل كلمة “افتراضي Virtual” للقرن الرابع عشر الميلاديّ حيث تم استخدام هذه الكلمة للإشارة إلى قدرة شيء ما لا يمتلك تواجداً فيزيائياً حقيقياً على تمثيل أمرٍ واقعيّ وملموس، واستمر هذا المصطلح بالوجود على الصعيد اللغويّ حتى بدأ استخدامه الواسع في مجال هندسة البرمجيات بدءاً من أواسط القرن الماضي وحتى اليوم للإشارة إلى التقنيات غير المتواجدة بشكلٍ فعليّ ضمن العتاد ولكنها موجودة ضمن البرامج، ولعل الذواكر الافتراضية أحد الأمثلة الشهيرة على ذلك.

بهذه الصورة أصبح استخدام هذا المصطلح مرادفاً لأي شيءٍ يمكن إدراكه ولكنه لا يمتلك وجوداً حقيقياً، وهكذا تم تطبيقه على التقنيات التي تقوم بإنشاء محاكاةٍ لعالمٍ غير موجود قد يكون مشابهاً بشكلٍ جزئيّ أو كليّ للعالم الحقيقيّ أو غير مشابهٍ له على الإطلاق، فالواقع الافتراضي إذن هو المجال التقنيّ المعنيّ باصطناع واقعٍ جديد وغمر الفرد بشكلٍ كليّ ضمن هذا الواقع. هذا الأمر يتم عبر استخدام أجهزة مثل نظارات الواقع الافتراضي والمجسات التابعة لها، التي تعرض مشهداً بصرياً جديداً للإنسان يستطيع أن يتجول ضمنه ويلمس مكوناته ويتفاعل معها بشكلٍ كامل. 

وتعتبر نظارات إتش تي سي فايف HTC Vive إحدى أشهر تقنيات الواقع الافتراضي والمستخدمة على نطاقٍ واسع في مجال الألعاب، والتي تعتمد على حاسوبٍ قويّ، ومجسين وشبكة من المستشعرات التي تتعرف على حركة المستخدم وتواجده ضمن الغرفة من أجل محاكاة حركته في الواقع الافتراضيّ. ويوجد أنماط أخرى من نظارات الواقع الافتراضيّ الأقل تعقيداً التي يمكن استخدامها مع الهواتف الذكية بشكلٍ مباشر، مثل نظارات سامسونج جير في آر Samsung Gear VR أو نظارة داي دريم في آر من جوجل، التي تعتمد على شاشة الهاتف الذكيّ ومعالجه من أجل توليد مشهد الواقع الافتراضيّ، وعلى الرّغم من كون هذا النمط من النظارات أسهل استخداماً، إلا أنها أقل جودة، فقوة المُعالجة التي توفرها الحواسيب المكتبية المعززة ببطاقات رسومية منفصلة وحجم كبير للذواكر العشوائية عالية السرعة سيكون أفضل بكثير من قوة المعالجة التي يستطيع أي هاتفٍ ذكيّ توفيره. 

لا تقتصر استخدامات نظارات الواقع الافتراضيّ على مجال الألعاب؛ إذ إنها تمتد لتشمل تطبيقاتٍ تعليمية كإجراء دروسٍ في التشريح والفيزيولوجيا على جسدٍ افتراضيّ بدلاً من الجثث البشرية التي يُعتمد عليها عادةً في كليات الطب البشريّ، أو حتى قيام الجراحون بالتخطيط لعملياتهم والتدرب عليها، أو إجراء رحلة سفر افتراضية لمعرفة كيف ستكون الرحلة الحقيقية، وأخيراً في المجال العسكريّ؛ حيث يمكن استخدامها من أجل محاكاة بعض التدريبات العسكرية ضمن ظروفٍ شديدة. 

حول الواقع المعزز
بدلاً من إنشاء واقعٍ جديد غير ملموس ولا يمتلك أي مكوناتٍ فيزيائية حقيقية، يمكن أن نقوم ببعض الأمور التي تجعل من المشهد الذي نشاهده أمامنا أفضل: لنقل إننا نريد تخيل توضّع قطعة أثاث في منزلنا. ماذا لو كان بالإمكان إنشاء صورةٍ وهمية لها يمكننا التفاعل معها وتحريكها ضمن الغرفة لنعرف كيف ستظهر؟ أو لنتذكر أمراً آخر أكثر حماسة: لعبة بوكيمون جو الشهيرة التي اكتسحت سوق ألعاب الهواتف الذكية، والتي أتاحت للمستخدمين ملاحقة البوكيمونات في كل مكان، على الرّغم من أنها -أي البوكيمونات- لم تتواجد بشكلٍ حقيقيّ، وإنما فقط على شاشة الهاتف الذكيّ الذي يصور مشهداً حقيقياً. لننسى كل ذلك ونعود لمثالٍ بسيط قمنا ولو مرة واحدة باستخدامه: الفلاتر التي نستعملها في تطبيقات إنستقرام وسناب شات تمثل أحد أشكال الواقع المعزز.

تعبر هذه الأمثلة عن مفهوم الواقع المعزز، الذي يعني إدخال عناصر افتراضية للمشهد الحقيقيّ الذي نراه أمامنا، وبالتالي فإننا سنحصل على واقعٍ جديد مؤلفٍ من المكونات الفيزيائية الحسية التي نستطيع لمسها بيدنا، ومن مكوناتٍ افتراضية نستطيع إدراك وجودها والتفاعل معها إلا أننا غير قادرين على لمسها. وهذا ما استثمرت فيه فعلياً شركة المفروشات العالمية إيكيا IKEA، التي أصبحت توفر للمستخدمين طريقةً مبتكرة تساعدهم على اختيار قطع الأثاث والمفروشات التي تناسبهم بشكلٍ أفضل، وذلك عبر تطبيق واقعٍ معزز تم تسميته إيكيا بلايس IKEA Place، الذي يتيح اختيار منتجٍ معين ومشاهدة توضّعه ضمن الغرفة، مع إمكانية تحريكه وتدويره. 

مشهد الواقع المعزز سيكون هنا عبر شاشة الهاتف الذكيّ، وليس عبر نظارةٍ يمكن ارتداؤها كما هو الحال عليه في الواقع الافتراضي. أحد أشهر الأمثلة على تقنيات الواقع المعزز التي حصلت على ضجةٍ كبيرة هي مشروع نظارة جوجل، الذي مثَّلَ أفضل تصورٍ لما يمكن أن توّفره تقنيات الواقع المعزز وكيفية دمجها مع حياتنا اليومية، على الرّغم من عدم تمكنه من تحقيق أهدافه وتطويره كمنتجٍ قابل للبيع على نطاقٍ تجاريّ واسع.

تزايد انتشار تطبيقات الواقع المعزز بشكلٍ كبير خلال السنوات الأخيرة بفضل الدعم الذي أصبحت تحظى به من قِبل مصنعي الهواتف الذكية، سواء من الناحية العتادية أو من الناحية البرمجية، حيث قامت جوجل بإطلاق حزمة إيه آر كور ARCore لمساعدة المطورين على إطلاق تطبيقات الواقع المعزز على الهواتف الذكية العاملة بنظام تشغيل أندرويد، وكذلك بالنسبة لآبل التي سبق وأن أطلقت حزمة آي آر كيت ARKit المخصصة لنفس الغاية، ولكنها موجهة للهواتف الذكية الخاصة بنظام تشغيل آي أو إس iOS. 

الفروقات بين الواقع المعزز والواقع الافتراضي
الآن وبعد العرض الموجز السابق، نستطيع إدراك أبرز أوجه الاختلاف بين تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز: 

يعني الواقع الافتراضي إنشاء مشهدٍ جديد لا يمتلك تواجداً فيزيائياً، وإنما يبدو كذلك عبر المعالجة البرمجية، في حين أن الواقع المعزز يعني إنشاء مشهدٍ جديد يتضمن الواقع بمكوناته الفيزيائية الحسية مضافاً لها مكوناتٍ برمجية تساعد على تحسينه وتعزيزه وجعله أكثر كفاءة لإنجازٍ مهمةٍ ما. 

يُوصف الواقع الافتراضي على أنه تقنية ذات غمر كامل، أي أن المستخدم سيكون مغموراً بشكلٍ كليّ في المشهد الاصطناعي وما يتضمنه من مؤثراتٍ مختلفة ليبدو كأنه حقيقيّ. على الصعيد الآخر، يوصف الواقع المعزز على أنه تقنية ذات غمرٍ جزئيّ، بمعنى أن المستخدم سيكون محاطاً بمشاهد اصطناعية بالإضافة للواقع الحقيقيّ الذي نعيش فيه. 

بالنسبة للتفاعل مع العالم الحقيقيّ، فإنه وعبر تقنية الواقع الافتراضي سيكون المستخدم معزولاً بشكلٍ كامل عن العالم الحقيقيّ، أي أن كل شيء يراه ويلمسه ويحركه سيكون أشياء وكائنات وأغراض متواجدة في الواقع الاصطناعيّ الذي يشاهده عبر نظارات الواقع الافتراضي. بحالة الواقع المعزز فإن المستخدم لن يكون معزولاً عن العالم الحقيقي بل سيبقى على تواصلٍ معه. وبهذه الصورة، يمكن فهم الواقع الافتراضي على أنه تقنية تستبدل واقعنا الملموس بآخر رقمي مصطنع، بينما تقوم تقنية الواقع المعزز بإنشاء واقعٍ جديد قائم على دمج مشاهد من واقع رقمي مصطنع مع العالم الحقيقي.

ومن ناحية المتطلبات التقنية، تستوجب عملية إنشاء تجربة واقع افتراضي امتلاك أدواتٍ إضافية، وأبسط أشكال هذه الأدوات هي نظارات الواقع الافتراضيّ التي يمكن استخدامها مع الهاتف الذكيّ من دون الحاجة إلى ربطها مع أي عتادٍ خارجيّ آخر، ويزداد تعقيد الأدوات مع زيادة تعقيد وتفاصيل المشهد الذي سيشاهده الفرد في الواقع الافتراضي وقدرات التفاعل معه ومع مكوناته. بحالة الواقع المعزز، فإنها أقل تعقيداً وتطلباً من الواقع الافتراضيّ؛ إذ يكفي امتلاك الهاتف الذكيّ -مثلاً- للحصول على تجارب واقع معزز مختلفة، بدءاً من فلاتر تطبيقات التواصل الاجتماعيّ وصولاً بأدوات الإنتاجية التي تقوم شركات مثل إيكيا بتوفيرها.