Article image
شكل توضيحي لنظام الإطلاق الفضائي، وهو الصاروخ الذي سيُستخدم خلال برنامج أرتميس.
مصدر الصورة: ناسا/ مركز مارشال للتحليق الفضائي



تواصل ناسا اعتبار القمر ساحة تجارب للتكنولوجيات التي نحتاجها للذهاب إلى عوالم أبعد. ولكن، ما هذه التكنولوجيات بالضبط؟

2020-09-29 21:01:57

29 سبتمبر 2020

“لو أرادت العناية الإلهية للبشر أن يصبحوا نوعاً يرتاد الفضاء، لمنحتهم قمراً”. هذه هي الكلمات التي قالها عالم الصواريخ الشهير كرافت إريك في 1984. وقد أراد أن يؤكد أهمية استخدام القمر كنقطة ارتكاز للتوسع بالحضارة البشرية نحو بقية النظام الشمسي. نطق إريك بهذه الكلمات بعد مرور أكثر من عقد كامل على آخر بعثة لبرنامج أبولو نحو القمر؛ حيث كان يشاهد تراجع ناسا مع بقية البرنامج الفضائي الأميركي عن آمال استكشاف كواكب أبعد من ذلك، مثل المريخ، والتركيز بدلاً منها على مدار الأرض.

ولكن، قررت أميركا أخيراً أن تسعى للعودة إلى القمر مع برنامج أرتميس، الذي يهدف إلى تحقيق هدف طموح للغاية –وغير واقعي– يتلخص في إرسال رواد الفضاء إلى هناك بحلول العام 2024. ولكن بالنسبة للبيت الأبيض وناسا، فإن هدف البعثة يتعدى مسألة إرسال البشر إلى سطح القمر من جديد؛ حيث إن القمر يمثل أيضاً قاعدة مثالية يمكن انطلاقاً منها تأسيس برامج لاحقة للسفر إلى المريخ. وبالنسبة لكلتا الوجهتين، فإن المسألة لا تقتصر على نصب علم والعودة إلى الأرض، بل التأسيس لبيئة دائمة صالحة للعيش والعمل بالنسبة البشر.

وقد قال مدير ناسا جيم برايدنستاين في 21 سبتمبر مع نشر الوكالة لأحدث خططها المتعلقة ببرنامج أرتميس: “سنعود إلى القمر من أجل الاكتشافات العلمية، والفوائد الاقتصادية، وإلهام أجيال جديدة من المستكشفين. ومع بناء حضور دائم هناك، سنبني أيضاً الزخم اللازم نحو تحقيق الخطوات البشرية الأولى على الكوكب الأحمر”.

غير أن الوكالة لم تقدم قط شرحاً واضحاً حول كيفية تحقيق ذلك؛ حيث إن أهم المشاريع التي يفترض أن تشكل أساساً لإطلاق أرتميس (أي صاروخ نظام الإقلاع الفضائي الجديد وكبسولة أوريون المأهولة) لم تنتهِ بعد. ويتفق معظم الخبراء على أن البرنامج يعاني من ضعف التمويل. كما أن رئيس قسم الاستكشاف البشري في ناسا استُبدل ثلاث مرات في السنة الماضية وحسب، بل إن الوكالة لم تحدد حتى خيارها النهائي حول المسبار السطحي القمري. وبالتالي، حتى لو وصلنا إلى القمر في 2024 (وهو أمر شبه مستحيل)، كيف يمكن أن نضمن قدرتنا على بناء مستعمرة على المريخ بعد ذلك؟

يقول كلايف نيل، وهو مهندس في جامعة نوتردام وخبير في الاستكشاف القمري: “إن أكبر مشكلة نعاني منها الآن هي أننا لا نعرف كيف نعيش ونعمل بشكل منتج وفعال خارج كوكب الأرض. ليس لدينا أي فكرة عن كيفية تحقيق هذا”؛ فلم يسبق أن أجرينا اختبارات مناسبة للتكنولوجيات التي سنحتاجها للحياة والعمل في الفضاء لأشهر أو سنوات متواصلة، ضمن بيئات قاسية ذات حرارة منخفضة للغاية، وإشعاعات مرتفعة، وجاذبية منخفضة، إضافة للافتقار إلى الأكسجين والماء.

يضيف نيل: “ولكن يوجد على مقربة منا مختبرنا الخاص الذي يتيح تجربة كل هذه الأشياء”. قام نيل والكثير من زملائه بإعداد تقرير جديد نشرته مجموعة إكسبلور مارس الاستشارية، التي تروج لاستكشاف الفضاء بطريقة مستدامة. ويحدد التقرير العشرات من الأنشطة والتكنولوجيات الضرورية لاستكشاف المريخ، والتي يمكن تطويرها واختبارها عبر برنامج أرتميس وغيره من المبادرات للاستكشاف القمري. 

وسيتم اختبار بعض الأشياء الضرورية للمريخ بشكل شبه فوري على القمر بعد إطلاق أرتميس 3 (أي البعثة المأهولة إلى السطح القمري في 2024). يأتي دعم الحياة على رأس هذه القائمة؛ حيث لم يسبق للبشر أن بنوا مساكن طويلة الأمد على كواكب أخرى من قبل. وعلى الرغم من أننا سنطبق الكثير مما تعلمناه من البعثات طويلة الأمد على متن محطة الفضاء الدولية، فما زلنا في حاجة إلى ضمان قدرة القاعدة القمرية والقاعدة المريخية على تأمين الاحتياجات الضرورية، مثل الطعام والماء والمأوى. 

وهي أنظمة يتطلب بناؤها واختبارها بعض الخبرة. يقول جو كاسيدي، المدير التنفيذي للعمليات الفضائية في شركة أيروجيت روكيتداين وأحد المؤلفين الرئيسيين لتقرير إكسبلور مارس: “أعتقد أن الأمر الهام سيكون إدماج المزيد من الأشخاص في البيئة القمرية”. سنحتاج منذ البداية إلى الكثير من الخبرات والبيانات من مجموعة ضخمة من رواد الفضاء، عبر بعثات ستدوم لأسابيع أو أشهر، وستكون هذه الخبرات بمنزلة دليل للمهندسين حول كيفية بناء المساكن، والبدلات الفضائية، وأنظمة النقل السطحية المناسبة للبشر.

ومن أجل ضمان بقاء هذه المساكن لفترة طويلة، يجب تصميمها بشكل مستدام. لا تأتي الفترة المناسبة للانطلاق نحو المريخ (أي عندما يكون في أقرب موضع إلى الأرض، وتُعرف باسم نافذة الإطلاق) سوى مرة واحدة كل 26 شهراً، ولهذا فإن أي رحلة بالاتجاهين نحو المريخ يجب أن تتضمن فترة انتظار لهذه النافذة حتى تُفتح من جديد. فإذا استغرقت الرحلة تسعة أشهر مثلاً، يجب أن نمضي على الأقل ثلاثة أو أربعة أشهر على المريخ قبل أن تصبح العودة إلى الأرض ممكنة. وبالتالي، يجب إحضار ما يكفي من الإمدادات لهذه الفترة، أو الاعتماد على الموارد المتاحة هناك. غير أن الخيار الأول ليس ممكناً من الناحية العملية. يقول نيل: “يجب الاعتماد على الموارد المحلية”. ويضيف: “إن محاولة نقل كل شيء من الأرض إلى المريخ للحفاظ على حياة رواد الفضاء أمر غير ممكن ببساطة”.

سيكون الماء المجمد من أهم هذه الموارد؛ حيث يمكن الاعتماد عليه للحصول على الاحتياجات المطلوبة من الماء والأكسجين لاستمرار عمل أنظمة دعم الحياة، كما يمكن فصله إلى أكسجين وهيدروجين لاستخدامه كوقود للصواريخ. ويمكن استخدامه أيضاً في تدريع أي نوع من وحدات الإقامة التي ستُبنى على القمر لحمايتها من الإشعاعات الفضائية ومن ضربات الحجارة النيزكية الدقيقة.

نعلم أن المريخ يحتوي على الكثير من المياه المتجمدة، ونحن شبه متأكدين من وجود الكثير من المياه المتجمدة على القمر أيضاً، ما يجعله بيئة مثالية لاختبار التكنولوجيات التي نحتاجها للتنقيب عن هذه المخزونات، واستخراج المياه منها، وتصفيتها، وتحويلها إلى شيء يمكن أن يساعد على بقاء المستوطنات الفضائية.

لن تختلف هذه التكنولوجيات بين هذين العالمين؛ حيث تُعد بيئة القمر أكثر قسوة، ما يعني أنه “إذا نجح النظام على القمر، فإنه سيكون ناجحاً بالتأكيد على المريخ”، وفقاً لنيل، الذي يأمل أيضاً بأن المهندسين سيصممون تجهيزات تصلح لكلا البيئتين.

إن وجود الماء المجمد يعزز أيضاً التوجه الذي يدعو إلى استخدام نظام دفع يعتمد على الهيدروجين بدلاً من الميثان في المركبات الفضائية، وهو شيء تحاول سبيس إكس تحقيقه في محركات رابتور. يقول التقرير إنه يمكن إنتاج الهيدروجين محلياً في كلا البيئتين، في حين أنه يمكن إنتاج الميثان من الموارد المحلية فقط على المريخ؛ حيث يحتوي الغلاف الجوي على الكثير من ثاني أكسيد الكربون، ما يعني وجود مصدر مباشر للكربون. وكما يورد التقرير: “يحتاج إنتاج الميثان على القمر -أياً ما كانت كميته- إلى نقل مصدر للكربون من مكان آخر”.

يوصي التقرير أيضاً باستخدام أنظمة طاقة لا تعتمد على الشمس بالكامل. فعلى المريخ، الذي يبعد كثيراً عن الشمس ويتميز بغلاف جوي كثير الغبار، لن يكون تحويل ضوء الشمس إلى طاقة باستخدام الألواح الشمسية أمراً سهلاً.

تبدو الطاقة النووية في هذه الحالة الخيار الأكثر وضوحاً. لن يحتاج تشغيل مسكن على القمر إلى الكثير من الطاقة، غير أننا سنحتاج إلى مقادير ضخمة من الطاقة من أجل عمليات التنقيب المطلوبة لاستخراج ومعالجة المياه المتجمدة. وقد قال خبراء التعدين لنيل إنهم قد يحتاجون على الأرجح إلى أنظمة طاقة باستطاعة من مرتبة الميجا واط. ويقول نيل: “لقد كان هذا بمنزلة صدمة أعادتنا إلى الواقع؛ حيث إن العاملين في مجال استكشاف الكواكب لم يسبق لهم أن تواصلوا مع العاملين في مجال التعدين”. وفي هذه الحالة، ستلعب الطاقة الشمسية دوراً أقرب إلى مصدر احتياطي للطاقة على كلا العالمين، بدلاً من أن تكون المصدر الأساسي. وليس هناك سوى بضع بيئات مناسبة لاختبار أنظمة جديدة للطاقة النووية مثل القمر، وهو بيئة خاوية ومنعزلة.

يمثل القمر أيضاً مكاناً أفضل لمحاكاة البعثات المريخية، خصوصاً فيما يتعلق بجيتواي، وهي محطة فضائية مستقبلية مخصصة للمدار القمري. وبشكل أساسي، ستلعب هذه المحطة دور مُرتكز أولي لأية بعثات لناسا نحو السطح القمري، سواء أكانت مأهولة أم روبوتية، إضافة إلى بعثات الفضاء العميق اللاحقة نحو المريخ. ومن المقرر إطلاق أول عنصرين في جيتواي (وحدة الطاقة والدفع، ووحدة السكن) إلى الفضاء في 2023.

اقترح كاسيدي وزملاؤه في تقريرهم مقاربة تقوم على إبقاء طاقم على متن محطة جيتواي الفضائية لمدة تتراوح من 60 إلى 90 يوماً، وإجراء محاكاة لبعثة مريخية على سطح القمر لمدة حوالي 30 يوماً، ومن ثم البقاء مرة أخرى في جيتواي لمدة 90 يوماً قبل العودة إلى الأرض. ويمكن اعتبار هذه المحاكاة بمنزلة نسخة (مضغوطة) من بعثة مريخية. وستتضمن محاكاة لتغير الجاذبية شبه المعدومة على متن رحلة كهذه، وتمنح رواد الفضاء تجربة مماثلة لبعثة مريخية فعلية. وقد ذهب تقرير ناسا حول أرتميس إلى حد القول: “إن نظام العمل بين جيتواي والسطح القمري مماثل أيضاً لكيفية عمل البعثة المريخية، حيث يمكن لرواد الفضاء البقاء في المدار والهبوط على السطح”.

وأخيراً، لن تنجح المستوطنات على المريخ ما لم يتم تطوير أنظمة آلية لا تحتاج إلى إشراف مباشر. تستطيع الطواقم الأرضية التحكم في كل شيء على القمر في الزمن الحقيقي تقريباً، ولكن التأخير بين الأرض والمريخ يمكن أن يصل إلى 22.4 دقيقة. يقول كيسي دريير، وهو خبير في السياسات الفضائية ضمن الجمعية الكوكبية: “إذا حدثت كارثة على المريخ، كما حدث في بعثة أبولو 13، لن يكون من الممكن الاستعانة بفريق من المهندسين على الأرض لتشخيص المشكلة وحلها في الزمن الحقيقي”. يمثل القمر البيئة المفيدة الوحيدة التي تتيح إجراء اختبارات فعلية على الأنظمة الآلية وتحسينها، بحيث تستطيع العمل بشكل موثوق دون الحاجة إلى ذلك المستوى من الإشراف البشري.

هناك بعض المخاوف من حدوث تغييرات جذرية في أولويات البرنامج الفضائي الأميركي بعد الانتخابات في أكتوبر، كما حدث من قبل، ولكن -حتى الآن- يبدو الحزب الديمقراطي راضياً عن التوجه الحالي. ويتضمن برنامج عمله لانتخابات 2020 العبارات التالية: “نحن ندعم عمل ناسا لإعادة الأميركيين إلى القمر، والذهاب إلى المريخ وأبعد من ذلك، والقيام بالخطوة التالية في استكشاف نظامنا الشمسي”. ويشير دريير إلى أن تطوير نظام الإطلاق الفضائي وأوريون أصبح في المراحل الأخيرة. كما أن جيتواي تحظى بمشاركات دولية كثيرة، حيث تخطط أوروبا واليابان وكندا وربما روسيا للمساهمة في تطويرها. وقد يبدو التراجع عن هذا التوجه الآن صعباً للغاية، حتى لو كان ذلك مرغوباً فيه.

غير أن أياً من هذه الخطط ليس في معزل عن التغيير في أية لحظة. وعلى الرغم من أن تقرير العمل الجديد لأرتميس يوضح أفضل من ذي قبل تفاصيل خطط الوكالة لإعادة البشر إلى القمر في 2024، إلا أنه يسلط الضوء بشكل ملحوظ على تفاصيل الأسلوب الذي اتبعته الوكالة في وضع خططها لتحقيق الأهداف التكنولوجية لقاعدة قمرية مستدامة تساعدنا في الذهاب إلى المريخ.

وعلى الرغم من أن كلمات إريك أصبحت قريبة للغاية من الواقع، فإن تحقيق القفزة من القمر إلى الكوكب الأحمر ما زال في حاجة إلى الكثير من التصميم والعزيمة.