Article image
مصدر الصورة: أنسبلاش/ شاترسناب



يقول تقريرٌ جديد -حظي بتأييد أكثر من 11 ألف عالم- إنه ينبغي على العالَم تثبيت عدد سكانه أو تخفيضه تدريجياً.

وقَّع أكثر من 11 ألف عالِم ضمن مجموعة واسعة من الاختصاصات العلمية على تقريرٍ حديث يعلن عن “حالة طوارئ مناخية”، لكنَّ باحثين آخرين انتقدوا على الفور أحد التدابير المُقترحة، وهو الذي يدعو إلى وقف النمو السكاني.

وتنصُّ المقالة التي نُشرت في مجلة بيوسينس BioScience منذ فترةٍ قريبة على أنه “لابدَّ من تثبيت عدد سكان العالَم، بل من المحبَّذ أن يتم تخفيضٌ تدريجي لهذا العدد الذي ما انفكَّ يتزايد بمعدلٍ يقارب 80 مليون شخص سنوياً، أي أكثر من 200 ألف نسمة يومياً”.

ويشير مؤلِّفو الدراسة إلى أنَّ الوسائل الفعَّالة لخفض معدّلات الخصوبة (أي متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة في حياتها كلها) تتضمن إتاحةَ خدمات تنظيم الأسرة على نطاقٍ أوسع، وتحسين تعليم الفتيات والشابات، وزيادة المساواة بين الجنسين.

لكنَّ معدّلات المواليد في الدول الغنية عموماً هي بالفعل نسبٌ ثابتة أو متناقصة؛ لذا يبدو هذا الاقتراح موجَّهاً إلى الدول النامية التي تشهد نمواً سريعاً في أفريقيا وآسيا. وعلى وجه التحديد، تقدِّر الأمم المتحدة أنَّ 9 دولٍ ستشكِّل وحدها أكثر من نصف النمو السكاني العالَمي المتوقَّع في الفترة ما بين العام الحالي والعام 2050؛ وهذه الدول هي -بالترتيب التنازلي وفقاً لنمو عدد السكان فيها- الهند ونيجيريا وباكستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وجمهورية تنزانيا الاتحادية وإندونيسيا ومصر والولايات المتحدة الأميركية (وفي هذه الأخيرة، من المتوقع أن تكون الهجرة هي المحرِّك الرئيسي لزيادة عدد السكان).

وفي تغريدةٍ على تويتر، قال أرفيند رافيكومار، وهو أستاذ مساعد في هندسة الطاقة بجامعة هاريسبورج للعلوم والتكنولوجيا: “إنَّ قول حفنةٍ من الأشخاص من ذوي البشرة الفاتحة الذين يعيشون في العالَم المتقدم إنه ينبغي تخفيض عدد السكان، يجسِّد طريقةَ التفكير الإمبريالية بعينِها”.

ويقول جوزيف ماجكوت، وهو عالم مناخ ومدير سياسة المناخ في مركز نيسكانين -الذي يمثل مجموعة دراساتٍ مقرها العاصمة واشنطن- إن هذا الاقتراح يثير إشكاليةً كبيرة من الناحية السياسية؛ فهو يغذِّي بشكلٍ مباشر التصور السائد بين المحافظين بأنَّ “علم المناخ واستنتاجاته ما هو إلا نتاجٌ لحركةٍ إيديولوجية”، وأنها حركةٌ تعطي الأولوية للطبيعة على البشر.

كما يمكن إساءةُ استخدام المنطق العلمي لفكرة تخفيض عدد سكان العالم وتوظيفُه لتبرير تكتيكاتٍ أكثر عدوانيةً للتحكم في عدد السكان، أو لتسويغ المواقف العنصرية ضد مناطق متزايدة من العالم النامي. وبالنسبة للبعض، فإنَّ هذا الاقتراح يعيد إلى الأذهان فتراتٍ مظلمة في الحِراك البيئي، عندما قامت منظماتٌ وشخصياتٌ متعددة بالترويج للأفكار المؤيدة لتحسين النسل ووجهات النظر المناهِضة للهجرة.

وتتوقع الأمم المتحدة أن عدد سكان العالم قد يزداد من حوالي 7.7 مليار إلى 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050، وأن يبلغ ذروته في نهاية هذا القرن عند 11 مليار نسمة.

وعلى الرغم من إمكانية تخفيف الخطر الذي يسبِّبه التغير المناخي من خلال وقف النمو السكاني؛ حيث إن عدداً أقل من السكان سينتجون كميةً أقل من انبعاثات غازات الدفيئة، فإن العالَم -سواءً بلغ عدد سكانه 9 أو 10 أو 11 مليار نسمة خلال العقود القادمة- سوف يستمر في ضخِّ كمياتٍ ذات خطورةٍ متزايدة من الغازات الملوِّثة للمناخ إذا لم نقم بإصلاح جذري لأنظمة الطاقة والنقل والغذاء التي تكمن وراء هذا التلوث في المقام الأول.

ويشير باحثون آخرون إلى تناقضاتٍ في الحلول المُقتَرحة للتغير المناخي الواردة في تقرير بيوسينس. ومن أبرز هذه التناقضات هو قول المؤلفين إنه يتوجب على العالم تحويل الأولويات الاقتصادية بعيداً عن نمو الناتج المحلي الإجمالي، وباتجاه تلبية الاحتياجات البشرية الأساسية وزيادة المساواة بين البشر.

غير أن ارتفاع مستويات الناتج المحلي الإجمالي في أجزاءٍ كثيرة من العالم يعكس زيادة المساواة، حيث ينتقل الأشخاص في الدول النامية من الطبقة الفقيرة باتجاه الطبقة الوسطى، على حدِّ تعبير جيسي رينولدس، وهو زميل في مجال القانون والسياسة البيئية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس. وخلال المراحل المبكرة على الأقل، غالباً ما ترتبط التنمية الاقتصادية بانخفاض معدلات المواليد؛ وبالتالي فإن النجاح في إبطاء نمو الناتج المحلي الإجمالي قد يُصعِّب الجهود الرامية إلى إبطاء النمو السكاني.

وقد غابت العديد من الأسماء البارزة في علم المناخ بشكلٍ واضح من قائمة الموقِّعين على التقرير، كما أن العديد من الباحثين الذين أضافوا أسماءهم إلى هذه القائمة لا يعملون في حقلَي المناخ والطاقة. لكنَّ أحد الأسماء المرموقة التي تظهر فيها هو جيمس هانسن، وهو أستاذ مساعد في جامعة كولومبيا، ويُعتبر مؤسِّس الأبحاث المناخية؛ نتيجةَ دراساته الرائدة في النمذجة التي حققت تأثيراً واسعاً. 

أما الاقتراحات الأخرى التي ذكرها التقرير لمكافحة التغير المناخي فتلقى توافقاً واسعاً، بما فيها التحول بقوةٍ إلى مصادر الطاقة منخفضة الكربون، وتقليص إنتاج الملوِّثات قصيرة الأجل ولكن ذات التأثير القوي للغاية مثل الميثان، ومنع فقدان المزيد من الأنظمة البيئية الطبيعية والتنوع البيولوجي، والحدّ من استهلاك المنتجات الحيوانية.


شارك



محرر رئيسي في مجال الطاقة، إم آي تي تكنولوجي ريفيو