Article image
تصوَر فني لهبوط هايابوسا 2 على سطح الكويكب ريوجو لتجمع العينات.
مصدر الصورة: وكالة استكشاف الفضاء اليابانية "جاكسا"



أطلقت هايابوسا 2 رصاصات في (صدر) الكويكب لتجمع بعض الغبار الفضائي، وسيحظى العلماء قريباً بفرصة لدراسة تلك المادة في المختبر.

2020-12-17 23:44:16

06 ديسمبر 2020

الخامس من ديسمبر هو موعد حصول الأرض على شيءٍ من خارج هذا العالم حرفياً، وهي بعض الحبيبات وحبات الرمل الصغيرة التي تم انتزاعها من كويكبٍ يبعد عنا نحو 290 مليون كيلومتر. حالما تعود هذه القطع من ريوجو إلى الأرض بأمان؛ فإنها ستساعد العلماء على تعلم المزيد حول كيفية تشكّل النظام الشمسي.

أطلقت جاكسا، وهي وكالة الفضاء اليابانية، هايابوسا 2 قبل ستة أعوام، في الثالث من ديسمبر عام 2014. وصلت المركبة الفضائية إلى ريوجو بعد 4 سنوات في شهر يوليو من العام 2018؛ حيث درست موطن إقامتها الجديد -الذي يبلغ عرضه نحو 900 متر- من مدارها باستخدام العديد من الأدوات المتنوعة (بما في ذلك الكاميرات الضوئية، والكاميرات الحرارية، والليدر). كما نشرت 3 عربات متجولة صغيرة على سطح الكويكب، التي بدورها استخدمت مجموعة متنوعة من الأدوات لدراسته عن كثب.

ساهم كل هذا مساهمة كبيرة في مساعدة العلماء على فهم طبيعة ريوجو بصورة أفضل، فهو عبارة صخرة بدائية غنية بالكربون، إلا أنها أقرب إلى الركام الصخري، حيث تتمتع بدرجة عالية من المسامية، وتحتوي على معادن رطبة أقل مما كان متوقعاً في البداية. الكويكبات التي تشبه ريوجو هي الأكثر شيوعاً، ولكن نظراً لكونها مظلمةٌ جداً، تصعب دراستها باستخدام التلسكوبات. بالرغم من هذا، تبقى عمليات الرصد التي تماثل ما يقوم به هايابوسا 2 محدودة؛ ذلك لأن عدد أنواع الأدوات التي يمكن إرسالها في الفضاء محدودٌ بدوره، كما أنها لا تنجو دائماً في رحلتها الفضائية، فقد تعطلت إحدى عربات هايابوسا الأربعة المتجولة حتى قبل إطلاقها.

ولكن لا شيء يضاهي التحليلات التي يمكننا إجراؤها في أحدث المختبرات هنا على الأرض. يقودنا هذا إلى الهدف الأبرز لهايابوسا 2: إحضار عينات من ريوجو إلى الأرض.

أصبحت بعثات إحضار العينات إلى الأرض رائجة بصورة متزايدة، وهو ما يتضح لنا من بعثات أخرى مثل أوزيريس ركس من ناسا، وعملية الحفر الحالية التي تقوم بها تشانج-إي 5 الصينية على سطح القمر، ولكنها ليست سهلة. هبطت هايابوسا في فبراير من عام 2019 على سطح ريوجو، وأطلقت رصاصتين صغيرتين في “صدر” الكويكب، ما أثار سحابة من الجسيمات، وهو ما مكّن ذراع العينات من جمع الفتات الصخري الناجم عنها. ثم أطلقت قذيفة أكبر في أبريل من ذات العام، وصلت إلى سطح الكويكب بعد شهرين للحصول على المزيد من المواد المتطايرة.

لم يكن بمقدور بعثة هايابوسا الأولى أن تحضر إلى الأرض سوى واحد من المليون من الجرام بهذه الطريقة، في حين يؤمل لهايابوسا 2 أن تحضر أكثر من ذلك بكثير. تقول إري تاتسومي: “أنا فخورةٌ بهذا النجاح على الرغم من أنني لست متأكدةً بعد من أن [كبسولة العينات] ستتمكن من العودة عبر الغلاف الجوي بنجاح”، وإري هي عالمة الكواكب في جامعة لا لاجونا في إسبانيا، وهي التي التي تعمل مع بيانات هايابوسا 2 بشكل مباشر حتى الآن.

تشبه الكويكبات كبسولات زمنية تحمل داخلها تاريخ الفضاء الذي يعود إلى الأزمنة الغابرة، وذلك لأن تركيبتها الفيزيائية والكيميائية محفوظةٌ عبر الزمن بصورة أفضل بكثير من تركيبة الكواكب على سبيل المثال؛ ذلك لأن التسخين الباطني للكوكب، وحقله المغناطيسي المحتمل، وغلافه الجوي، كلها عوامل تساعد على بقائه في حالة من النشاط المتواصل. في هذه الحالة، فإن دراسة المواد المستخلصة من ريوجو قد تمكننا من أن نفهم كيف كان شكل النظام الشمسي في مراحله المبكرة، عندما كانت هناك كميات هائلة من الغاز والغبار تندمج لتشكل أجراماً مختلفة من الكويكبات، والأقمار، والكواكب، بما فيها كواكب صالحة للسكن مثل الأرض.

تقول تاتسومي: “ما نرغب في معرفته هو ماهية العمليات التي كوَنت النظام الشمسي”. وتضيف: “أودَ أن أعرف طبيعة المواد العضوية الكامنة في ريوجو، أود أن أعرف ما إذا كان لديه المكونات الأساسية لنشوء الحياة”. وتعتقد بأن دراسة عينات ريوجو ستسمح للعلماء بأن “يضيفوا صفحةً جديدةً إلى معرفتنا عن المواد في بدايات النظام الشمسي”، ومعرفتنا بأنواع العناصر والمركبات التي من المحتمل أنها وصلت إلى الأرض في مراحلها المبكرة عن طريق الاصطدامات النيزكية. يبدو ريوجو نفسه هشَاً ولا يمكنه أن ينجو إذا ما دخل غلاف الأرض الجوي في يومنا هذا، ولذلك فهو مختلفٌ تماماً عن بقايا النيازك على الأرض التي حللت حتى الآن.

بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض الأشياء الغريبة حول تاريخ ريوجو، التي تحتاج إلى سياق لا يمكن الحصول عليه إلا من خلال التحليلات التي تجرى في المختبر. قاد توموكاتسو موروتا -وهو عالم الكواكب في جامعة طوكيو- الفريقَ الذي درس سطح ريوجو باستخدام صورٍ تم التقاطها بواسطة كاميرات هايابوسا 2. وقد لاحظ الفريق وجود تبدلاتٍ في سطح الكويكب ناجمة عن التسخين الشمسي. يقول موروتا: “يشير هذا إلى سيناريو محتمل اجتاز فيه ريوجو رحلة مدارية بالقرب من الشمس”. ويمكن لإلقاء نظرة فاحصة على شظايا الصخور أن يساعد في تأكيد حدوث ذلك من عدمه.

ستُسقط هايابوسا 2 كبسولة العينات التي تحمل مواد ريوجو في غضون بضعة أيام فقط. وعليها أن تنجو من رحلة العودة الملتهبة ضمن الغلاف الجوي قبل الهبوط في أستراليا. أما المركبة نفسها فستعاود الانطلاق من جديد لتنفيذ بعثة مطولة، حيث ستحلق أولاً بجانب الكويكب [2001 CC21] في يوليو من العام 2026، وستكون بعدها على موعد رسمي مع الكويكب [1998 KY26] في يوليو من العام 2031. وما بين هاتين المحطتين البارزتين ستجري المركبة جولتين حول الأرض بينما تحاول رصد كواكب بعيدة خارج المجموعة الشمسية.

سيبقى نجاح هايابوسا 2 حاضراً في بعثات جلب العينات المستقبلية أيضاً. إذ تخطط جاكسا لإرسال بعثة إلى قمر المريخ فوبوس، حيث أطلقت عليها اسم “استكشاف القمر المريخي”، أو اختصاراً (MMX). تقول تاتسومي: “تم بناء الجوانب التقنية للبعثة MMX اعتماداً على الكثير من إرث هايابوسا وهايابوسا 2”. وتضيف: “شارك في مشروع هايابوسا 2 العديد من العلماء والمهندسين الشباب الذين سيقودون بعثات الجيل التالي. وبفضل هذه الخبرات، تستطيع جاكسا أن تطلق بعثات أضخم وأكثر تعقيداً في المستقبل”.