Article image
مصدر الصورة: إم إس تك | بكسلز



من تطبيق تندر إلى تطبيقات الوسائط الاجتماعية إلى محرر مستندات جوجل، يتعقب الناس الأكسجين والأدوية والمعدات الطبية بمساعدة قليلة من الحكومة.

2021-05-17 04:53:40

09 مايو 2021

كادت سوهيني تشاتوبادياي أن تتخلى عن محاولاتها لإيجاد موارد طبية قبل أن تقرر تجريب فكرة أخيرة غريبة. كانت تشاتوبادياي -البالغة من العمر 30 عاماً- وأصدقاؤها يبحثون عن متبرع بالبلازما لصديقة طفولتهم التي كانت تعاني من مرض كوفيد-19 في مدينة كولكاتا بشرق الهند. كانت مستويات الأكسجين لدى المريضة تتراجع، وقال الأطباء إن “بلازما المتعافين”، التي تؤخذ من دم يتبرع به أحد المتعافين من فيروس كورونا، قد توفر لها الأجسام المضادة التي تحتاجها للتحسن. وبحلول الساعة 11 مساء من أحد أيام الأحد، وبعد نشر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي والفشل في العثور على أي بصيص أمل، جرّبت تشاتوبادياي أخيراً طريقة مختلفة، وهي تطبيق تندر.

قامت هي وأحد أصدقائها بإنشاء حساب مجاني لكل منهما على التطبيق المخصص للمواعدة وتوجها مباشرة إلى “الإعجاب” بالحسابات الشخصية لأي شخص يبدو سليماً وقريباً من عمرهما. يقول حسابها الشخصي: “ستحصل على مكافأة إذا كنت تريد التبرع بالبلازما لأفضل صديقة لي”. بلغت تشاتوبادياي حدّ الإعجابات على تطبيق تندر، لكن صديقها الآخر تمكّن من الحصول على رد من شخص لديه زمرة دم مناسبة وكان يرغب في التبرع، ما أثار دهشتهما.

وتقول تشاتوبادياي: “لقد تأثرت كثيراً. الأمر الذي بدأ على أنه مزحة يائسة أدى فعلاً إلى منحنا بعض الأمل، وإلى إيجاد شخص يرغب بالتبرع في هذه الحالة”.

وعلى الرغم من أن إيجاد متبرع بالبلازما عبر تطبيق تندر قد يكون قصة نجاح وحيدة، إلا أنه يمثل طرقاً لا تعدّ ولا تحصى يستخدمها سكان الهند أثناء اتصالهم بالإنترنت لمساعدة أحبائهم، وذلك في حين تشهد الهند حوالي 350 ألف حالة إصابة جديدة بفيروس كورونا يومياً، وهو ارتفاع هائل بدأ في بداية شهر أبريل. ومع عدم توافر ما يكفي من الإجراءات أو المعلومات الحكومية، يلجأ المواطنون العاديون إلى وسائل التواصل الاجتماعي للاستعانة بالجمهور في كافة الأمور، من المساعدة المالية إلى المعدات الطبية. فهم يملؤون تويتر وإنستقرام بطلبات لأسرّة المستشفيات وإمدادات الأكسجين والأدوية المضادة للفيروسات والمتبرعين ببلازما التعافي. كما أنهم ينشئون مستندات جوجل ومواقع وتطبيقات عبر الإنترنت لتجميع ما تتم مشاركته ولإيجاد توافق بين المشترين والبائعين.

تحركت مؤخراً عدة دول من أجل المساعدة؛ إذ ترسل المملكة المتحدة أجهزة تنفس صناعي وأجهزة تركيز الأكسجين، بينما تخطط روسيا لإرسال مولدات وأدوية. وبعد بعض الضغوط، وافقت إدارة بايدن على إرسال المواد الخام لعدد أكبر من اللقاحات بالإضافة إلى أشكال أخرى من المساعدات، بما فيها أجهزة التنفس الصناعي ومعدات الوقاية الشخصية.

لكن ليس من الواضح ما إذا كانت المساعدات الدولية والتحركات على الأرض يمكنها أن تساعد في التغلب على نقص الإمدادات في مثل هذا الوضع غير المسبوق. فبعد شهر واحد فقط من إعلان وزير الصحة بأن الهند في “نهاية” جائحة كوفيد-19، فقد أصبح الآن إجمالي حالات الإصابة فيها يفوق ما تشهده أي دولة أخرى، ويزعم البعض وجود نقص في الإبلاغ عن الوفيات، التي يقترب عددها رسمياً من 200 ألف حسب الإحصائيات الرسمية.

دولة يائسة

آنكال أغراوال هي متطوعة تعمل على ربط الأشخاص بالموارد من خلال تويتر، وتنشر تغريدات مثل “هل هناك أسرّة أكسجين متوفرة في دلهي؟ الرجاء إرسال المعلومات في الردود”.

يتم توجيه 90% من إمدادات الأكسجين في الهند، التي تعادل 7500 طن متري يومياً، إلى مرضى كوفيد-19. ومع ذلك، فإن الطلب هائل لدرجة أن أي إشارة محتملة على وجود إمدادات إضافية، بغض النظر عن السعر، يمكن أن تختفي بسرعة.

أمضت أغراوال أسبوعين مؤخراً في نشر مثل هذه الموارد المحتملة لمتابعيها على تويتر البالغ عددهم 42 ألفاً، وربط عائلات الأشخاص بالموارد والتحقق من المعلومات وتبديد الآمال الكاذبة والطرق المسدودة. وتقدّر أنها تتواصل في هذه العملية مع حوالي 400 شخص يطلبون المساعدة كل يوم.

تقول أغراوال، وهي صانعة محتوى تبلغ من العمر 29 عاماً: “الكثير من الأشخاص الذين يطلبون موارد أو أدوية لا يعرفون إلى أين يذهبون ومع من يتواصلون. وحتى عندما يصلون إلى [شخص ما]، تكون الأدوية قد نفدت لأن الطلب مرتفع للغاية”.

كما أنها على اتصال مع ما لا يقل عن 200 متطوع يساعدون في العثور على موارد مؤكدة للأكسجين والأسرّة والأدوية المضادة للفيروسات. وعلى الرغم من جهودهم المبذولة، فهم غالباً ما يواجهون عوائق تمنعهم من التقدم. تقول أغراوال: “هناك أيضاً لقطات شاشة كاذبة يتم تداولها”. تمثل أرقام الاتصال غير الدقيقة أو القديمة مشكلة كبيرة. ومع ذلك، فإن المعلومات الخاطئة المنتشرة تشكّل استثناء أكثر من كونها القاعدة.

أصبحت الأمور أكثر تعقيداً لأن الحكومة الهندية طلبت من تويتر وفيسبوك إزالة بعض المنشورات التي تنتقد كيفية تعاملها مع الوباء. تمت إزالة حوالي 100 منشور حتى الآن، وقالت الحكومة إنها كانت “تنشر معلومات مزيفة أو مضللة” وخلقت “حالة من الذعر بشأن وضع كوفيد-19 في الهند باستخدام صور أو رسوم توضيحية قديمة وخارج السياق ولا علاقة لها بالأمر”.

يقول النقاد إن هذه خطوة لتعزيز الرقابة، وبأنه لا ينبغي إزالة المنشورات السلبية بذريعة حماية المستخدمين من المعلومات المضللة.

وفي الوقت نفسه، يعمل المتطوعون بجدّ لتحديث المعلومات. فمثلاً براتشي سالف، مديرة برنامج في مؤسسة الأبحاث غير الربحية إنديا سبند، لديها الآن فريق مؤلف من خمسة أشخاص يكشفون عن المعلومات غير الدقيقة، وخاصة أرقام الهواتف الخاطئة للموردين أو الموارد، ويقومون بإجراء 350 مكالمة في اليوم. وتقدر أن 5 إلى 10% فقط من هذه المعلومات يتم إدراجها في قائمتهم “المؤكدة”، والتي تتم إتاحتها بشكل عام ليستخدمها الناس. وتقول إن إحدى المشكلات هي “إعادة نشر المعلومات القديمة التي لم تعد صالحة منذ العام الماضي”.

بعد العديد من المحاولات غير الموفقة، عثرت أخيراً إيشا بانسال، البالغة من العمر 23 عاماً، على مورّدين لمجموعة أسطوانات أكسجين وحقن مضادة للفيروسات لابن عمها البالغ من العمر 31 عاماً، الذي يرقد في المستشفى لإصابته بمرض كوفيد.

تعيش بانسال مع 14 فرداً آخر من أفراد عائلتها في دلهي، وبدأت تعاني مؤخراً من أعراض الإصابة بفيروس كورونا. وعلى الرغم من عزلها لنفسها، سرعان ما بدأت علامات العدوى تظهر على جميع أفراد عائلتها. ومع تفاقم الوضع، أدركت أن عليها أن تبدأ البحث عن اسطوانات أكسجين وغيرها من الموارد الأخرى، لكنها لم تكن تعرف إلى أين تتجه. كل ما وجدته على جوجل أو عبر واتساب كان لأرقام خاطئة، أو لم تكن هناك أي إمدادات.

تدخّل أصدقاء بانسال. حيث بحثوا في تويتر وإنستقرام ووجدوا موردين، وبدأوا يتصلون بهم واحداً تلو الآخر. بعد نحو 100 مكالمة، أصابت إحدى المعلومات، وذهبت بانسال، التي كانت تتماثل للشفاء من إصابتها بمرض كوفيد، واستلمت مجموعة الأكسجين. ودفعت مبلغاً يعادل 12 ضعف السعر الأصلي. بعد ذلك، دفعت ما يقرب من 1200 دولار مقابل الأدوية المضادة للفيروسات في السوق السوداء.

وتقول: “من غير الإنساني أن يقوم الناس بالتجارة بهذا الأمر”.

وقالت أيضاً إن وجود فريق من أفراد العائلة والأصدقاء للقيام بالبحث كان أمراً ضرورياً، وأضافت: “لو كنت أتصل بهم وحدي، لكنت استنزفت، لكن بما أن أصدقائي كانوا يقدمون المساعدة، فقد أصاب أحد الأرقام. وإلا، فالأمر مضيعة للوقت ومثبط للهمة”.

حدود الاستعانة بالجمهور

بينما ينشر المتطوعون المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي، يساعد آخرون في تجميعها. قام أومانغ غالايا، وهو مهندس برمجيات يبلغ من العمر 25 عاماً، ببناء موقع الويب covid19-twitter.in، الذي بدأ كمكان يمكن فيه للأشخاص البحث عن موارد خاصة حسب المدينة ثم بدأ بإضافة كلمات مفتاحية بمرور الوقت، مثل أسرّة، أكسجين، دواء ريمديسفير، دواء فابي فلو. زار هذا الموقع أكثر من 200 ألف شخص خلال أقل من أسبوع.

يقوم تويتر، من جانبه، بإنشاء قائمة بالموارد التي يشاركها المستخدمون المعتمدون.

لكن الاستعانة بالجماهير عبر الإنترنت لا تعدّ مفيدة لكل من يحتاج إليها. يوجد في الهند ما يزيد بقليل عن مليوني مستخدم لتويتر وحوالي 28 مليون مستخدم لإنستقرام، وهو جزء بسيط من مستخدمي الإنترنت في البلاد الذين يبلغ عددهم 700 مليون تقريباً، وهذا العدد بحد ذاته لا يمثل سوى نحو نصف السكان البالغ عددهم 1.36 مليار. هناك الكثير من الأشخاص الذين لا يعرفون ما هو تويتر أو كيف يستخدمونه.  ووفقاً للتقارير، يكتسح كوفيد الأجزاء الريفية من الهند، حيث كانت نتيجة الاختبار إيجابية لنحو نصف سكان إحدى القرى في جنوب الهند،  ولذلك يبتكر الناس طرقاً مختلفة للتغلب على الفجوة الرقمية. تقول بادميني راي موراي، مؤسِّسة شركة التصاميم التكنولوجية ديزاين بيكو: “بينما ساعدت مواقع الويب مثل إنستقرام وتويتر في إنشاء شبكة سمحت للعديد من الأشخاص بالعثور على المعلومات ومشاركتها، إلا أنها إقصائية ولا تشمل الجميع، وتجعل غالبية سكان الهند يعتمدون على أنفسهم”.

استيقظت موراي في صباح أحد الأيام مؤخراً وقررت تصميم موقع على شبكة الإنترنت، Oxygenblr.in، يستهدف المتحدثين باللغة الإنجليزية ولغة الكانادا المحلية في مدينة بنغالور. يحتوي الموقع على أرقام هواتف سيارات الإسعاف ومعلومات حول توافر الأكسجين والأسرّة والرعاية المنزلية والتبرع بالدم وغيرها. وتقول: “شعرت بأن هناك حاجة لاستخلاص كل هذا المحتوى من منصات [وسائل التواصل الاجتماعي] تلك، ثم وضعه في مكان ثابت يمكن للناس الوصول إليه”.

دور للحكومة

مع انطلاق الجهود الرقمية الصغيرة، بدأت تظهر محاولات أكبر للتعاون، فالمساعدات في طريقها من قطاع التكنولوجيا في الهند، حيث قام المستثمرون والشركات الناشئة بالتعاقد مع رحلات الطيران لنقل أسطوانات وأجهزة تركيز الأكسجين. كما تكاتف الكثير من الناس أيضاً من أجل جمع حوالي 10 ملايين دولار للأكسجين واللقاحات والرعاية المنزلية، بينما ينظم آخرون حملات لجمع الأموال بالعملات المشفرة.

ولكن بينما يعمل المواطنون على إيجاد حلول خاصة بهم، ينتقد الخبراء الأسلوب الذي انتهجته الحكومة. فعلى سبيل المثال، يشير هؤلاء الخبراء إلى ظهور رئيس الوزراء ناريندرا مودي على التلفزيون عندما خرجت الإصابات عن نطاق السيطرة، وطلب من الهنود أن يكونوا أكثر حذراً، بدلاً من التعليق على النطاق الحقيقي للأزمة. كما قال الحزب السياسي الذي يتبع له مودي على تويتر بأن اللقاحات المجانية في إحدى الولايات ستتوقف على الفوز في الانتخابات.

يأتي ذلك بعد سماح الحكومة بالتجمعات العامة الضخمة وعدم طلب سوى جزء بسيط من اللقاحات اللازمة لإعطائها إلى الفئات المستهدفة، على الرغم من أن الهند هي إحدى أكبر منتجي اللقاحات في العالم. في شهر فبراير، صدّرت الهند أكثر من 3 ملايين جرعة لقاح إلى بلدان بنغلاديش ونيبال وبوتان وجزر المالديف المجاورة لها، لكنها تعرضت لاحقاً لانتقادات بسبب عدم إعطائها الأولوية لمواطنيها.

ومع تزايد نقص الإمدادات أكثر فأكثر، يقول خبراء الصحة العامة إن على الحكومة الهندية أن تأخذ دوراً قيادياً أقوى. يعتقد غيريدارا بابو، عالم الأوبئة في مؤسسة الصحة العامة في الهند، أن الشفافية والمساءلة تمثلان أولى الخطوات. ويقول بأن الجهات الإدارية تفاجأت بسرعة وحجم الموجة الثانية، ولكن مع تفاقم الأزمة، “على الحكومة أن تعترف بها”.

بدأت تظهر أخيراً بوادر تحركات أكثر تنسيقاً من قبل المسؤولين؛ إذ أطلقت حكومة مودي مؤخراً “قطار الأكسجين السريع”، وهو قطار سينقل الأكسجين الطبي السائل وأسطوانات الأكسجين من كافة أنحاء البلاد. ووصل أول قطار في 23 أبريل إلى ولاية ماهاراشترا، التي تعدّ إحدى الولايات الأكثر تضرراً.

في الوقت نفسه، أمسكت حكومات الولايات بزمام الأمور بنفسها من خلال فرض عمليات إغلاق على مستوى الولاية وإطلاق بوابات على الإنترنت. فعلى سبيل المثال، أعادت ولاية كارناتاكا تنشيط منصتها المخصصة للبيانات عبر الإنترنت، والتي تم إطلاقها العام الماضي خلال الموجة الأولى في الهند، لمشاركة بيانات دقيقة عن أسرّة المستشفيات المتاحة وعدد الحالات في جميع أنحاء الولاية. ويقول في رافي، عالم الفيروسات وعضو اللجنة الاستشارية الفنية التابعة للولاية بشأن كوفيد-19، إن هذا العام “ينطوي على بعض جوانب الخلل التي يتم تسويتها”. ويضيف بأنه في وقت قريب، “ينبغي أن تتمكن اللجنة من لعب دور مماثل في التعامل مع الأزمة الحالية”.

وحتى في حالة وجود موارد حكومية، فلا يتم استخدام بعضها لأن الناس قد لا يعرفون عن وسائل المساعدة في مدينتهم أو عن وجود وسائل التواصل الاجتماعي. وتعدّ الخدمات الأخرى مستنزفة ببساطة.

يقول أنس تنوير، المحامي المقيم في دلهي والذي يرأس فريقاً يساعد الناس على التحقق من معلومات الموارد: “يتم الاتصال بالهواتف باستمرار؛ لذلك تكون الخطوط مشغولة في معظم الأوقات التي يحاول فيها الناس الاتصال بها. وحتى عندما تتم الإجابة، لا يكون هناك أي أسرّة متبقية لتقديمها”. ويقول آخرون إنه حتى إذا كان الموقع الحكومي على الإنترنت يقدم معلومات حول توافر الأسرّة، فمن الصعب العثور على معلومات أساسية أخرى حول الأكسجين أو الأدوية المضادة للفيروسات أو خدمات الطعام للأشخاص الذين يتعافون في المنزل.

ويقول بابو إنه لا يوجد وسيلة واحدة تقدم الإجابة، فالطريقة الوحيدة لمعالجة أزمة كبيرة بهذا الحجم قد تنطوي على أن تعمل الحكومة بالشراكة مع مجموعات المواطنين ومنصات الإنترنت. ويضيف: “إذا كان المواطنون قادرين على خلق هذا النوع من التضامن والتأكد من تحديث كل هذه التفاصيل، فيمكن أن يصبح الوضع أفضل بكثير إذا قامت الحكومة بتيسير ذلك”.

تمثل هذه المقالة جزءاً من مشروع تكنولوجيا الجائحة، الذي تدعمه مؤسسة روكفيلر.