Article image
مصدر الصورة: صور جيتي



بمجرد أن يُصاب عددٌ كافٍ من الأشخاص بمرض كوفيد-19، فسوف يتوقف عن الانتشار من تلقاء نفسه. لكن التكاليف ستكون مدمرة.

هناك 3 طرق أساسية لإيقاف مرض كوفيد-19 بشكل دائم. تتضمن الطريقة الأولى فرض قيود استثنائية على حرية الحركة والتجمعات، فضلاً عن إجراء عدد كبير من الاختبارات، لإيقاف انتقال الفيروس بالكامل. قد يكون ذلك مستحيلاً الآن بعد أن أصبح الفيروس موجوداً في أكثر من 100 دولة. وتنطوي الطريقة الثانية على لقاح يمكنه أن يحمي الجميع، لكن ذلك لا يزال قيد التطوير.

أما الطريقة الثالثة، فيحتمل أن تكون فعالة ولكن من المروّع التفكير فيها، فهي تتمثل بمجرد الانتظار حتى يُصاب بالفيروس عددٌ كافٍ من الأشخاص.

إذا استمر الفيروس بالانتشار، فسيُصاب الكثير من الأشخاص بالعدوى في نهاية المطاف، وإذا تمكنوا من البقاء على قيد الحياة، فإنهم سيتمتّعون بالمناعة تجاهه، لدرجة أن الوباء سيختفي من تلقاء نفسه لأنه سيصبح أصعب على الفيروس أن يعثر على مضيف عرضة للإصابة به. تُعرف هذه الظاهرة باسم المناعة الجماعية.

إن الانتشار الواسع الذي لا يمكن إيقافه لفيروس كورونا هو نتيجة يقوم الخبراء بتصوّرها في نماذجهم التي يعدّونها لأسوأ السيناريوهات. ويقولون إنه بالنظر إلى ما يعرفونه عن الفيروس، فقد يؤدي إلى إصابة 60% من سكان العالم، وربما يكون ذلك خلال هذا العام.

ولا تعتبر هذه الأرقام مجرد توقعات عشوائية؛ فهي تستند إلى النقطة التي يقول فيها علماء الأوبئة إنه ينبغي البدء بالمناعة الجماعية لهذا الفيروس بالذات.

تصدّرت مؤخراً فكرة المناعة الجماعية العناوين الرئيسية بعد أن أشار رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى أن الإستراتيجية الرسمية للبلاد قد تكون هي الرضوخ للفيروس والسماح للمرض بالانتشار. وقال كبير المستشارين العلميين لحكومة المملكة المتحدة، باتريك فالانس، إن البلاد يلزمها “تشكيل نوع من المناعة الجماعية، حتى يكون هناك عدد أكبر من الناس المنيعين تجاه هذا المرض، وحتى نقلل من انتقاله”.

كما أدلى مؤخراً رئيس وزراء هولندا، مارك روتي، بتصريح مماثل، قائلاً: “يمكننا إبطاء انتشار الفيروس في نفس الوقت الذي نقوم فيه بتشكيل مناعة جماعية بطريقة مضبوطة”.

لكن وفقاً لأحدث النماذج، فإن التوجّه نحو المناعة الجماعية الآن سيكون إستراتيجية كارثية؛ وذلك لأن الكثير من الأشخاص سيُصابون بالمرض الشديد، كما أن الزيادة المفاجئة في عدد المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية في المستشفى أو في وحدة العناية المركزة ستطغى على إمكانيات المستشفيات. وقد أشارت المملكة المتحدة مؤخراً إلى أنها ستفعل المزيد للحدّ من الفيروس، بما في ذلك منع التجمعات. إن إبطاء انتشار المرض يعني أنه يمكن الحفاظ على الأنظمة الصحية وإنقاذ الأرواح، ولكن النتيجة قد تكون هي نفسها في النهاية. أي أنه حتى لو تمت إطالة تفشي الوباء على فترة زمنية أطول، فقد يستلزم الأمر تحقيق المناعة الجماعية لإيقافه.

وكما أوضح مات هانكوك، وزير الصحة والرعاية الاجتماعية البريطاني، بعد انتقادات لحكومة المملكة المتحدة: “إن المناعة الجماعية ليست هدفنا أو سياستنا. ولكنها مبدأ علمي”.

ولكن ما هي المناعة الجماعية بالضبط؟
عندما يكون هناك عدد كافٍ من السكان المقاومين للفيروس، يتوقف انتشاره بشكل طبيعي بسبب عدم وجود ما يكفي من الأشخاص الذين يمكنهم نقله. وبالتالي، يكون “مجموع السكان” يتمتعون بالمناعة، على الرغم من أن العديد من الأفراد لا يزالون غير منيعين.

على الرغم من أنه من المرعب التفكير في احتمال إصابة مليارات الأشخاص بفيروس كورونا، الذي يبلغ معدل وفياته التقديري لكل إصابة نحو 1% تقريباً (ملف بي دي إف)، وهذا المعدل غير مؤكد أيضاً، كما أن معدل الوفيات أعلى بين الحالات التي تدخل المستشفى، إلا أننا شهدنا أدلة على ظهور مناعة جماعية في الأوبئة الحديثة الأخرى.

كيف يمكن للمناعة الجماعية إيقاف الفيروس؟

في نموذج بسيط لتفشي المرض، تؤدي كل حالة بنشر العدوى إلى حالتين أخريين، مما ينجم عنه ازدياد انتشار المرض بشكل متسارع. ولكن بمجرد أن يتمتع نصف السكان بالمناعة، فإن حجم تفشي المرض لن يتزايد بعد ذلك.

من الأمثلة على ذلك فيروس زيكا، وهو مرض ينتقل عن طريق البعوض وأحدث ذعراً وبائياً في عام 2015 بسبب ارتباطه بشذوذات ولادية.

وبعد ذلك بعامين، لم يعد هناك في عام 2017 الكثير مما يدعو للقلق. ووجدت دراسة برازيلية قامت بفحص عينات الدم أن 63% من سكان مدينة سلفادور الشاطئية الشمالية الشرقية قد تعرضوا بالفعل لفيروس زيكا، وتوقّع الباحثون بأن المناعة الجماعية قضت على تفشي ذلك المرض.

كما تؤدي اللقاحات إلى تشكيل مناعة جماعية أيضاً، وذلك عندما تُعطى على نطاق واسع أو عند تطبيقها في بعض الأحيان على شكل “حلقة” حول حالة جديدة من مرض معدٍ نادر. بهذه الطريقة تم القضاء على أمراض مثل الجدري واقترب شلل الأطفال من الزوال. هناك العديد من الجهود الجارية للتوصل إلى لقاحات لفيروس كورونا، لكنها قد لا تصبح جاهزة قبل عام.

وحتى في ذلك الحين، يمكن أن يجد صانعو اللقاحات أنفسهم في سباق خاسر مع الطبيعة لمعرفة أي منهما هو الذي سيحمي الجميع أولاً. حدث هذا بشكل جزئي في عام 2017، عندما تخلت شركة الصناعات الدوائية سانوفي Sanofi بهدوء عن لقاح زيكا الذي كان قيد التطوير بعد انقطاع التمويل، فببساطة لم يعد هناك الكثير من السوق للقاح.

يعدّ فيروس كورونا جديداً، لذلك لا يبدو أن هناك أحداً يتمتع بالمناعة تجاهه، وهذا ما يسمح له بالانتشار وإحداث مثل هذه الآثار الشديدة لدى بعض الناس.

وحتى تترسخ المناعة الجماعية، يجب أن يتمتع الناس بالمناعة بعد إصابتهم. يحدث ذلك مع العديد من الفيروسات، حيث يصبح الأشخاص الذين أصيبوا وتماثلوا للشفاء مقاومين للإصابة بهذا المرض مرة أخرى؛ لأن جهاز المناعة لديهم يكتسب أجساماً مضادة يمكنها هزيمته.

تماثل حوالي 80 ألف شخص للشفاء من فيروس كورونا حتى الآن، ويرجّح أنهم أصبحوا مقاومين له، على الرغم من أن درجة المناعة لا تزال غير معروفة. يقول مايرون ليفين، خبير الأمراض المُعدية في جامعة ماريلاند: “سأكون متفاجئاً، لكنني لن أكون متفاجئاً تماماً، إذا لم يصبح الناس منيعين”؛ إذ تقوم بعض الفيروسات، مثل الأنفلونزا، بإيجاد طرق للتغير باستمرار، وهذا هو سبب عدم اكتمال المناعة ضد هذه الفيروسات الموسمية.

متى نصل إلى المناعة؟
ترتبط النقطة التي نصل عندها إلى المناعة الجماعية من ناحية حسابية بنزعة الفيروسات إلى الانتشار، التي يُعبّر عنها بعدد التكاثر الأساسي أو ما يرمز له R0. يقدّر العلماء أن هذا العدد بالنسبة لفيروس كورونا يتراوح بين 2 و2.5 (ملف بي دي إف)، مما يعني أن كل شخص مصاب ينقل العدوى إلى شخصين آخرين تقريباً، في ظل غياب التدابير لاحتواء العدوى.

حتى تتخيل آلية حدوث المناعة الجماعية، فكر بالطريقة التالية في حالات فيروس كورونا التي تتضاعف في مجموعة سكانية قابلة للتأثر: 1، 2، 4، 8، 16، وهكذا. ولكن إذا كان نصف الأشخاص يتمتعون بالمناعة، فلن تحدث نصف هذه الحالات على الإطلاق، وبالتالي تنخفض سرعة الانتشار إلى النصف بشكل فعال. ووفقاً لمركز العلوم الإعلامي، يحدث عندها تفشي الوباء على هذا النحو بدلاً من ذاك: 1، 1، 1، 1… ويتم القضاء على الوباء بمجرد أن يقل معدل العدوى عن 1.

ويعدّ معدل انتشار الفيروس الحالي أعلى من معدل انتشار فيروس الأنفلونزا العادية، ولكنه مشابه لمعدلات الأنفلونزا الجديدة التي اجتاحت العالم من حين لآخر. وقال مارك ليبسيتش، عالم الأوبئة في جامعة هارفارد، في حديثه مؤخراً إلى مجموعة من الخبراء عبر مكالمة فيديو: “يشبه هذا الوباء جائحة الأنفلونزا التي حدثت عام 1918، وهذا يعني أن نهايته تتطلب أن يحصل حوالي 50% من السكان على المناعة، إما من اللقاح، وهو أمر لا يلوح في الأفق القريب، أو من العدوى الطبيعية”.

وكلما كان الفيروس مُعدياً أكثر، كانت هناك حاجة لحصول عدد أكبر من الناس على المناعة لتحقيق المناعة الجماعية. تعتبر الحصبة من أكثر الأمراض التي تنتقل بسهولة؛ حيث يتجاوز عددها التكاثري الأساسي 12، وتتطلب حصول حوالي 90% من الأشخاص على المناعة حتى يتسنى للأشخاص غير المنيعين أن يتمتعوا بالمناعة الجماعية. وهذا هو السبب في إمكانية تفشي المرض من جديد عندما تتوقف حتى أعداد صغيرة من الناس عن أخذ لقاح الحصبة.

وبالمثل، إذا كان فيروس كورونا ينتشر بسهولة أكبر مما يعتقد الخبراء، فسيحتاج عدد أكبر من الناس للإصابة به قبل الوصول إلى المناعة الجماعية. على سبيل المثال، إذا كان العدد التكاثري الأساسي هو 3، يجب أن يحصل 66% من السكان على المناعة قبل بدء التأثير، وذلك وفقاً لأبسط نموذج.

سواءً كانت النسبة 50% أو 60% أو 80%، فإن هذه الأرقام تشير إلى إصابة مليارات الأشخاص ومقتل الملايين حول العالم، على الرغم من أنه كلما كان انتشار الوباء أبطأ، كلما زاد احتمال التوصل إلى علاجات أو لقاحات جديدة للمساعدة.

وتوصي الآن أحدث النماذج الوبائية التي تم تطويرها في المملكة المتحدة “بالكبح” الشديد للفيروس. تتمثل الإجراءات الأساسية التي يتم الحث عليها في عزل المرضى، ومحاولة تقليل الاتصالات الاجتماعية بنسبة 75%، وإغلاق المدارس. يمكن أن تستمر تلك التدابير المكلفة اقتصادياً لعدة شهور.

تقول أزرا غاني، عالمة الأوبئة الرئيسية في النموذج الجديد لتفشي المرض من جامعة إمبريال كوليدج لندن: “إن كبح الانتقال يعني أننا لن نقوم ببناء المناعة الجماعية”. إن المقايضة للنجاح هي “أننا نخفضه إلى مستوى منخفض بحيث يتوجب علينا إبقاء تلك [الإجراءات] في مكانها”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.