بالفعل خرجت جائحة كورونا عن سيطرة الحكومات تماماً، لكن زيادة عدد الذي أصيبوا بالفيروس جعلت انتقاله أكثر صعوبة من ذي قبل.

2020-08-16 16:31:43

16 أغسطس 2020
Article image
مصدر الصورة: أولجا ثومبسون / والت ديزني وورلد ريزورت

بدأ العدد الكبير من الأشخاص الذين سبق وأن أصيبوا بفيروس كورونا في الولايات المتحدة بلعب دور مثبط لانتشار المرض في الولايات الأكثر تضرراً.

أصيب الملايين من سكان الولايات المتحدة بفيروس كورونا، وتوفي منهم ما لا يقل عن 160 ألف شخص. أحد آثار ذلك هو أن الأفراد المعرضين للإصابة يتناقص عددهم في العديد من المناطق؛ حيث يُعتقد أن الناس يصبحون منيعين بعد الإصابة (على الأقل لعدة أشهر)، لذلك فهم لا ينقلون الفيروس إلى الآخرين. وهذا من شأنه أن يبطئ انتشار الجائحة.

وقال تريفور بيدفورد، محلل الأوبئة بجامعة واشنطن، في سلسلة من التغريدات نشرها على تويتر مؤخراً: “أعتقد أن الانتشار الكبير للجائحة في ولايات أريزونا وفلوريدا وتكساس سيؤدي إلى مناعة تكفي للمساعدة في السيطرة على فيروس كورونا. ولكن هذا المستوى من المناعة لا يتوافق مع العودة الكاملة للسلوك المجتمعي بالشكل الذي كان موجوداً قبل الجائحة”.

إن المعدل الدقيق لإبطاء معدل انتقال العدوى نتيجة المناعة المكتسبة غير معروف، لكن قد نحصل في النهاية على إجابات لبعض التساؤلات الرئيسية مثل إعادة فتح المدارس والسفر الجوي.

ما هو معروف أنه بعد ارتفاع الإصابات بوتيرة مقلقة اعتباراً من شهر مايو، بدأ ينخفض عدد حالات الإصابة الجديدة بفيروس كورونا في ولايات الحزام الشمسي في الولايات المتحدة، مثل ولاية فلوريدا. قد يعود السبب جزئياً في ذلك إلى سلوك التباعد الاجتماعي، لكن ارتفاع معدلات المناعة هو أحد العوامل أيضاً، وفقاً ليويانج جو، عالم الكمبيوتر الذي تعدّ توقعاته لفيروس كورونا من بين 34 نموذجاً للجائحة تقوم المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بتتبعها.

يقول جو: “قد تلعب المناعة دوراً مهماً في المناطق التي تتراجع فيها الإصابات. ولا أعتقد أنه سيكون هناك ارتفاع آخر” للإصابة بالعدوى في الولايات الجنوبية، وذلك حتى الخريف على الأقل، وهو المدى الذي تشمله توقعاته.

المناعة الجماعية

تسجل الولايات المتحدة أكثر من 1000 حالة وفاة و45 ألف حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا يومياً. ومع ذلك، فإن الجانب الآخر للانتشار السريع هو الانخفاض التدريجي في عدد الأشخاص المعرضين للإصابة بالفيروس ونشره مرة أخرى. ويقول الباحثون إنهم يأملون في تحديد مدى الدور الذي يمكن أن يلعبه ارتفاع هذه المناعة الجماعية في تدبير الجائحة.

يقول توم بريتون، عالِم الإحصاء الذي يقوم بإعداد نماذج للجائحة في جامعة ستوكهولم: “من الواضح أن انخفاض قابلية التعرض يؤدي إلى انخفاض ​​انتشار المرض. لا أحد يستطيع أن يقول خلاف ذلك. والسؤال هو عن مدى التأثير الناجم عن التدخلات أو المناعة. أنا مقتنع بأنه ينجم عن مزيج من الأمرين في المناطق التي يتفشى فيها المرض بشكل كبير جداً، مثل نيويورك وميلانو ومدريد ولندن”.

سيتوقف تفشي الفيروس عن الازدياد، حتى دون أي تدابير للسيطرة، وذلك عندما يتم الوصول إلى عتبة تسمى المناعة الجماعية. يحدث ذلك عندما يتمتع عدد كبير من الناس بالمناعة، بحيث لا يتمكن الفيروس من العثور على أشخاص مضيفين جدد بالسرعة الكافية.

بالنسبة لفيروس كورونا الجديد، فإن عتبة الوصول إلى المناعة الجماعية غير معروفة. تختلف التقديرات بشكل كبير، وتشير إلى أنه ربما لا بد من إصابة ما يتراوح من 10% إلى 80% من السكان، وذلك اعتماداً على مدى انتشار الفيروس، وكذلك على العوامل الاجتماعية مثل مدى مخالطة الأشخاص عادةً مع بعضهم البعض.

وبعد أن كانت نقطة انعطاف غامضة غير معروفة إلا لعلماء الأوبئة فقط، اكتسبت المناعة الجماعية ما يسميه فرانسوا بالو، عالم بيولوجيا الأنظمة في جامعة كوليدج لندن، شهرةً “شبيهة بشهرة كارداشيان”، وأصبحت نقطة انتقاد في المناقشات الموجّهة سياسياً حول إعادة فتح الاقتصاد. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يصرّ بعض المعلّقين على أن المناعة الجماعية قد تحققت بالفعل، مما يعني أن عمليات الحظر وإغلاق المدارس لم تعد ضرورية. ويجد آخرون سبباً للشك في أن المناعة سوف تتراكم إلى أمد غير محدد من دون لقاح، ويقولون إن الاعتماد عليها يمكن أن يؤدي إلى ملايين الوفيات.

وغرّد فلوريان كرامر، أخصائي المناعة في كلية آيكان للطب في مدينة نيويورك قائلاً: “يبدو أن هناك فريق يقول بتحقق المناعة الجماعية وفريق يقول بأننا سنموت جميعاً. الشيء الجيد هو أن هناك فريق ثالث يدعو إلى الحصول على البيانات وإلقاء نظرة على ما يعنيه كل ذلك”.

ما هو مؤكد هو أن تفشي الجائحة في الولايات المتحدة يجعل المناعة الطبيعية تتطور بسرعة. وخلال شهري يونيو ويوليو، يقدّر جو إصابة 450 ألف شخص يومياً بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، وهو أعلى رقم منذ وصول المرض إليها في شهر فبراير.

وهذا الرقم أعلى من العدد الرسمي للحالات لأنه يشمل تقديرات لحالات العدوى التي لا تلاحظ أو لا يتم الإحساس بها أو الإبلاغ عنها. وفي شهر يونيو، قال روبرت ريدفيلد، مدير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، في حديثه إلى الصحفيين إن العدد الحقيقي للإصابات يمكن أن يكون أضعاف العدد الرسمي. على سبيل المثال، يقدّر جو بأن حوالي 35 مليون شخص أميركي قد تعرضوا للإصابة الآن، أي ما يقرب من 10% من سكان الولايات المتحدة.

كما تبيّن أن العدوى الطبيعية فعالة للغاية في الحدّ من انتقال الفيروس، لدرجة أنها أكثر فعالية من حصول عدد مماثل من الأشخاص على لقاح. والسبب هو أن الفيروس يجد تحديداً ويصيب أولئك الأشخاص الذين من المرجح أن يكونوا جزءًا من سلسلة الانتقال، سواءً بسبب السلوك أو الظروف أو البيولوجيا.

ربما هم طلاب جامعيون يقضون عطلة الربيع، أو أفراد من الكادر التمريضي في المستشفى، أو أشخاص يلمسون وجوههم طوال الوقت. مهما كان السبب، بمجرد تعرض هؤلاء الأشخاص للإصابة بالعدوى وخروجهم من المعادلة من خلال الموت أو اكتساب المناعة، يكون تأثير ذلك على الجائحة كبيراً. وعلى النقيض من ذلك، فإن إعطاء اللقاح لكبار السن القاطنين في مساكن الإيواء قد يحمي أولئك الأشخاص، ولكنه يكون أقل فعالية نسبياً في وقف انتقال العدوى.

وقال مارك ليبسيتش، مصمم نماذج الصحة العامة في جامعة هارفارد، في حديثه مع الخبير السياسي بيل كريستول خلال مقابلة بودكاست مؤخراً: “عندما يتسبب المرض نفسه في المناعة الجماعية، يكون ذلك أكثر فعالية بكثير مما يحدث عندما نعطي اللقاح بشكل عشوائي”. ونتيجة لذلك، “هناك نقاش” حول ما إذا كان انتقال الفيروس قد ينخفض بسرعة أكبر مما كان يعتقد عموماً، كما يقول.

دروس من السويد

خارج الولايات المتحدة، يقوم الباحثون أيضاً بالتتبع الوثيق لدور المناعة السكانية في استجابات الدول. فالسويد، على سبيل المثال، لم تفرض حظراً صارماً، وشهدت عدداً كبيراً من الوفيات ابتداءً من شهر أبريل. ولكن منذ ذلك الحين، انخفض عدد الإصابات الجديدة. وقال قادة الدولة مؤخراً إن الأطفال سيعودون إلى المدرسة دون حاجتهم إلى ارتداء الكمامات.

ويضيف بريتون: “أود أن أقول إنه ليس هناك شك في أن المناعة تلعب دوراً مهماً في السويد أكثر من أي دولة أخرى. تتوقف هذه الجائحة ببطء الآن”.

ويقول بريتون إن الفهم الأفضل لكيفية تأثير مناعة السكان على تفشي المرض يمكنه أن يساعد في توجيه مستوى التدخلات الاجتماعية وكثافتها. ويقول إن الهدف هو إبقاء عامل تكاثر الفيروس، المسمى R، أقل من 1، ما يعني أن كل شخص مصاب بالفيروس ينقل الإصابة إلى أقل من شخص آخر. في ظل هذه الظروف، يتضاءل تفشي المرض.

ويقول: “تتحقق المناعة الجماعية عندما يمكن تخفيف جميع القيود مع بقاء عامل تكاثر الفيروس أقل من 1. لكن لا يجب أن تكون المناعة على هذا المستوى حتى يكون لها تأثير”.

في بعض المدن، مثل نيويورك وميامي، تُظهر اختبارات الدم أن 20% أو أكثر من السكان قد أصيبوا بالفيروس. لكن في المناطق التي لم تتأثر إلا قليلاً، مثل البلدات الصغيرة أو المناطق الريفية، لا يزال السكان أكثر عرضة للإصابة. وهذا يعني أن الفيروس يمكنه إحداث فاشيات جديدة، وسيستمر في ذلك. فعلى سبيل المثال، شهدت لويزيانا ارتفاعاً كبيراً في عدد الإصابات، تبعه هدوء ثم ارتفاع ثانٍ. حدث ذلك عندما أصاب الفيروس نيو أورلينز لأول مرة، ثم وصل لاحقاً إلى بقية أجزاء الولاية.

يعدّ التفاوت الجغرافي للوباء أحد الأسباب التي تجعل بريتون لا يعتقد بأن السويد قادرة على العودة إلى وضعها الطبيعي حتى الآن. ويقول: “هل نحن في مأمن من حدوث فاشيات كبيرة إذا تم رفع جميع القيود؟ الجواب هو لا. على مستوى الدولة، لا تعتبر المناعة عالية، وربما تكون 20%. لكن في ستوكهولم ربما تكون النسبة 30 أو 40%. قد نكون قريبين من المناعة الجماعية [هناك]، ولذلك يمكنهم تخفيف القيود بشكل أكثر بقليل”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.