Article image
مصدر الصورة: صور جيتي



يجد بعض العالقين في منازلهم طرقاً مبتكرة لإجراء دردشات عفوية مع الزملاء والغرباء، من أجل إعادة إحياء افتراضية للدردشات في جوار مبرد المياه.

2020-08-18 16:49:12

18 أغسطس 2020

رفض توم مالون التسليمَ باندثار الدردشات إلى جانب مبرّد المياه لمجرد أن الكثير من الناس انتقلوا فجأة إلى العمل من المنزل أثناء الوباء. كان يعلم أن الأحاديث العشوائية في مكان العمل يمكن أن تساعد الناس على بناء الثقة وتكوين الروابط. وبصفته باحثاً مهتماً بدراسة التكنولوجيا والتصميم التنظيمي، يقول مالون: “بدا واضحاً بالنسبة لي أنه يجب أن تكون هناك طرق لتعزيز التفاعلات غير الرسمية” في المؤتمرات الافتراضية وفي أماكن العمل عبر الإنترنت.

لذا تعاون مالون، الذي يقوم بالتدريس في كلية سلون للإدارة في إم آي تي، مع طالب دراسات عليا لتطوير مينجلر (Minglr)، وهو برنامج مفتوح المصدر يمكن لأي شخص تحميله واستخدامه لمقابلة الأشخاص الذين يشيرون إلى امتلاكهم الوقت للدردشة مع الآخرين. يمتلك البرنامج واجهة شبيهة بنسخة مدمجة من واجهتي آيم (AIM) وزوم (Zoom)؛ حيث تعرض اللوحة اليمنى الأشخاص المتفرغين للدردشة مع صورة رمزية ومعلومات ذات صلة مثل العنوان والاهتمامات الخاصة بالمحادثة. أما اللوحة الوسطى فتسرد قائمة انتظار تضم الأشخاص الذين يريدون التحدث معك الآن، كما تعرض اللوحة اليمنى قائمة أخرى بالأشخاص الذين يريدون التحدث معك في المستقبل.

أجرى مالون اختباراً لبرنامج مينجلر في مؤتمر افتراضي في يونيو وكتب ورقة بحثية ترصد الاستجابة للبرنامج. وقد قام حوالي ثلث الحاضرين باستخدام البرنامج، وأجرى كل منهم محادثتين في المتوسط. ورغم إقراره بأن أدوات مثل مينجلر وزوم لا تنجح تماماً في استنساخ الشعور بالتواجد بالقرب من مبرد المياه أو آلة تحضير القهوة، لكنه يعتقد أنه ينبغي ألا نفقد المحادثات المرتجلة بسبب الوباء.

كيف يبدو برنامج مينجلر على شاشة الحاسوب.
الصورة تقدمة: الأستاذ توماس مالون | مينجلر

مالون ليس الشخصَ الوحيد الذي يعتقد أنه يمكن إنقاذ هذا النوع من التفاعل العفوي غير الرسمي. وبينما يَقلب الوباء ثقافةَ المكتب التقليدية رأساً على عقب، يجد العاملون طرقاً مبتكرة لالتماس هذا النوع من التواصل. ومن المرجح أن تستمر هذه التغييرات بعد توافر لقاح لفيروس كورونا وإتاحة العودة الآمنة للكثيرين إلى أماكن العمل. وفي الوقت الذي يتم فيه إعادة تكوين المكاتب بالفعل لتطبيق خطط الأماكن المفتوحة، ومع احتمال حظر المساحات المشتركة مثل مطاعم الوجبات الخفيفة وغرف الاجتماعات، قد يتحول مبرد المياه الحقيقي -والمحادثة التي تجري بجواره- إلى قطعة أثرية من حقبة ماضية.

إذا كان ذلك ما سيحدث بالفعل، فمن المهم إيجاد البديل؛ إذ يشير الخبراء إلى إنه في أحسن الأحوال، يمكن لمكان العمل الذي لا يوجد فيه تفاعل بين المجموعات المنعزلة -مثل مجموعات الإبداع في مجال التمويل- أن يدفع الناس للشعور وكأنهم مثل النحل العامل. وفي أسوأ الأحوال، يمكن لذلك أن يخنق الإبداع والتعاون. وتقول ديبورا تانين، أستاذة اللسانيات في جامعة جورج تاون، إن هذا النوع من الأحاديث القصيرة “جوهري؛ لأنه يحافظ على استمرارية العلاقات” ويمكن أن يؤسس أرضية مشتركة لها.

لقد قدمت التكنولوجيا حلاً جاهزاً لبعض أنواع المحادثات المخصصة أثناء الوباء؛ حيث إن كلاً من فيسبوك وإنستقرام لايفز وريديت لايف وديسكورد وتويتش وأوميجل (Omegle) (وهو برنامج يسهِّل إجراء محادثات الفيديو مع الغرباء) يتيح للأشخاص المشاركة في أحداث مثل جلسة يوجا أو حفلة رقص أو جلسة مناقشة مع أحد المؤثرين من نوع “اسألني أي سؤال”.

بيد أن استنساخ لقاءات الصدفة التي تحدث في المكتب يواجه صعوبة أكبر عند استخدام مكالمات الفيديو؛ حيث يتم التخطيط للاجتماعات سابقاً ويكون الحضور مقيَّداً. وقد كانت الأشهر القليلة الماضية مؤلمة بالنسبة للبعض ممَّن يعتمدون بشكل كبير على إقامة الروابط مع الآخرين وإجراء المحادثات بالقرب من مبرِّدات المياه لشحذ طاقتهم.

وتقول سارة سولومون، التي تدير وكالة علاقات عامة على الساحل الغربي للولايات المتحدة، واعتادت على مقابلة الناس لاحتساء القهوة أو العثور على عملاء محتملين في المناسبات: “أحب الذهاب إلى المناسبات ومقابلة الناس شخصياً”. وبمجرد أن جعل الوباء هذه الطريقة صعبة التطبيق، لجأت سولومون إلى لينكدإن، لكنها لم تكن راضية عن هذا الأسلوب؛ إذ تقول: “هناك حدود لما يمكن أن يحققه التراسل، ولا شيء يُقارن بلقاء أحد ما شخصياً”.

لذا قررت سولومون أن تجرّب أسيمبل نيتورك (Assemble Network)، التي تنظِّم مجموعات صغيرة تصل إلى 14 مشاركاً في الاجتماع على زوم مرة واحدة في الأسبوع لمدة شهر. ورغم أن هذه الطريقة ليست عشوائية بقدر مناسبات التواصل، لكن جيل كاتز، مؤسسة أسيمبل نيتورك، تقول إن حقيقة أن المشاركين جميعاً يستثمرون أموالهم في تكوين علاقات (فهي تتقاضى 225 دولار شهرياً مقابل أربع جلسات مدة كل منها 90 دقيقة) تزيد من فرص نجاحهم في تحقيق غايتهم.

وتقول كاتز إن أسيمبل نيتورك تخلق بيئة مختلفة تماماً عما رصدتْه في مناسبات تكوين العلاقات قبل إطلاق خدمتها؛ حيث تتجول مجموعات من الأشخاص بشكل غريب ضمن بيئة صاخبة وغير مريحة، حاملين أكواماً من بطاقات العمل في أيديهم. وتتذكر قائلة: “قلت لنفسي: ’يا إلهي، هذه كارثة’، حتى تتمكن من تكوين شبكة علاقات في هذه البيئة، يجب عليك اقتحام دائرة من الأشخاص جسدياً!”.

تتابع كاتز الآن إدارة أسيمبل نيتورك للعام الثاني، وقد شهدت خدمتها تنامياً في الاهتمام؛ حيث تفكر في مضاعفة مدى توافرها (تتولى شخصياً إدارة كل جلسة). وتعزو سولومون الفضل إلى الروابط التي كوّنتها هناك في تغيير نظرتها إلى إمكاناتها كمالكة لخدمة صغيرة.

ولكن ليس من الضروري أن يدفع الشخص مقابل محاولته إعادة إحياء صدفة التواصل في أحد المؤتمرات؛ حيث تحاول جريتشن ماكولوتش، عالمة اللسانيات الشهيرة، إعادة خلق تلك العفوية من خلال ما تسميه: استراحة القهوة الافتراضية #virtualcoffeebreak.

وتقول ماكولوتش إنها رأت أشخاصاً يحاولون طرقاً مختلفة لمحاكاة المحادثة بجانب مبرِّد المياه، بما في ذلك استضافة جلسات موازية على ديسكورد أو استخدام الوسوم على تويتر لإعلام الناس بأنهم متفرغون للدردشة. لكنها كانت قلقة من أن هذه الأساليب قد تجذب المتصيدين أو الأشخاص الذين لا يهتمون بالضرورة بالحديث عن الأشياء التي تريد مناقشتها. لذا قامت بإعداد استمارة جوجل تحتوي على بعض الأسئلة الأساسية من قبيل: ما الذي تريد التحدث عنه؟ ما المنطقة الزمنية التي تعيش فيها؟ وبناءً على الردود، قامت بتحديد أوقات للدردشة مع الأشخاص بشكل فردي أو في مجموعات.

ويكمن السبب جزئياً وراء قيامها بكل هذا العمل والتحضير المسبق في منع الدردشة المملّة. حيث تقول: “أعرف كيف تسير المحادثات هذه الأيام، لا أريد التحدث عن الطقس والوباء”.

لقد أتاحت استمارة جوجل لماكولوتش وضع جدول أعمال يستبعد الأحاديث التافهة. كما أنها أعطتها بعض الشعور بالسيطرة على الوقت المتاح لها للتحدث واختيار الأشخاص الذين ستتحدث إليهم. ربما تؤدي هذه الهيكلية إلى تدمير عفوية المحادثة العشوائية بين الغرباء، لكن ماكولوتش تعتبرها حماية مهمة ضد المضايقات على الإنترنت. وتقول: “أنت لا تدعو أي شخص غريب إلى منزلك، وهناك بعض القيود على السلوك العام”.

تشير تانين من جامعة جورج تاون إلى أن التكنولوجيا لا تستطيع تحقيق الاستنساخ الكامل لحرية المحادثات بجانب مبرِّدات المياه؛ حيث إنه من الصعب تحليل لغة الجسد وفهمها في محادثات الفيديو، وقد يجد المتحدثون الأجانب باللغة الإنجليزية أو أولئك الذين يعانون من إعاقات معرفية صعوبةً أكبر في فهم السخرية أو النكات ضمن بيئة افتراضية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يسبب زوم الإرهاق، لذا فإن مطالبة شخص بالتسكع على زوم بعد العمل قد يمثل عبئاً ثقيلاً.

لكن تانين تشير إلى أن هذه التفاعلات غير الرسمية هي طريقة إنسانية للغاية للتواصل بين الناس، بغض النظر عما إذا كانت تحدث عبر الإنترنت أو في العالم الحقيقي. وتختم بالقول: “إن هذا الشعور الإيجابي بالتحدث والتواصل مع شخص ما قد يستمر لبعض الوقت”.