Article image
أداءٌ متكرر؟ أدلى كل من شيريل ساندبرج من فيسبوك وجاك دورسي من تويتر بشهادتهما أمام الكونجرس في عام 2018.
مصدر الصورة: صور جيتي



إذا كان السياسيون الأميركيون يهتمون حقاً بالضرر الذي يمكن أن تسببه المنصات على الإنترنت، فينبغي عليهم دراسة نظريات المؤامرة التي تحدث عليها.

2020-07-29 18:40:40

29 يوليو 2020

أعلنت تويتر مؤخراً أنها ستتخذ إجراءات ضد الحسابات التي تنشر معلومات ذات صلة بنظرية المؤامرة المعروفة باسم كيو-أنون (QAnon)، التي ينقاد أتباعها وراء “بقايا المنشورات” التي تركتها شخصية غامضة تُعرف باسم كيو (Q) على هيئة رسائل مشفرة حول إدارة ترامب، منشورة على لوحات الرسائل على الإنترنت التي تبقى هوية أصحابها مجهولة. وفي ردٍّ على انتشار المعلومات المزيفة والمضايقات، سيتم حظر أكثر من 7,000 حساب بشكل دائم، بينما ستزيل الشركة حسابات أخرى من صفحات البحث والتوجهات السائدة على منصتها.

تعتبر خطوة تويتر ذات أهمية كبيرة، ليس بسبب اتساع نطاقها فحسب، ولكن أيضاً لأن العديد من هذه الحسابات يديرها أشخاص يعيشون في الولايات المتحدة. وفي السنوات القليلة الماضية، شهدنا منصات التكنولوجيا تبادر طوعاً إلى اتخاذ إجراءات ضد “السلوك المنسّق المزيف” الذي تقوده جهات أجنبية. وقد صاغ الوسط الصناعي هذا المصطلح الفني الذي يعترض عليه الباحثون من أمثالي. ومن الصعوبة بمكان تحليل تطور الجهود الرامية إلى تعليق وإزالة الحسابات المرتبطة بحملات التضليل؛ لأن هذه الشركات لم تبدأ إلا مؤخراً في تقديم تقارير شفافة حول الموضوع. وفي حين تنشر تويتر أرشيفاً كاملاً لمجموعات الحسابات التي تزيلها، فإن فيسبوك تنشر مدونات حول عمليات الإزالة دون توفير وصول كبير إلى البيانات لتدقيقها. بيد أن كلاً من فيسبوك ويوتيوب قد أزالت حسابات أميركية بداعي نشرها لخطاب الكراهية؛ حيث أزالت فيسبوك مؤخراً شبكة قديمة من الحسابات المزيفة المرتبطة بـ روجر ستون (Roger Stone) ومجموعة الكراهية الأميركية براود بويز (Proud Boys). وفي أواخر يونيو، حظرت يوتيوب العديد من قدامى صانعي المحتوى الأميركيين بداعي نشرهم لخطاب الكراهية.

تعتبر إزالة الأفراد المشهورين -وليس فقط المؤثرين الأجانب- خطوة مهمة في المعركة ضد تزييف الحقائق؛ وذلك لاعتماد المؤثرين على اسمهم كعلامة تجارية. ومن دون الوصول إلى أسمائهم ككلمة مفتاحية، فإنهم يواجهون صعوبة في إعادة تأسيس قاعدتهم الجماهيرية على منصات أخرى. وهذا هو بالضبط السببَ الكامن وراء فعالية إزالتهم عن المنصات ونجاعتها في منع التضليل والمضايقة.

وعلى الرغم من أن إزالة شبكات كبرى من الحسابات تحمل تأثيراً مختلفاً، ولكنه لا يقل أهمية عن إزالة حسابات الأفراد المؤثرين؛ حيث إن إحداث التغييرات في النظام البيئي للمعلومات يُضعف من قوة تضخيم هذه المجموعات. وتعتبر إزالة المجموعة المترابطة من حسابات كيو-أنون قبل الانتخابات أمراً بارزاً؛ نظراً لكونها تمثل عقدة مهمة في الائتلاف الجديد المنضوي تحت شعار “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” أو ماجا (MAGA). إذ إنه من دون هذه الشبكة من الناشرين الفائقين على تويتر، ستزداد صعوبة تنسيق التلاعب بمحركات البحث وخوارزميات تحديد التوجهات السائدة.

ولكن حتى إذا نجحت هذه الإجراءات في الحدّ من انتشار نظريات المؤامرة، فإنها تكشف عن المشاكل المزدوجة التي تواجه منصات الإنترنت؛ حيث أن بعض أنواع الخطاب تؤذي المجتمع، ويمكن لتصميم أنظمة وسائل التواصل الاجتماعي أن يضاعف هذا الأذى. 

احتكارات التعبير

تأتي جميع هذه التدخلات في الوقت الذي طُلب فيه من أمازون وآبل وجوجل وفيسبوك الإدلاء بشهاداتها أمام اللجنة الفرعية القضائية التابعة لمجلس النواب والمختصة بمكافحة الاحتكار. تشكل جلسة الاستماع -التي تم تأخيرها حتى يوم 29 يوليو– جزءاً من سلسلة جلسات تهدف إلى استكشاف “منصات الإنترنت وقوة السوق”، التي ستطلب شهادة كل من جيف بيزوس من أمازون وتيم كوك من آبل وسوندار بيشاي من جوجل ومارك زوكربيرج من فيسبوك.

كما سعى الجمهوريون إلى دعوة آخرين، بمن فيهم الرئيس التنفيذي لشركة تويتر جاك دورسي، بالإضافة إلى شخص من خارج هذه المنصات وهو جون ماتزي، مؤسس تطبيق بارلر (Parler) اليميني. لقد بنى بارلر علامته التجارية بالاستناد إلى الادّعاءات القائلة بأن تويتر تمارس الرقابة على المحافظين، كما بذل مؤخراً جهوداً حثيثة لتوظيف سياسيين جمهوريين. وفي يوليو، كان ماتزي ضيفاً ضمن برنامج بث صوتي يستضيف بشكل روتيني محتوى قومياً أبيض وكارهاً للنساء، وقامت يوتيوب بحظره في 2018 بسبب خطاب الكراهية. وخلال المقابلة، عبَّر ماتزي عن فخره بأنه يوفر منصة لمَن تمت إزالتهم من منصات أخرى مثل لورا لومير وميلو يانوبولوس وجاكوب فول. وقد أُتيح لهذه الشخصيات عبر بارلر تقديم محتواهم، إلى جانب مساهمات من شخصيات جمهورية من أمثال ران بول وتيد كروز ومات جيتز وغيرهم

توفر التطبيقات المغمورة بنيةً تحتيةً بديلةً للمجتمعات التي تتداول خطاب الكراهية.

لقد أجريتُ أنا وزملائي بحثاً حول تطوير تطبيق آخر، اسمه جاب (Gab)، الذي اكتسب شعبية محدودة من خلال الترويج لنفسه باعتباره ملاذاً آمناً لـ “حرية التعبير” في أعقاب أعمال العنف التي مارسها المدَّعين بتفوق العرق الأبيض في تشارلوتسفيل بولاية فيرجينيا. وقد كشف هذا البحث النقابَ عن القيود الخطيرة للتطبيقات المغمورة، التي توفر البنية التحتية البديلة للمجتمعات التي تتداول خطاب الكراهية.

 

أصبح تطبيق جاب مرادفاً للمدّعين بتفوق العرق الأبيض الذين يستخدمون المنصة لتنظيم أحداث عنيفة. ويستخدم بارلر أسلوباً مشابهاً -من عدة نواحٍ- من خلال الترويج لنفسه باعتباره تقنية انعتاق وتحرر تثمِّن التعديل الدستوري الأول فوق أي شيء آخر. تركب هذه الحملة التسويقية موجة الاهتمام بالأزمة المستمرة التي تواجهها شركات التكنولوجيا في نضالها من أجل مراقبة خطاب الكراهية والتضليل والمضايقة. ولكن ما غاية هذه المنصات البديلة من أن تصبح مساحة آمنة لمثل هؤلاء المؤثرين الحاقدين؟ يستغل بارلر اللحظة الحالية لتجنيد عملاء جدد، بشكل أساسي من خلال توفير نفس الخدمة القديمة بطريقة تتعمد تضمين القابلية للتلاعب.

إذا قامت جلسات الاستماع في الكونجرس بتقصّي نظريات المؤامرة وخطاب الكراهية، فستمثل هذه الخطوة مؤشراً مهماً؛ لا سيما وأن تزييف المعلومات الطبية والتضليل السياسي قد أصبحا مرتبطين ومتداخلين بطرق جديدة وخطيرة، في الوقت عينه الذي تزايد فيه اعتماد أولئك الذين يعيشون في حجر صحي مخفف على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من أي وقت مضى. وناهيك عن خطاب الكراهية، تتفشى حملات الاحتيال والخداع والمعلومات الصحية المزيفة بمعدلات مقلقة عبر النظام البيئي لوسائل الإعلام.

سباقٌ نحو القاع

تمتلك المنصات الكثير من القوة للهيمنة على الرأي العام والتأثير على السلوك، وهذا يؤثر بشكل مباشر في قدرتنا على الانخراط في تداول النقاش وعلى معرفة المعلومات الحقيقية. 

ربما لم تعد تويتر تمثل “جناح حرية التعبير لحزب حرية التعبير“، لكن يبدو أن المنصات البديلة لا تقدم إلا سباقاً نحو القاع، خاصة إذا رفضت الاعتراف بأن إيديولوجية حرية التعبير باعتبارها سلعة خالصة هو ما أوصلنا إلى هذا الوضع الرهيب في المقام الأول.

تسعى إجراءات تويتر ضد حسابات كيو-أنون إلى تصحيح هذا الخلل. ولكن في الوقت الحالي، فإن تصميم نظامنا البيئي لوسائل الإعلام قد منح تفضيلاً لناشري المعلومات المزيفة وأولئك الذين يضخمونها.

وفي السياسة، يعتبر هذا التصميم معادياً للديمقراطية. وعند نشر معلومات طبية خاطئة، فإنه تصميم خطير على حياة الناس. إذا اختار الكونجرس البحثَ في الأماكن الصحيحة، فقد يكتشف التكلفة الحقيقية لوسائل التواصل الاجتماعي وحقيقة أننا لا نستطيع بناء ديمقراطية سليمة فوق نظام اتصال عليل.