Article image
مصدر الصورة: بامبي كورو عبر أنسبلاش



قد تدفع القيودُ الجديدة بالمهاجرين إلى البحث عن وجهة أخرى. وقد يجد الكثير منهم أن أميركا لم تعد الخيارَ الأفضل.

2020-07-16 15:27:26

16 يوليو 2020

ملاحظة المحرر في 14 يوليو، 2020، قالت إدارة ترامب إنها ستتراجع عن قاعدة كانت قد فرضتها عن طريق إدارة الهجرة والجمارك، التي تقول بأنه يجب على الطلاب الأجانب مغادرة الولايات المتحدة إذا كانوا يحضرون جميع دروسهم عبر الإنترنت.

على مدى عقود كاملة، كان صنّاع السياسة الأميركيون يراهنون على استعداد أفضل وألمع العقول لتحمّل عملية هجرة يعتورها القصور من أجل محاولة الاستفادة من الفرص التي تقدمها البلاد لهم. وعلى مدى عقود كاملة، كان هذا الرِّهان في محله. فقد تواصل توافد الموهوبين المولودين خارج حدود الولايات المتحدة إلى الجامعات والشركات الأميركية، في محاولة لممارسة أسلوب الحياة الأميركي، والبقاء على أراضيها بصورة دائمة إذا أمكن ذلك.

والآن، يبدو أن إدارة ترامب تريد اختبار هذا الرهان إلى أقصى حد؛ فقد وضعت العديد من القيود الجديدة على هجرة أصحاب الكفاءات في أعقاب تفشي كوفيد-19، مفترضةً أن الولايات المتحدة ستحافظ دائماً على جاذبيتها الفريدة للمواهب الأجنبية، على الأقل بما يكفي لتلبية حاجات البلاد من العمالة عالية المهارة. غير أن موازين هذا الرهان بدأت تتغير.

وفي أحدث إجراء ضمن هذا التوجه، قامت إدارة الهجرة والجمارك في الولايات المتحدة (التي تسمى اختصاراً: آيس ICE) مؤخراً بفرض قاعدة جديدة على الطلاب الأجانب، تلزمهم بمغادرة البلاد إذا كانت جامعاتهم ستقدم جميع دروسها على الإنترنت في الفصل المقبل. يُعتبر إعلان آيس بمثابة جزء من توجه بدأ قبل تفشي الوباء، ولكنه تسارع بشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية. وقد أصبح مجيءُ المهاجرين إلى الولايات المتحدة عملية أكثر بطئاً وتكلفة، وذات نتائج أقل ضماناً؛ وذلك بسبب ما فرضته السلطات الفدرالية من قواعد وأوامر تنفيذية وتوجيهات إدارية جديدة.

وقد شهدت الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات التكنولوجية الأميركية هذه التطورات في حالة من الصدمة وعدم التصديق. وقد بيَّنت الأبحاث أن المهاجرين يحملون أهمية كبيرة بالنسبة للعلم والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، ومن حيث مساهمتهم في دفع عجلة الابتكارات التكنولوجية، وخلق فرص العمل، وتدعيم النمو الذي يفيد المواطنين وغير المواطنين على حد سواء في الولايات المتحدة. ولهذا السبب، أعرب العديد من قادة قطاع التكنولوجيا والأعمال عن استيائهم الشديد مؤخراً عندما قام البيت الأبيض بتعليق منح مجموعة رئيسية من تأشيرات القدوم للعاملين من ذوي المهارات العالية. عبَّر الكثيرون منهم عن اعتراضهم على هذه الإجراءات بشكل علني، مثل مؤسس سبيس إكس وتسلا إيلون ماسك، ورائدي الذكاء الاصطناعي آندرو أنج ويان ليكون، والرئيس التنفيذي لجوجل سوندار بيتشاي، وهم جميعاً من المهاجرين الذي أتوا في البداية إلى الولايات المتحدة بتأشيرات دخول مؤقتة.

حتى الرئيس ترامب نفسه، الذي يزعم –خلافاً لما تشير إليه الأدلة– أن برامج الهجرة الحالية تؤدي إلى خسارة العاملين المولودين في أميركا لفرص العمل، كما يعترف أيضاً بأن المهاجرين يحملون أهمية بالغة للعلم والتكنولوجيا في الولايات المتحدة. وعلى الأقل، يدرك بعضُ صنّاع السياسة الأميركيون أنه لا توجد بدائل سريعة لنظام الهجرة الأميركي الحالي. يُعد بناء القوى العاملة المحلية الماهرة أمراً بالغ الأهمية، ولكنه لن يؤمن حاجة الولايات المتحدة من الكفاءات على المدى القصير والمتوسط في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي. كما أن تطبيق أي نوع من الإصلاحات الجذرية على نظام الهجرة أمرٌ أشبه بحلم مستحيل التحقيق حالياً. وإذا انهارت قوانين ومؤسسات الهجرة الأميركية الحالية، سواء عن سابق تصميم أو بسبب الإهمال أو بسبب الجمود السياسي، فليس هناك -ببساطة- أي بديل احتياطي جيد.

وفي هذه الأثناء، فقدت الولايات المتحدة جاذبيتها السابقة التي لا تُقاوَم بالنسبة للكثير من الطلاب والعاملين، واندلعت منافسة شرسة بين العديد من البلدان الأخرى لجذبهم. وعلى الرغم من أن الشركات والجامعات الأميركية الرائدة لا تُضاهَى بسهولة، فإن كندا والصين والمملكة المتحدة وأستراليا وغيرها تتباهى الآن بازدهار جديد للمراكز التكنولوجية والمعاهد البحثية، إضافية إلى سياسات حكومية جريئة لدعم البحث والتطوير. وبالنسبة لمن يريدون العمل على أحدث التطورات في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والتكنولوجيا الحيوية، فإن الولايات المتحدة لم تعد الخيار الوحيد.

أيضاً، بدأت الدول المنافسة اقتصادياً للولايات المتحدة بالعمل على تحديث أنظمة الهجرة لديها. وكما يقول أحد كبار مستثمري رؤوس الأموال الصينيين في مقابلة حديثة مع ساوث تشاينا مورنينج بوست، فإن هذه الدول تدرك أن “الولايات المتحدة تُعرض عن قبول هذه الكفاءات، ولهذا فإنه الوقت المناسب لنا حتى نسارع لاحتوائها”. وعلى سبيل المثال، فإن نظام الدخول السريع في كندا يمكن أن يؤمن الإقامة الدائمة للعاملين من ذوي المهارات العالية خلال فترة ستة إلى تسعة أشهر. ووجود عرض عمل يمكن أن يدعم هذه العملية، ولكنه ليس شرطاً مطلوباً بالضرورة. خلال الفترة من العام 2017 وحتى العام 2019، ازداد عدد المقيمين في الولايات المتحدة ممن حاولوا الحصول على “دعوات للتقديم” للإقامة الدائمة في كندا وحصلوا عليها عن طريق نظام الدخول السريع إلى الضعف تقريباً، وكان معظمهم من غير المواطنين الذين يعيشون في الولايات المتحدة في إطار إقامات دائمة (بطاقة خضراء) أو تأشيرات دخول مؤقتة. ومنذ فترة وجيزة، أصدر البرنامج الآلاف من الدعوات الجديدة.

ليست كندا الدولة الوحيدة في مجال المنافسة على اجتذاب قوى عاملة عالمية في المجالات التكنولوجية؛ فقد أطلقت أستراليا مؤخراً برنامج الكفاءات العالمي الذي يسعى إلى توظيف أصحاب الكفاءات في مجالات ستيم (أي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات) من أنحاء العالم بصورة نشطة. كما أن المملكة المتحدة تقدم تأشيرات دخول سريعة للعلماء، وتخطط قريباً لإعادة هيكلة شاملة لنظام الهجرة فيها من أجل تسهيل قدوم العاملين من ذوي المهارات. أيضاً، أطلقت فرنسا تأشيرة الدخول الفرنسية التكنولوجية، وهي فيزا غير محددة الفترة وقابلة للتجديد مخصصة للعاملين ورواد الأعمال في مجال التكنولوجيا. وفي تناقض صارخ مع الوضع في الولايات المتحدة، فإن كوفيد-19 لم يدفع بهذه البلدان إلى التراجع عن إجراءاتها، بل حافظت على التزامها باجتذاب المهاجرين المهرة، وتستعد لاستقبال أصحاب الكفاءات مع تراخي القيود على السفر.

ما زال من المبكر الجزم بمدى تأثير هذه المبادرات على الأفضلية التاريخية للولايات المتحدة في حقول التكنولوجيا وغيرها. تُعتبر بعض البلدان أكثر استعداداً من غيرها لاجتذاب الكفاءات، كما أن بعض الإصلاحات أدت إلى نتائج مبكرة غير موثوقة تماماً. غير أن الاحتكار الأميركي التاريخي شبه الكامل لسوق العمالة العالمي بدأ يتلاشى، وأصبحت الأمور على المحك أكثر من ذي قبل. وعلى ما يبدو، فإن رهان الولايات المتحدة على نظام الهجرة المتداعي لديها بدأ ينحو نحو الأسوأ.


شارك