Article image
مصدر الصورة: جيالون دينج



يشعر الأويجور المقيمون في البلدان الأخرى بالعجز والخوف، لكن يبدو أن الخدمات الصحية عن بعد ووسائل التواصل الاجتماعي تساعدهم في محنتهم.

2021-08-12 03:37:44

11 أغسطس 2021

عاش مصطفى أكسو تجربة سيئة مع المعالجين النفسيين. أثناء نشأته في الصين، تعرض للتنمر من قبل زملائه الصينيين الهان لكونه من الأويجور؛ ما جعله دائم القلق والتوتر، ويعاني من ألم شبه مستمر في معدته لدرجة أنه كان يتقيأ أحياناً. أحاله أحد المعلمين المهتمين به إلى الاستشارة، لكن أكسو لم يكن مقتنعاً بأن ذلك قد يساعده. يقول أكسو: “كنت على الدوام في انتظار فرصة للخروج والعيش في مكان أشعر فيه بالراحة”.

في عام 2017، عندما بدأت الأخبار تتوارد عن حملة حكومية صينية تستهدف الأويجور وغيرهم من الأقليات العرقية، كان أكسو طالب دراسات عليا في قسم دراسات آسيا الوسطى بجامعة إنديانا بلومنجتون. في مقاطعة شينجيانغ شمال غرب الصين، حيث يعيش معظم الأويجور، كان الناس يختفون. استهدفت الشرطة الأويجور بقائمة دائمة التوسع من المخالفات: إطلاق اللحية، وإقامة حفل زفاف، والاتصال بأشخاص في الخارج بما في ذلك أفراد أسرهم.

وكل شهر كانت الأخبار تزداد سوءاً. أجبر الحزب الشيوعي مئات الآلاف من الأويجور على الإقامة في مرافق احتجاز مترامية الأطراف، أطلق عليها اسم “مراكز التدريب المهني”، وكانت أقرب شبهاً بمعسكرات الاعتقال منها إلى مراكز تدريب. في الداخل، تعرض الأويجور لكل أنواع التعذيب وسوء المعاملة. وسرعان ما تجاوز عدد الأشخاص المحتجزين المليون.

في هذه المرحلة، عاش أكسو -وهو في أوائل الثلاثينيات من عمره- في الخارج لسنوات -في إسطنبول ودبي ثم الولايات المتحدة- لكنه حافظ دوماً على اتصال وثيق بالعائلة في الوطن. كانت مدة أقصر مكالماته الهاتفية مع عائلته لا تقل عن 20 دقيقة، أما المكالمات الطويلة فقد استغرقت ساعات. الآن، انقطع أكسو تماماً عن التواصل مع والديه وأقاربه شأنه شأن معظم الأويجور الذين يعيشون بعيدًا عن شينجيانغ. أصابه ذلك بالاكتئاب، ثم تطورت حاله لتتحول إلى أرق، مفكراً طوال الليل حول سلامة عائلته ومتسائلاً ما إذا كانت بخير. خلال عام 2018، علم أكسو أن شقيقه الأكبر وعمه واثنين من أبناء عمومته قد ماتوا جميعاً في شينجيانغ، ما أدى إلى تفاقم قلقه وتوتره.

في نهاية المطاف، طلب أكسو المساعدة من معالج نفسي محلي. لكن الاجتماع الأول كان فظيعاً؛ فالمعالج لم يسمع من قبل عن “الأويجور” أو “شينجيانغ”، مثله مثل الكثير من الأميركيين. لذا أمضى أكسو معظم الجلسة وهو يشرح بالتفصيل ما كان يجري في الصين، بدلاً من تناول كيفية تأثير ذلك عليه. ثم تحسَّن قليلاً في زياراته الثانية والثالثة والرابعة. قال أكسو: “بدلاً من أن يستمع إلي بشيء من التعاطف، انتهى بي الأمر بالحديث عن الأويجور وتوضيح هويتهم، لقد كان ذلك مرهقاً للغاية”.

جرب أكسو معالجاً آخر، ورغم أنه كان أفضل، لكنه شعر بأنه شبه ميت من خلال الاضطرار إلى شرح ثقافته والوضع في شينجيانغ بهذا العمق. وفي النهاية، أصابه الإحباط وتوقف عن متابعة العلاج. في عام 2019، انتقل إلى واشنطن العاصمة، على أمل بداية جديدة. لكن بالطبع، عاودته ليالي الأرق.

تعد تجارب أكسو نموذجية لما يجري مع الأويجور في الشتات، سواء أولئك الذين غادروا الصين منذ فترة طويلة أو الذين فروا مؤخراً ليبدؤوا حياة جديدة بعيداً عن الاضطهاد. أدت المراقبة من بعيد لاختفاء الأحباء ومحو أسلوب حياة بأكمله إلى تشكل حالة من الصدمة أفضت إلى أزمة صحة عقلية “شديدة الوضوح” وفق تعبير قادة الأويجور في الشتات. ومع ذلك، فإن الكثيرين يمتنعون عن طلب المساعدة، أو حتى الاعتراف بالألم العاطفي الذي عانوا منه خلال السنوات الماضية؛ ما أدى إلى ضعف تقدير حجم هذه المعاناة وعدم تلبية حاجة مجتمعهم للتعامل معها. لكن في الآونة الأخيرة، تحاول مجموعة صغيرة من الأويجور الجريئين تغيير هذا الواقع؛ حيث يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لإطلاق نقاشات حول الحزن والصحة العقلية، ويستخدمون الرعاية الصحية عن بعد لربط الناس في جميع أنحاء البلاد مع المعالجين النفسيين المتطوعين.

لا يزال البرنامج المسمى “مبادرة عافية الأويجور” في بداياته. وحتى الآن، نجح في ربط بضع عشرات من الأويجور فقط بأخصائيي الصحة العقلية. ومع ازدياد الأخبار الواردة من شينجيانغ سوءاً، يأمل مطلقو البرنامج أن يساعد في تعزيز صمود الأويجور في الشتات، وتوفير شريان حياة لمجتمع يعيش في أصعب محنة.

الأويجور 101

طالت انتهاكات الحقوق في شينجيانغ كل جانب من جوانب حياة الأويجور؛ فقد تعرضت آلاف المساجد للتدمير، وحُظرت لغة الأويجور في المدارس، وتم الضغط على عدة آلاف للعمل قسراً. ولعل المعسكرات تمثل أكبر سجن جماعي لمجموعة عرقية منذ الهولوكوست. وقد وصفت حكومات الولايات المتحدة وكندا وهولندا والمملكة المتحدة مؤخراً تصرفات الصين رسمياً بأنها “إبادة جماعية”.

بالنسبة إلى الأويجور في الشتات -الذين يتركزون في الولايات المتحدة في العاصمة وشمال فيرجينيا- كانت السنوات القليلة الماضية مؤلمة للغاية. لكل فرد تقريباً عائلة أو أصدقاء مقربين تم إرسالهم إلى المعسكرات، وإذا فكروا في العودة إلى الصين، فمن المؤكد أنهم سيتعرضون للأسر هم أيضاً.

تقول روشان عباس، مديرة مجموعة الدعم “حملة من أجل الأويجور” التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، إنه في البداية لم تلق التداعيات النفسية لأزمة شينجيانغ الاهتمام الكافي بين المغتربين؛ ويعود ذلك لسبب رئيسي، هو أن الكثيرين منهم شعروا أنهم ليسوا في خطر وأنه لا يحق لهم التفكير في كيفية تأثير الأزمة عليهم. علاوة على ذلك، لا تركز ثقافة الأويجور على الصحة العقلية، كما تقول عباس، ويمكن للحديث عنها أن يحمل وصمة اجتماعية كبيرة.

العذاب الذي يتعرض له شعب الأويجور

مصدر الصورة: أسوشييتد برس/ جاكلين مارتن

بالرغم من ذلك، كان الألم والصمت المطبق فوقه واضحاً في المجتمع. تقول عباس: “أسمع الكثير من الناس يقولون ’أوه، كنا نعيش حياة طبيعية’، لكن الآن، عندما يقومون بأي شيء، حتى لو ضحكوا أو استمتعوا بنوع من المرح، فإنهم يشعرون بالذنب”.

بين عام 2019 وأوائل عام 2020، أجرى ميمت أمين، الباحث الطبي الأويجوري الأميركي في نيويورك، مسحاً غير علمي لـ 1,100 مغترب من الأويجور. ووجد أن مشاعر اليأس والغضب والاكتئاب كانت منتشرة في صفوفهم؛ حيث قال ما يقرب من واحد من كل أربعة مشاركين إنه قد راودتهم أفكار انتحارية بشكل متكرر، وهو ما يقرب من خمسة أضعاف المتوسط لدى البالغين في الولايات المتحدة. يقول أمين إن هذا التقدير كان على الأرجح أقل من العدد الفعلي. تواظب سلطات الحزب الشيوعي على مضايقة الأويجور المقيمين خارج الصين، وتحذرهم على وسائل التواصل الاجتماعي من التحدث علانية، وتطالبهم بتقديم معلومات شخصية عن أنفسهم أو الآخرين في الشتات، وتهددهم بالانتقام من الأصدقاء والعائلة في شينجيانغ إذا لم يمتثلوا لهذه الطلبات؛ ما يدفع الكثيرين للتردد في مشاركة المعلومات، حتى مع إغفال هوياتهم.

من الواضح أن أزمة تمخضت عن أخرى. وأقر قادة الأويجور المنتسبين إلى مجموعات دعم ومناصرة متنوعة بأنهم يواجهون حالة طوارئ تتعلق بالصحة العقلية؛ لذا فقد عقدوا العزم على القيام بشيء ما حيال ذلك.

في مايو 2020، قام ممثلو ثلاث منظمات أويجورية بارزة في الولايات المتحدة -مشروع حقوق الإنسان الأويجور، وجمعية الأويجور الأميركية، وحملة من أجل الأويجور التي تديرها عباس، بالإضافة إلى منظمة محفز السلام الدولية الدينية غير الربحية- بتنظيم أولى الجلسات التدريبية عبر الإنترنت والتي تسمى “الأويجور 101” للمعالجين النفسيين. قاموا بتدريب المعالجين على تاريخ الأويجور وثقافتهم عبر جلسات فيديوية عبر الإنترنت. لقد شرحوا بالتفصيل الانتهاكات الحقوقية المستمرة في شينجيانغ وقدموا شهادات وثيقة عن حزنهم والصعوبات التي يواجهونها.

ثم انتقل عملهم للتعامل مع مجتمع الأويجور. ونظراً لخشية الكثيرين في الشتات من الوصمة الاجتماعية، فقد قدموا نظام إحالة سري. كما حاولوا تطبيع العلاج من خلال وصف معاناتهم، كما تقول عباس، التي حُكم على أختها بالسجن في شينجيانغ، انتقاماً منها على الأرجح لإطلاق حملتها. تقول عباس: “أنا محبطة ويائسة، قلقي على أختي يوقظني في منتصف الليل، والتحدث إلى شخص ما يساعدني في تخفيف بعض مشاعر القلق هذه”.

بالنسبة لأي شخص، قد يشكل العثور على المعالج المناسب عملية صعبة وشاقة، وتنطوي على العديد من الحواجز مثل التكلفة والموقع والتخصص والتوافر؛ ما قد يدفع البعض للتخلي عن بحثهم. يقدم المعالجون الذين يعملون مع مبادرة عافية الأويجور، وهي تعاون بين منظمات الأويجور، خدماتهم مجاناً كاسرين أول هذه الحواجز. وعمل القادة على تذليل العقبات الأخرى عبر تقديم الرعاية الصحية عن بعد.

على الرغم من أن العديد من الأويجور يعيشون في العاصمة وشمال فيرجينيا، إلا أن البعض الآخر منتشر في جميع أنحاء البلاد. وحقيقة توافر الخدمات الصحية عن بعد في أي مكان تقريباً تعني إتاحة إمكانية استفادة الأشخاص المقيمين خارج المناطق الحضرية الكبرى، حيث يسهل العثور على المعالجين المتخصصين في الصدمات والهجرة والقضايا الأخرى ذات الصلة. وبالمثل، فإن المعالجين الذين يعيشون في مناطق بها عدد قليل من الأويجور يستطيعون الآن المشاركة من خلال مبادرة العافية.

والأهم من ذلك، أن كادر المعالجين عبر الإنترنت التابع لمبادرة العافية يقلل من احتمالية أن يلتقي الشخص الذي يطلب المساعدة بمعالج لا يعرف إلا القليل عن الصين أو شينجيانغ. وقد أكد جميع المعالجين المنخرطين في المبادرة اهتمامهم بالقضية.

كان التقدم بطيئاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى خشية المجتمع من الحديث عن الصحة العقلية. على الرغم من ذلك، يقوم الطاقم بتحطيم جدران الخوف هذه وينجح في ربط الناس بالمعالجين.

ارتباطات جديدة

كانت السماء ماطرة في أحد أيام ديسمبر 2019 التي انتقل فيها أكسو للعاصمة، لكنه أحب المدينة من لحظة وصوله إليها. فقد كوَّن فيها صداقات جديدة، وحصل على وظيفة أحبها في “مشروع حقوق الأويجور”، وهي مؤسسة بحثية ومناصرة لقضية الأويجور. لقد شعر بالسعادة، حتى بعد أن قلب فيروس كورونا كل شيء رأساً على عقب. يقول أكسو: “لطالما رغبت في الانتقال إلى هنا، وفي النهاية تمكنت من تحقيق ذلك”.

لكن عبء الفظائع في شينجيانغ ظل يثقل كاهله.

في عام 2020، بدأت شرطة شينجيانغ بإرسال رسائل نصية إلى أكسو عبر تطبيقي ويتشات وواتساب. كانوا يضغطون عليه ويهددون عائلته حتى يتعاون معهم. لم يستجب أكسو لهذه الرسائل أبداً، التي تصاعد إرسالها إليه من المزيد من أرقام الهواتف برموز دول متنوعة، ليس فقط من الصين القارية ولكن أيضاً من هونج كونج وتركيا.

في سبتمبر، تلقى أكسو مكالمة من صديق قديم، زميل في المدرسة الثانوية كان يتشارك معه سريراً بطابقين لمدة أربع سنوات، والذي أصبح اليوم ضابط شرطة. كان الصديق مهذباً على الهاتف، استذكر معه الذكريات القديمة وشكر أكسو على مساعداته العديدة له في الماضي. لكن كان من الواضح أن الغرض من المكالمة لم يكن ودياً؛ إذ يقول أكسو: “لقد أراد مني أن أقدم له معلومات”.

كان أكسو يكافح حتى يتمكن من استيعاب ما يحدث، كان يعاني كما كان وضعه سابقاً. فعلى الرغم من أن العاصمة شكلت تغييراً إيجابياً في حياته، إلا أنه لا يزال متألماً على عائلته ويشعر بالعذاب لوفاة أخيه. كانت المكالمة الهاتفية بمنزلة القشة التي قصمت ظهر البعير. يقول أكسو: “شعرت بأنني تعرضت للخيانة، وبكيت بعدها. قلت لنفسي: ’كيف يمكن أن يحدث هذا لي، كيف يمكن لشخص أن يقوم بأمر كهذا؟’”.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، فقد وعيه. استيقظ في صباح اليوم التالي مستلقياً على الأرض على صوت طرقات زميله على الباب. لقد فوت أكسو اجتماع عمل وكان زملاؤه قلقين بشأنه. لمس أكسو عودة التوتر والقلق إليه بصورة قوية. وكذلك عاودته ليالي الأرق الطويلة. بعد بضعة أيام، فقد وعيه مرة أخرى. “ثم، ذات يوم، راودتني تلك الفكرة الغبية عن الانتحار”، كما يقول.

“لقد أثارت الفكرة هلعي، قلت لنفسي: ’ يا إلهي! لماذا خطرت لي هذه الفكرة؟’”.

أسرّ بخواطره إلى زميله، الذي أخبر مديرتهم لويزا جريف. قامت جريف، مديرة مشروع حقوق الأويجور، بدعوة أكسو إلى مطعم شعبي للأويجور في حي كليفلاند بارك بالمنطقة. وأثناء تناول وجبة المعكرونة الحارة، هدأت من مخاوفه واقترحت عليه طلب المشورة.

بالطبع، كان أكسو قد مر بهذه التجربة من قبل. تردد في تجربة العلاج النفسي مرة أخرى، لكنه أقنع نفسه بالمحاولة مرة أخرى. عرّفته جريف على تشارلز بيتس، عالم النفس في شمال فيرجينيا الذي تطوع في مبادرة عافية الأويجور.

هذه المرة ، كان الاجتماع الأول رائعاً. كان بيتس على دراية بما كان يحدث في شينجيانغ، ولأنه لاجئ سابق من ليبيريا، كان ضليعاً في مجال الصدمة وتجربة الهجرة. بدأ أكسو في مناقشة إستراتيجيات “التغلب على الصدمات وتقليلها” مرتين في الشهر عبر جوجل ميت. لقد أثار اهتمام بيتس دهشته، ويقول: “إنه يدون الملاحظات، ولا ينسى أبداً ما تحدثنا عنه في المرة السابقة، وما هو هدفنا في الجلسة التالية. أعتقد أنه أدى واجبه على أكمل وجه بالاطلاع على معاناة الأويجور”.

الثقة بالعلاج النفسي

منذ عقود، يُعامل الأويجور في شينجيانغ بصفتهم مواطنين من الدرجة الثانية، ولكن نظراً لأن الأزمة الحالية جديدة نسبياً، فلا توجد دراسات رسمية توضح الشكل الفريد لهذا النوع من الصدمات لدى المغتربين. ووفقاً لكاثي مالكيودي، عالمة نفس وخبيرة صدمات وطنية مرتبطة بمبادرة عافية الأويجور، قد تمثل المقارنات التاريخية وسيلة لفهم ما يعانيه الناس.

استناداً إلى أمثلة الأميركيين الأصليين في الولايات المتحدة واليهود أثناء الهولوكوست، تقترح مالكيودي استخدام مصطلحات “الصدمة الثانوية” و”الصدمة والحزن بين الأجيال” كنقطة بداية. لكل شخص ردة فعل مختلفة حيال الأزمة بالطبع، ولكن كمجتمع من المحتمل أن يتشارك الأويجور مشاعر متأصلة من الصدمة والألم الناتجة عن الاضطهاد التاريخي والمساعي المستمرة لشطب ثقافتهم. وكما تشرح مالكيودي، حتى الأشخاص الذين لم يتأثروا بشكل مباشر بالأزمة قد يعانون من صدماتها النفسية في داخلهم.

وتقول مالكيودي إنه في بعض النواحي، قد يكون العلاج بالكلام وحده غير مناسب للتعامل مع تحدي بهذا الحجم. وتضيف: “إن معظم أدبيات علم النفس والعلاج النفسي تتسم بأنها غربية التوجه بشكل كبير. لا بد من أن تكون هناك رؤية موسعة لما تعنيه العافية”. وتوضح أن الاستثمارات والمشاركة في الأنشطة الثقافية، على سبيل المثال، قد تكون ضرورية للصحة العقلية للمجتمع؛ حيث إن فعالية العلاج بالكلام تظهر عند معالجة أعراض الصدمة الحادة مثل القلق والاكتئاب السريري.

في خضم الوباء، تحول ما يقرب من ثلاثة أرباع علماء النفس في الولايات المتحدة إلى العلاج عن بعد، عادة عن طريق مؤتمرات الفيديو. هناك بعض السلبيات في هذه الطريقة. فعلى سبيل المثال، تمنع متطلبات الترخيص الحكومية الأطباء في بعض الأحيان من تقديم استشارات عابرة للولايات. كما أن جلسات العلاج عن بعد تحرم المعالجين من التقاط الإشارات غير اللفظية -مثل طريقة جلوس الشخص، والعلامات الجسدية كالنقر على القدم- التي تساعدهم على ملاحظة المشاعر التي لا يعبر عنها المريض. في المقابل، فإن العلاج عن بعد قد يكون بنفس فعالية الجلسات الشخصية، وفقاً لجمعية علم النفس الأميركية. علاوة على ذلك، فإن الراحة والأمان النسبيان اللذان يشعر بهما المريض في المنزل يمكن أن تساعدهم في خوض تجربة علاج إيجابية.

تحمل النقطة الأخيرة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بمجتمع الأويجور، كما يقول بيتس، معالج أسكو. كان الحزب الشيوعي فعالاً للغاية في إقلاق راحة الأويجور في جميع أرجاء العالم.

يقول بيتس: “في بعض الأحيان يمكنك أن تشعر أن هناك أشياء ضمنية يريدون قولها، لكن هناك الكثير من الخوف؛ الخوف من أن يطال القصاص أفراد الأسرة وحتى الخوف من أن يطالهم أنفسهم”.

يسمح العلاج عن بعد لهؤلاء بالحديث عن معاناتهم. ويقول بيتس: “يجب بناء الثقة؛ فعندما تتمكن من الوثوق بالآخر، تستطيع تحقيق الكثير من الأمور الجيدة”.

مشاركة العبء 

بعد بداية بطيئة في العام الماضي، عززت مبادرة عافية الأويجور هذا الربيع من جهودها، بما في ذلك تعيين منسق برنامج مؤخراً. ورغم أن مساعدة بضع عشرات حتى الآن كانت أقل مما كان يأمل القادة في البداية، لكنهم يقولون إنهم مجرد قطعة واحدة من الأحجية في تحول ثقافي أوسع. في العديد من البلدان في جميع أنحاء أوروبا وأستراليا، تقوم مجموعات الأويجور بتجربة مشاريع مماثلة. وقد قامت هذه المجموعات -جنبًا إلى جنب مع المجموعات الموجودة في الولايات المتحدة- بتبادل خبراتها لدعم عمل بعضها البعض. تقول جريف من مشروع حقوق الأويجور: “إنها ليست مجرد جهد ناشئ، بل هي حركة” بين صفوف الأويجور المغتربين.

ومع تطور التجربة، يقوم قادة المشروع بتحسين عملهم وكيفية إيصال رسالتهم. فمع الجماهير الأكبر سناً والجيل الأول من المهاجرين، على سبيل المثال، يبدو أن المصطلحات غير المباشرة مثل “الصمود” و”العافية”، التي تكتنف المفاهيم السلبية المسبقة حول الصحة العقلية، تلقى صدى أفضل من تلك المباشرة مثل “الاكتئاب” و”العلاج”. أما مع الأويجور الأصغر سناً، فغالباً ما يكون استخدام المصطلحات الأخيرة مفيداً.

يعقد القادة جلسات إعلامية منتظمة عبر منصات مؤتمرات الفيديو بهدف نشر أخبار نشاطهم. ينشرون على وسائل التواصل الاجتماعي ويستضيفون المحادثات على منصات مثل فيسبوك لايف والشبكة الاجتماعية الصوتية كلابهاوس. في شهر أبريل، أقاموا احتفالاً افتراضياً بثقافة الأويجور ومأكولاتهم في شهر رمضان. وفي مايو، تمت إقامة ندوة عبر الإنترنت شارك فيها أكسو واثنين من علماء النفس يعملون مع مبادرة العافية ناقشوا خلالها العبء العاطفي المرتبط بشعور الناجي بالذنب.

وقد ساعدت الطريقة الافتراضية في هذا السياق أيضاً. وفي حين أن الكثيرين من مجتمع الأويجور قد يترددون في إظهار وجوههم في منتدى عام -سواء لأسباب تتعلق بالسلامة أو لتجنب أن يصبحوا موضوع ثرثرة- فإن ميزة إخفاء الهوية التي تقدمها بعض البيئات الافتراضية تقلل من هذه المخاطر.

“عندما تتمكن من الوثوق بالآخر، تستطيع تحقيق الكثير من الأمور الجيدة”.
– تشارلز بيتس، عالم نفس يعمل مع الأويجور

هذه هي الطريقة التي قادت ديلاري -وهي امرأة في الثلاثينيات من عمرها تعيش في شمال فيرجينيا- إلى المشاركة في حوار على كلابهاوس في مارس. لقد شاهدت إعلاناً على إنستغرام -اجتماع للأويجور للحديث عن الصحة العقلية- وقالت لنفسها إنها ستشارك فيه ولكن كمستمعة فحسب.

تمثل ديلاري حالة نادرة؛ فعلى الرغم من أنها تعيش في الخارج، إلا أن اتصالها بأفراد عائلتها المباشرين في شينجيانغ لم ينقطع تماماً. وعلى حد علمها، لم يتم نقل أي فرد من أفراد الأسرة المباشرين إلى المعسكرات التي أقامتها الصين. (ديلاري هو اسم مستعار، اختارته لحماية خصوصيتها وسلامة عائلتها). لم تعد ديلاري نفسها ضحية مقارنة بما يمر به أصدقاؤها الأويجور.

لكن مع تدهور الأوضاع في شينجيانغ، عندما كان والداها يتحدثان عن الأصدقاء المقربين والعائلة الأكبر، أخبروها مراراً أنهم “في المستشفى”.

تقول ديلاري: “قلت لنفسي: ’أوه، إنهم ليسوا في المستشفى حقاً، بل هم قيد الاعتقال’”.

ثم ذات يوم، تقول ديلاري إنها أدركت فجأة أنها قد لا تتمكن من العودة إلى المنزل مرة أخرى. لقد أصبحت واعية لوجود سحابة القلق التي غمرت حياتها. وتقول: “تشعر بالإحباط طوال الوقت، حزن مطبق. حتى عندما تنظر إلى الأشياء فحسب، فجأة تفقد إشراقها وبريقها”.

انضم العشرات مثل ديلاري إلى ندوة كلابهاوس في مارس. وعلى مدار ساعتين ونصف الساعة، شاركت شخصيات بارزة في المجتمع تجاربها، التي أدركت ديلاري أنها تبدو مشابهة لتجربتها إلى حد عميق. وتقول: “عندما سمعت أنهم كانوا يحيلون الناس إلى المعالجين المتاحين، شجعني الخبر على تجربة العلاج”.

في الوقت الحاضر، تتحدث ديلاري مع معالج في فرجينيا مرة واحدة في الأسبوع عبر فيس تايم. في البداية، كانت خائفة من الإفصاح عما تشعر به بطريقة خاطئة. كانت تخشى أن تبدو وكأنها “عاطفية للغاية”. تقول: “لا ترغب في أن يراك الآخرون عندما تكون في حالة نفسية سيئة للغاية”. لكن العلاج ساعدها بالفعل؛ حيث شجعها معالجها على التوقف عن استخدام التعابير المجازية ومنحها الجرأة على التعبير عن أحاسيسها كما هي. وبناء على توصيته، بدأت في كتابة يومياتها التي تقول ديلاري إنها تساعدها في التعرف على حالاتها المزاجية وإدارتها. ورغم أنها لا تزال تشعر بالقلق قبل بداية كل جلسة، ولكن بمجرد أن تبدأ في الحديث، فإن هذا الشعور يتلاشى بسرعة. وتقول: “الآن، يبدو الأمر طبيعياً للغاية ومريحاً”.

كان ذلك مشابهاً للتجربة التي مرّ بها أكسو.

لا تزال الظروف في شينجيانغ قاتمة، ولا يزال أكسو قلقاً من أن نشاطه “يدمر” حياة عائلته. ويقول: “أشعر أحيانًا بالضياع التام، أشعر أنهم يعانون بسببي”. لكنه يقول إنه في نهاية جلسات العلاج يشعر بدفقة من الطاقة، يشعر بأنه قادر على الاستمرار ويلاحظ أنه يبتسم أكثر. لذا فهو يعتزم مواصلة العلاج.

ويقول عن المعالج: “أشعر بالدفء عندما أتحدث إليه. أشعر أن هناك ارتباطاً بيننا، وكأنني أروي قصة لشخص أعرفه”.