دفع فشل استخدام تقنية كريسبر لإنتاج أطفال في الصين العلماءَ إلى إعادة التفكير في تعديل الجينات. ولديهم الآن خطة لتطبيق العلوم المثيرة للجدل في العلاجات.

2020-09-10 13:33:18

10 سبتمبر 2020
Article image
هي جيانكوي وهو يتحدث خلال مؤتمر تعديل الجينوم البشري في هونغ كونغ في عام 2018.
مصدر الصورة: إيه بي فوتو / كين شانج

في تقرير رفيع المستوى، أدت ولادة أطفال معدّلين بتقنية كريسبر في الصين عام 2018 إلى تسريع إصداره، يقول العلماء إن الاستخدام الطبي القادم للتقنية يجب أن يقتصر على الآباء المحتملين الذين لا يمكنهم إنجاب طفل سليم بغير هذه التقنية، مثل الأزواج السود الذين يعانون من مرض فقر الدم المنجلي.

هذا التقرير -الذي يزيد عدد صفحاته عن 200 صفحة والصادر عن الأكاديميات الوطنية الأميركية والجمعية الملكية في المملكة المتحدة- يقول إن “التعديل القابل للتوريث للجينوم”، أو استخدام أدوات قوية لتعديل الحمض النووي، مثل أداة كريسبر لتعديل جينات الأجنة البشرية، ليس آمناً بما يكفي لاستخدامه في عيادات أطفال الأنابيب، لكن من المتوقع أن يصبح كذلك في المستقبل.

إذا تم استخدام التقنية مرة أخرى، فيجب أن يكون التطبيق الأولي لها هو مساعدة الأزواج الذين ليس لديهم فرصة لإنجاب طفل سليم دون استخدامها، وهي حالة نادرة ولكن يمكن للفوائد فيها أن تفوق المخاطر بشكل لا لبس فيه.

وفي مكالمة مع الصحفيين عبر منصة زوم، وصف ريتشارد بي ليفتون، الرئيس المشارك للجنة ورئيس جامعة روكفلر في مانهاتن، التقريرَ بأنه يخطط لـ “طرح مرحلي للتقنية، للتأكد من أنها آمنة”. وقال أعضاء اللجنة إن التطبيقات المستقبلية (مثل تعزيز الذكاء أو إنجاب أطفال يتمتعون بازدياد مقاومتهم للأمراض) لا تزال غير مؤكدة لدرجة يتعذر معها المحاولة.

عندما تم تطوير تقنية كريسبر لأول مرة، كان العلماء يأملون في التنظيم الذاتي لاستخدامها وتجنب الحظر القانوني، ولكن ذلك تعرض لانتكاسة في شهر نوفمبر من عام 2018 بعد أن قال العالم الصيني الذي كان غير مشهور، هي جيانكوي، إنه مضى قدماً وقام بالتعديل الجيني لجنينيْ فتاتين توأمين لجعلهما مقاومتين لفيروس نقص المناعة البشرية.

أحرج هي جيانكوي قادة العلوم، وتم شجب عمله على نطاق واسع وحُكم عليه فيما بعد بالسجن لمدة ثلاث سنوات لانتهاك الإجراءات التنظيمية الطبية. أخبر هي جيانكوي العديدَ من الأشخاص عن خططه، وقال إنه استخلص الضوء الأخضر الأخلاقي له من تقرير سابق صادر عن الأكاديميات الوطنية الأميركية. وكان ذلك التقرير الذي صدر عام 2017 قد وصف استخدام التقنية بأنه سابق لأوانه، ولكنه أقرّ بأن استخدامها مسموح به أخلاقياً.

ويقول كاي ديفيز، عالِم الوراثة بجامعة أكسفورد والرئيس المشارك للجنة الجديدة، إن كارثة الصين أدت بشكل مباشر إلى “تعجيل” المشروع الحالي. وعلى عكس التقارير السابقة، لا يتناول هذا التقرير النقاشات الأخلاقية، ولكنه يتطرق بدلاً من ذلك إلى السؤال العملي المتعلق بـ “المسار الانتقالي المسؤول”، أي الاستخدام المحتمل المناسب للتقنية في مجال الطب.

ويقول جيفري كان، مدير معهد بيرمان للأخلاقيات الحيوية بجامعة جونز هوبكنز، الذي كان عضواً في اللجنة: “يجب على الجميع الانتباه إلى الاستخدامات الأولية وكيفية تقييدها. هذا هو ما ينطوي عليه الأمر”.

يقول كان وديفيز وليفتون وأعضاء اللجنة الآخرون إن التقنية إذا تطورت وسمحت الدول باستخدامها، فحينئذ يجب أن تكون تطبيقاتها الأولى هي في تلك الحالات النادرة التي يعاني فيها الزوجان من نفس المرض الوراثي الخطير. في مثل هذه الحالات، لا يكون لدى أي من الوالدين جين طبيعي لنقله إلى الطفل.

من الأمثلة على ذلك شخصان يرغبان في إنجاب الأطفال ولكنهما مصابان بالتليف الكيسي. لا تعدّ مثل هذه الحالات شائعة، وقد حاولت اللجنة تقدير النسبة المحتملة لظهورها. فعلى سبيل المثال، يحمل شخص واحد من بين كل 13 شخصاً أميركياً أفريقياً في الولايات المتحدة السمة الجينية لمرض فقر الدم المنجلي. ومن شأن الأشخاص الذين يرثون نسختين من الطفرة (تقدّر نسبتهم بحوالي واحد من كل 350) أن يصابوا بهذا المرض، الذي يؤثر على خلايا الدم الحمراء ويمكنه أن يسبب مضاعفات مؤلمة تقصر الحياة. ويقدّر التقرير أنه يمكن أن يكون هناك 80 زوجاً في الولايات المتحدة يعاني فيها كلا الزوجين من مرض فقر الدم المنجلي.

لن يتمكن هؤلاء الأزواج من إنجاب أطفال أصحاء دون إجراء تعديل جيني. ولكن في آسيا، يعد مرض الثلاسيميا بيتا شائعاً بدرجة كافية ليكون هناك حالات مماثلة وفقاً للتقرير، ويمكن أن تظهر مشاكل أخرى في الأوساط الثقافية التي يكثر فيها زواج الناس من أقربائهم من أبناء الأعمام أو الأخوال.

وتقول جين أوبراين، أخصائية الخصوبة في مركز شادي جروف للخصوبة في ماريلاند، إن تركيز اللجنة على تعديل الجينات التكاثرية عند السود قد يثير تساؤلات حول الإنصاف. وتقول إن الأشخاص المصابين بمرض فقر الدم المنجلي في الولايات المتحدة “لا يلقون الاهتمام لأنهم غالباً ما يكونون من السود والفقراء”، لكنهم الآن مطلوبون للمشاركة في تجارب العلاج الجيني. وتضيف: “من المفارقات أن هذه الفئة هي المطلوبة حالياً من أجل ابتكارات التكنولوجيا الحيوية”.

لا يزال العلماء الذين كتبوا التقرير لا يعتقدون بجاهزية استخدام التعديل الجيني في عيادات الإنجاب؛ وذلك لأنه عرضة لإحداث طفرات غير متوقعة يصعب الكشف عنها، ويمكن أن ينجم عنه أجنة تحتوي على مزيج من الخلايا المعدلة وغير المعدلة. كانت هذه المشاكل وغيرها واضحة في وثيقة غير منشورة تصف الأطفال الذين تم تعديلهم بتقنية كريسبر في الصين، والتي نشرت إم آي تي تكنولوجي ريفيو مقتطفات منها.

ووفقاً لبنجامين هيرلبوت، عالم الاجتماع في جامعة ولاية أريزونا، فقد تم تنفيذ المشروع الجديد “لإنقاذ السمعة المتضررة لمجال تعديل الجينوم من خلال إظهار كيفية الإجراء المسؤول لما فعله [هي جيانكوي] بشكل غير مسؤول”.

وسيتطلب استخدام تقنية كريسبر بأمان في عيادات الإنجاب بعضَ التحسينات التقنية؛ إحداها وجود وسيلة للتمييز بين الأجنة الطبيعية والمريضة، حتى عندما تكون مؤلفة من خلية واحدة، بحيث لا يتم تعديل الأجنة الطبيعية “بلا داع” واستكمال الحمل حتى الولادة. كما يلزم أيضاً وجود طرق تعديل أكثر دقة يمكنها إعادة إنتاج التسلسل الدقيق للحمض النووي بالشكل الموجود عند الأشخاص الأصحاء.

ووفقاً لإريك لاندر، رئيس معهد برود وأحد أعضاء اللجنة، فإن الاستنتاج الذي توصلت إليه المجموعة بأن تقنية تعديل الجينوم تحتاج إلى عدة سنوات أخرى من البحث يؤدي إلى تمديد وقف إنتاج مزيد من الأطفال المعدّلين بتقنية كريسبر. ويقول: “إن فكرة الحدود الواضحة والتفكير الدقيق فيما إذا كان لا بدّ من تجاوزها يمثل جانباً مهماً من التقرير”.

بالإضافة إلى تحديد الأسباب المشروعة طبياً لإنجاب أطفال بتقنية كريسبر، دعا أعضاء اللجنة أيضاً إلى إنشاء هيئة دولية للإشراف على العمل. يمكن أن يكون ذلك على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تتفقد المواقع النووية ومعاهدات السياسات. وقالت اللجنة إن هناك حاجة أيضاً إلى وسيلة يستخدمها كاشفو المخالفات للتنديد بالتجارب غير الأخلاقية.

ويقول ليفتون: “كانت مجموعتنا قلقة للغاية بشأن إمكانية قيام العلماء المحتالين بالشروع في الأمر بمفردهم. من الواضح أن هذا المجال يتقدم بسرعة كبيرة، مع وتيرة عالية من التطور التكنولوجي. ولا يمكننا مواكبة ذلك دون وجود آلية”.

ليس من الواضح ما إذا كان سيستجيب الآباء أو الحكومات للتوصيات، لكن العديد من الدول تحظر بالفعل إنتاج البشر المعدّلين جينياً، مهما كان الغرض من ذلك. يعدّ هذا الإجراء محظوراً في الولايات المتحدة وما لا يقل عن 66 دولة أخرى، وفقاً لنتائج مسح غير منشور أجرته فرانسواز بايليس، خبيرة الأخلاقيات الحيوية في جامعة دالهاوزي بكندا. فمن بين أكثر من 100 دولة قامت بمراجعة قوانينها وإجراءاتها التنظيمية، لا يسمح سوى عدد قليل منها باستخدام هذه التقنية.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.