Article image
مصدر الصورة: إم إس تك | بكسلز



من شأن أحدث التطبيقات أن تعيد للكلام المنطوق حميميته، لكن لا بدّ أولاً من معالجة التساؤلات المحورية المصاحبة لها حول مراقبة المحتوى الصوتي.

2021-02-01 17:45:14

01 فبراير 2021

كل صباح، بينما تتصفح نانديتا موهان رسائل البريد الإلكتروني الواردة إليها، تستمع إلى أصوات أصدقائها وهم يسردون يومياتهم ويستحضرون ذكرياتهم ويتبادلون أفكارهم ومشاعرهم حيال تخرجهم من الجامعة في خضم الوباء.

تستمع موهان -وهي مطورة برامج تبلغ من العمر 23 عاماً وتقطن في باي آيريا- إلى كل ذلك دون أن تخوض مكالمة هاتفية ودون أن تستمع إلى بث صوتي خاص، وإنما تستخدم كابتشينو (Cappuccino)، وهو تطبيق يتيح تسجيل الأحاديث الصوتية لمجموعة مغلقة من الأصدقاء أو العائلة ويوفرها كملف صوتي قابل للتحميل.

تقول موهان: “إن مجرد استماعي لأصوات أصحابي جميعاً يدفعني لتثمين صداقتنا، وسماع أصواتهم يغير أسلوب تواصلنا ومحتواه بشكل جذري”.

كانت ميزة الرسائل الصوتية متوفرة منذ سنوات؛ فهناك إقبال كبير على المذكرات الصوتية في واتساب لا سيما في الهند، كما تحقق الرسائل الصوتية على ويتشات شعبية واسعة في الصين. وأثناء الوباء، وفرت هذه الميزات طريقة سهلة لإبقاء الأشخاص على تواصل مع بعضهم البعض ويمكِّنهم من تجنب الإجهاد المرافق لاستخدام تطبيق زوم. ولكن الآن، هناك موجة جديدة من التطبيقات العصرية التي تدمج ما يتسم به الصوت من سرعة وقوة في جوهر عملية التواصل، ما يعيد للصوت رونقه ومكانته التي احتلها يوماً في التواصل بين الناس. لقد استخدمنا هواتفنا بادئ الأمر لإجراء المكالمات الهاتفية، ثم انتقلنا إلى المراسلة، والآن عدنا إلى الصوت من جديد. يبدو أن طريقة استخدامنا لهواتفنا قد عادت إلى طبيعتها الأولى.

تطبيقات جديدة تقتحم ساحة التواصل الاجتماعي

لعل أشهر شبكة تواصل اجتماعي تركز على الصوت هي كلبهاوس (Clubhouse)، التطبيق الشهير الخاص بالمشتركين الذي ظهر لأول مرة في الربيع الماضي وحقق تقييمات باهرة بسبب نموذجه الشبيه بالبرامج الحوارية والقائم على غرف الدردشة التي كانت ذائعة الصيت في بدايات الإنترنت. ويشبه استخدام هذا التطبيق الانخراط في محادثة جماعية في حفلة (عبر الإنترنت).

لكن نموذج كلبهاوس قد تحطم بسبب افتقاره لرقابة المحتوى والأحاديث غير المقيدة لأصحاب رأس المال الجريء من كارهي النساء. وعلى سبيل المثال، تعرضت مراسلة صحيفة نيويورك تايمز تايلور لورينز -التي كانت من المعجبين بالتطبيق- لمضايقات في بعض غرف الدردشة على كلبهاوس بسبب احتجاجها على سلوك أحد أصحاب رأس المال الجريء.

وقالت لورينز لموقع وايرد: “لا أنوي أن أفتح هذا التطبيق مرة أخرى؛ إذ إنني لا أريد أن أوفر الدعم لأي شبكة تواصل لا تأخذ أمان مستخدميها على محمل الجد”. لم يكن ما تعرضت له لورينز حادثاً عرضياً، ومنذ ذلك الحين ظهرت جوانب عنصرية أكثر قتامة في التطبيق. يبدو أن السلوك الذي يشوه كل منصات التواصل الاجتماعي الأخرى يتربص أيضاً تحت لثام المظهر العصري والرائع لتطبيق كلبهاوس.

من ناحية أخرى، حقق تطبيق دردشة الألعاب ديسكورد (Discord) شعبية واسعة. تستخدم الخدمة برنامج يعتمد على تقنية الصوت عبر بروتوكول الإنترنت (VOIP) لترجمة الدردشة المنطوقة إلى نص (نبعت الفكرة عند هواة ألعاب الفيديو الذين وجدوا أنه من المستحيل الكتابة أثناء ممارستهم اللعب). في يونيو، وبهدف الاستفادة من حاجة الناس إلى التواصل أثناء الوباء، أعلنت ديسكورد عن شعار جديد: “منصتك لتتكلم”. وشرعت في محاولة لجعل الخدمة تبدو أكثر عمومية وأقل تمحوراً حول ممارسي الألعاب. ويبدو أن تلك الدفعة التسويقية قد نجحت؛ إذ إنه بحلول أكتوبر، قُدِّر عدد مستخدمي ديسكورد بـ 6.7 مليون مستخدم مقارنة بـ 1.4 مليون في فبراير قبل انتشار الوباء مباشرة.

ولكن في حين أن مجتمعات ديسكورد، المسماة “المخدمات”، يمكن أن تكون صغيرة وبريئة مثل الأطفال عندما يخططون للمبيت عند أصدقائهم، فقد ضمت أيضاً متعصبين من اليمين المتطرف استخدموا الخدمة لتنظيم مسيرة تشارلوتسفيل المنادية بتفوق العرق الأبيض والتمرد الأخير في مبنى الكابيتول الأميركي.

في كل من حالتي ديسكورد وكلبهاوس، أدت ثقافة المجموعة المتجانسة -اللاعبين المهووسين في حالة ديسكورد، وأصحاب رأس المال الجريء المفرطين في ثقتهم بأنفسهم في حالة كلبهاوس- إلى حالات من التفكير الجماعي التي يمكن أن توصف بأنها مثيرة للاشمئزاز في أحسن التقديرات ومتعصبة في أدناها. ومع ذلك، يتمتع هذا النوع من المنصات بجاذبية خاصة؛ أليس من الرائع أن تتكلم وأن يلقى كلامك آذاناً صاغية؟ ففي نهاية المطاف، هذا هو الركن الأساسي الذي قامت وسائل التواصل الاجتماعي على الوعد بتقديمه، ألا وهو دمقرطة الصوت.

تَكلَّم تَلقَ آذاناً صَاغية

في عصر التباعد الاجتماعي والعزل، تضفي حميمية الصوت على وسائل التواصل الاجتماعي جاذبية أكبر بكثير. يقول جيمي تيلي، الرئيس التنفيذي لتطبيق تشيك مايت (Chekmate)، وهو تطبيق مواعدة “خالٍ من النصوص” يوفر التواصل بين المستخدمين بالاعتماد على الصوت والفيديو، إنه أراد إطلاق تطبيق “مقاوم للأشخاص المخادعين”، في إشارة إلى ممارسة خداع الآخرين عبر الإنترنت باستخدام ملفات شخصية مزيفة.

ويقول تيلي: “سعينا إلى تجاوز المشاكل الناجمة عن إخفاء الهوية والتلاعب اللذين يسمح بهما التواصل باستخدام الكتابة، وعملنا بدلاً من ذلك على إنشاء مجتمع متجذر في الأصالة، حيث يتم تشجيع المستخدمين على أن يكونوا على طبيعتهم دون إصدار أحكام”. في البداية، يتاح لمستخدمي التطبيق تسجيل مذكرات صوتية يبلغ متوسط مدتها خمس ثوان ثم تزداد هذه المدة تدريجياً. وعلى الرغم من أن تشيك مايت يوفر خيار استخدام الفيديو، إلا أن تيلي يقول إن عدة آلاف من مستخدمي التطبيق يفضلون بأغلبية ساحقة استخدام أصواتهم فقط. ويوضِّح: “يُنظر إلى الرسائل الصوتية باعتبارها أقل رهبة من [الرسائل الفيديوية]”.

هذه السرعة والأصالة هي بالضبط ما دفع جيل بوباردين إلى ابتكار تطبيق كابتشينو؛ حيث تساءل عن سبب عدم وجود منتج يجمع المذكرات الصوتية معاً في ملف واحد قابل للتحميل. ويشرح الفكرة قائلاً: “كل شخص لديه مجموعة دردشة مع أصدقائه، ولكن ماذا لو تمكنت من سماع أصواتهم؟ سيمثل ذلك أسلوباً عظيم التأثير بلا شك”.

توافقه موهان الرأي؛ إذ تقول إن مجموعة أصدقائها انتقلت إلى استخدام كابتشينو من مجموعة دردشة على فيسبوك ثم جربت مكالمات زوم في بدايات الوباء. لكن المناقشات ستتحول لا محالة إلى التركيز على أهم مجريات الأحداث الكبرى. وتضيف بحسرة: “لم يكن هناك وقت للتفاصيل الشخصية”. تسمح “حبوب” كابتشينو اليومية، وهو اسم التسجيلات المُجمَّعة معاً، لدائرة أصدقاء موهان بالبقاء على اطلاع على آخر مستجداتهم بطريقة عاطفية عميقة. وتقول: “تنتقل إحدى صديقاتي إلى شقة جديدة في مدينة جديدة، وكانت تتحدث للتو عن كيفية ذهابها لتناول القهوة في مطبخها، هذا شيء لن أعرفه أبداً في مكالمة زوم، لأنه تفصيل دقيق جداً”.

حتى شركات التواصل الاجتماعي التقليدية تدخل على هذا الخط؛ ففي صيف عام 2020، أطلقت تويتر ميزة التغريدات الصوتية التي تتيح للمستخدمين تضمين أصواتهم مباشرة في شريط منشوراتهم. وفي ديسمبر، أطلقت ميزة تجريبية  تسمى مساحات (Spaces) للمحادثات الصوتية الحية التي يديرها المضيف بين شخصين أو أكثر.

ويقول ريمي بورجوين، أحد كبار مهندسي البرمجيات في فريق مساحات والتغريدات الصوتية في تويتر: “كنا مهتمين بمعرفة ما إذا كان الصوت قادراً على إضافة طبقة إضافية من الاتصال إلى المحادثة العامة”.

ويشير بورجوين إلى إن الغاية من ميزة مساحات هي أن توفر “الحميمية والأريحية التي يوفرها حضور حفل عشاء تم تحضيره بشكل جيد”. ويضيف: “لستَ في حاجة إلى معرفة الجميع هناك لقضاء وقت ممتع، ولكن يجب أن تشعر بالراحة عند الجلوس على الطاولة”.

ربما تكون قد تذمرت مذهولاً عندما قرأت أن تويتر تريد إنشاء مساحة “مريحة” و”حميمية”. ففي الواقع، لا تتمتع تويتر بسجل إنجازات ممتاز في إنشاء بيئة عبر الإنترنت ترحب بالمستخدمين الضعفاء وتحميهم من الإساءات.

لكن بورجوين يقول إن فريقه يتحرك ببطء وعلى نحو مدروس قبل تجاوز المرحلة التجريبية وإطلاق ميزة مساحات على نطاق واسع، حتى أن مجموعة صغيرة من المستخدمين ذهبت إلى أبعد من ذلك لتقوم بتضمين التسميات التوضيحية، وهي ميزة وصول يندر توافرها في الشبكات الصوتية. يقول بورجوين: “في الوقت الحالي، يمكن لأي مستخدم لهذه الميزة أن يبلغ عن إساءات فيها، وسيقوم فريقنا بمراجعة التقارير لتقييم مدى وقوع انتهاك لقواعد تويتر”.

رقابة المحتوى وخطر التحول إلى فضاء فظيع

نعم، تكمن المشكلة في مراقبة المحتوى؛ إذ تعد مراقبة المحتوى الصوتي أكثر صعوبة بكثير من مراقبة المحتوى النصي. ورغم أن استخدام النص القابل للبحث وأدوات المراقبة الآلية قد حقق بعض النجاح، لكن يبدو أن المشرفين البشريين هم الطريقة الأكثر فعالية لحظر الأشخاص الذين لا يلتزمون بقواعد المجتمع، ما يعرض أناساً آخرين [المراقبون أنفسهم] للمخاطر. بالنسبة للمنصات التي يمكن للأشخاص الدخول إليها والدردشة في أي وقت، فإن فتح أبواب التعبير الصوتي للجميع الذي يمنح الصوت جاذبيته يخلق في المقابل كابوساً في كيفية مراقبته. وحول ذلك يقول أوستن بيترسميث، الذي أطلق موقع كابيتش. إف إم (Capiche.fm) في مرحلة تجريبية العام الماضي: “هذا يمثل بالتأكيد تحدياً كبيراً لأي منصة تقدم محتوى ينشئه المستخدمون”. لقد نشأ موقع كابيتش من مجتمع برمجي يشبه إلى حد ما برنامجاً إذاعياً يوفر إمكانية الاتصال به؛ حيث يتصل المضيفون ببعضهم البعض لبدء العرض، ويقومون بدعوة المستمعين للتفاعل معهم أثناء وجودهم “على الهواء”.

وكما اكتشف مستخدمو كلبهاوس، من الممكن أن تتحول مساحات التواصل الصوتي بسرعة إلى مساحات فظيعة، تماماً مثل أي مكان آخر على الإنترنت. من المستبعد أن يرغب الأشخاص الذين يعانون بالفعل من الإساءات عبر الإنترنت -مثل المهمشين أو الإناث أو غير محددي الجنس أو ذوي البشرة غير البيضاء أو اليافعين أو من اجتمعت فيه أكثر من سمة واحدة من هذه السمات- في الانتقال إلى استخدام منصات قد يتعرضون فيها للإساءة بطريقة مختلفة تصعب مراقبتها ورصدها.

هناك أيضاً سبب للاعتقاد بأن هذه المنصات الأحدث والأقل تنظيماً ستجذب المتطرفين الساخطين واليمينيين من معتنقي نظريات المؤامرة وأتباع كيو آنون، الذين ينشئون الآن شبكات البودكاست الخاصة بهم.

ومع ذلك، يبدو أن الشبكات الاجتماعية الصوتية تقدم شيئاً لا تستطيع وسائل التواصل الاجتماعي التقليدية توفيره؛ إذ تتمثل إحدى الفوائد الرئيسية لأسلوب التواصل الصوتي في الطريقة التي يوفر بها للمستخدمين الوصول الفوري إلى مكالمة صوتية أو فيدوية، ولكن وفقاً لما يناسب وقتهم؛ ففي حين أن المكالمات الهاتفية -ومكالمات زوم، على حد سواء- تتطلب بعض التخطيط، يمكنك إنشاء محتوى وسائل التواصل الصوتي وتصفحه على راحتك وفي الوقت الذي يناسبك وهذا ما لا تسمح به التنبيهات الإخبارية والإشعارات والتصفح المرهق. وكما تقول موهان، التي تستمع لأصدقائها كل صباح، عن كابتشينو: “إنه يدفعني للانخراط في الدردشات ويدفعني للاستماع بانتباه أكبر لحديث كل شخص، حتى أنني أقوم بتدوين ملاحظات حول الأشياء التي أريد الرد عليها وقولها”.

بالنسبة لموهان، أصبح تشغيل التسجيلات الصوتية الخاصة بدائرة أصدقائها الخمسة من الطقوس المحببة التي تتيح لها الاطلاع على أخبارهم والبقاء على تواصل معهم في الوقت الذي يناسبها. وتضيف: “كل يوم، في منتصف يوم عملي، أقوم بتسجيل الكابتشينو الخاص بي”، مشيرة إلى التسجيل الصوتي الذي تنشره على التطبيق. وتختم بالقول: “إنه يمنحني شعوراً شخصياً للغاية؛ إذ أستمع إلى أصوات أصدقائي وأشعر بأنني على اطلاع دائم على ما يقومون به في حياتهم اليومية”.