فرصة لإعادة تصميم وسائل النقل بشكل كامل، وإحداث تغيير جذري في إمكانات النقل على المستوى الشخصي في حياة ذوي الاحتياجات الخاصة.

بقلم

2020-06-19 20:02:28

19 يونيو 2020
Article image
مصدر الصورة: موقع ماي إمبروف (myimprov.com)

على مدار السنوات الماضية، شهد عالم السيارات قفزة نوعية إثر تحول السيارات ذاتية القيادة من مجرد نماذج ونظريات إلى مركبات حقيقية تسير على الطرقات في عدد من بلدان العالم. وبالنسبة لأنصار التكنولوجيا حول العالم، فإن نماذج السيارات ذاتية القيادة -التي أنتجتها شركات مثل تسلا وأوبر وجوجل- تمثل أعجوبة هندسية، وتفتح إمكانات غير مسبوقة عند التفكير في أن الوقت والجهد الذي تتطلبه قيادة السيارة يمكن استثمارهما للقيام بأشياء أخرى أثناء التنقل. إلا أن هذه النقلة الحالية نحو هذا النوع من السيارات ليست مجرد فرصة للتخلص من عبء القيادة فحسب، بل هي أيضاً فرصة لإحداث ثورة في مجال النقل الشخصي بشكل يؤثر إيجاباً على حياة الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولكن حتى يحدث هذا، يجب أن تلتزم صناعة السيارات بممارسات تصميمية أكثر شمولاً، وهي ممارسات شبه غائبة حالياً، كما يجب أن تتغلب على التحديات التصميمية عند التفكير في أساليب جديدة للتفاعل مع السيارات ذاتية القيادة. ويمكن للمصنّعين أن يستلهموا الحلول من مجال كبير ومتنوع من تصاميم المنتجات لتحقيق التوازن الصحيح ما بين الجاذبية من جهة وسهولة الاستخدام في العالم الحقيقي من جهة أخرى.

البعد التصميمي

يُستخدم مصطلح “التصميم الشمولي” لتوصيف الأسلوب التصميمي الذي يأخذ بعين الاعتبار حاجات وقدرات الناس من نطاق واسع من الفئات. ولطالما ركزت صناعة السيارات على التصاميم المخصصة للأشخاص الحائزين على رخص للقيادة، والذين ينتمون في معظم الأحيان إلى فئة الناس من ذوي الأجسام السليمة.

غير أن ذوي الاحتياجات الخاصة يمثلون أكبر أقلية على مستوى العالم، فوفقاً للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، فإن عددهم يفوق المليار نسمة، حيث تبلغ نسبتهم نحو 15% من سكان العالم. وقد يعجز الكثير منهم عن قيادة السيارات العصرية، سواء بسبب مشاكل مثل فقدان البصر، أو العجز البدني الشديد، أو المشاكل الإدراكية.

يعاني ذوو الاحتياجات الخاصة من الكثير من المشاكل في الاعتماد على النقل العام، وتعتبر صعوبة التنقل أحد أهم العوائق التي يقول ذوو الاحتياجات الخاصة إنها تمنعهم من الانخراط في المجتمع إلى درجة أكبر، سواء بزيارة الأصدقاء والعائلة أو الانضمام إلى أحد النوادي. هذا أمر مفهوم بالنسبة إلى أي شخص خاض حواراً مرهقاً مع أحد العجائز من أقربائه في محاولة لإقناعه بالتخلي عن قيادة السيارة، غالباً بسبب تراجعه بدنياً أو إدراكياً. ولهذا، فإن تعديل نظام النقل بحيث يصبح استخدامه أكثر سهولة أمرٌ هامٌ لتحسين نوعية حياة الناس، سواء عن طريق تحسين الفرص الاقتصادية، أو الحد من الانعزال الاجتماعي، أو إعادة الاعتزاز بالنفس.

وعلى الرغم من أن السيارات ذاتية القيادة ستقلل بالتدريج من الحاجة إلى قيادة البشر للسيارات، إلا أنه توجد عوائق أخرى تمنع ذوي الاحتياجات الخاصة من استخدام السيارات، ويجب أخذها بعين الاعتبار أيضاً؛ حيث إن مجرد الدخول والخروج من السيارة يمثل صعوبة كبيرة بالنسبة للكثيرين من ذوي الإعاقات البدنية -ولا يقتصر هذا على مستخدمي الكراسي المتحركة- والكثيرين من كبار السن الذين تضاءلت قوتهم العضلية مع التقدم في العمر، وهو ما يجعل اللمسات التصميمية التي تراعي هذه المسائل، مثل مقابض الاستناد والدرجات الجانبية، مفيدة إلى حد بعيد.

توجد بعض الميزات التشغيلية التي تتطلب جهداً واضحاً، مثل مقاعد السيارة القابلة للطي أو الأبواب الخلفية، ولهذا قد يشكل التعامل معها مهام بالغة الصعوبة، ما يعني أنه يجب تصميمها بحيث لا تتطلب سوى مقدار قليل من القوة، وذلك عن طريق المقابض وسطوح التماس الكبيرة. أيضاً، قد يكون الوصول إلى حزام الأمان وتثبيته أمراً صعباً، ولهذا يحتاج نظام تثبيت الراكب إلى نظرة جديدة، وإعادة تصميم وفق مبادئ التصميم الشمولي لضمان سهولة استخدامه لجميع الفئات.

مصدر الصورة: موقع أوتو موبايل ماج (automobilemag.com)

أما بالنسبة لمستخدمي الكراسي المتحركة، فهم بحاجة أيضاً إلى نظام تثبيت بسيط وسهل الاستخدام، وذلك على فرض سهولة صعود المستخدم إلى السيارة بوجود منحدر جيد التصميم وأرضية منخفضة ومساحة كافية.

ولكن السيارات ذاتية القيادة ستفرض تحديات جديدة أيضاً، مثل الحاجة إلى وجود واجهات تفاعلية تتيح للركاب اختيار الوجهة أو تلقي المعلومات حول الرحلة. وإذا أردنا أن نأخذ احتياجات الإعاقة بعين الاعتبار، فلا يمكن أن نعتمد فقط على نوع واحد من الدخل أو الخرج، أو نوع واحد من التغذية الراجعة للمعلومات، فقد لا تكون الشاشات مناسبة للبعض، كما قد لا تكون الأوامر الصوتية مناسبة للآخرين.

ولكن على الرغم من الجدل واسع النطاق والموارد الكبيرة المخصصة لتغيير النقل الشخصي عن طريق تطوير السيارات ذاتية القيادة، إلا أنه لا يوجد دليل يُذكر يؤكد اعتماد التصميم الشمولي كأحد ركائز هذه العملية. وعلى الرغم من أن المشرعين يعملون على تحديث القوانين –مثلما هو الحال في المملكة المتحدة على سبيل المثال- للسماح بتجربة السيارات ذاتية القيادة، فإنهم على ما يبدو لم يأخذوا بعين الاعتبار تأثير تصميم السيارة على ذوي الاحتياجات الخاصة.

اعتماد التصميم الشمولي

ليس من الصعب على شركات التصنيع تصميم سيارات سهلة الاستخدام إذا أخذت حاجات وقدرات فئات متنوعة من الناس بعين الاعتبار في المراحل المبكرة من عملية التصميم. وقد تبنت بضع شركات مصنعة للسيارات هذه الفلسفة، وعلى سبيل المثال، تستخدم فورد ما يُطلق عليه اسم “بدلة التقدم في السن” التي تحاكي محدودية الحركة والرؤية والحس اللمسي لدى الكثيرين من كبار السن. وبفضل هذه البدلة، تمكن مهندسو ومصممو الشركة من تعديل هذه التفاصيل الهامة بشكل ملائم، مثل مقابض الأبواب التي تدور بزاوية 360 درجة، التي تسمح بفتح الباب بسهولة من الخارج باستخدام الذراع واليد، بدلاً من المقابض العادية التي يتطلب سحبها إلى الأعلى استخدام الأصابع والرسغ.

وبشكل مماثل، بدأت الشركات في قطاعات أخرى بإيجاد وسائل لتطوير واجهات سهلة الاستخدام. وعلى سبيل المثال، تلقت سامسونج جائزة المعهد الوطني الملكي للمجتمع الشمولي للمكفوفين عام 2016، وذلك عن عملها في إنتاج أجهزة تلفاز ذكية سهلة الاستخدام للمكفوفين كلياً وجزئياً، حيث يستطيع التلفاز قراءة النصوص الموجودة على الشاشة، وتقديم معلومات صوتية حول القناة ودرجة ارتفاع الصوت ومعلومات البرامج المعروضة، بل يمكنه حتى أن يقرأ دليل البرامج على الشاشة.

صناعة الفارق

صحيح أن السيارات ذاتية القيادة لم تحظ بالانتشار المنتظر حتى الآن، ولكن يبقى من المتوقع وعلى نطاق واسع أنها ستكون وسيلة مهمة للسفر والتنقل في المستقبل. وبصرف النظر عن مدى انتشار هذا النوع من السيارات، يمكن القول في كافة الأحوال إن صناعة السيارات أمامها خيار حاسم لصنع الفارق؛ فإما أن تصنع وسائل نقل مخصصة للفئة الثرية من رجال الأعمال، أو أن تصنع وسائل نقل سهلة الاستخدام بحق للجزء الأكبر من الناس، بحيث تعزز الإحساس بالقيمة الذاتية، وتحسن من نوعية الحياة لمن يواجهون تحديات كبيرة يومياً. بالنسبة لي، فإن الخيار الصحيح واضح من دون أدنى شك!


شارك