Article image
مصدر الصورة: جويل فيليبي عبر أنسبلاش



يمكن الاستفادة من مسابقة لتحديد النظام الذي يصمم أفضل التجمعات في اللعبة في استكشاف أساليب جديدة في التخطيط الحضري.

2020-09-24 20:13:03

24 سبتمبر 2020

لنتخيل المنظر التالي: عدد من الأبنية ذات الأسقف شديدة الانحدار والمتعلقة بحواف حفرة منجم مفتوح. وعالياً فوقها، وعلى قوس حجري هائل، يقبع منزل وحيد لا طريق يوصل إليه. في مكان آخر، تلتف سكة حديدية محمولة على أعمدة حول مجموعات متعددة الألوان من الأبراج. وتحيط معابد شرقية متعددة الطوابق بساحة ضخمة مرصوفة. وعلى إحدى الجزر، تدور طاحونة هواء وحيدة محاطة بخنازير مكعبة الشكل. هذا أسلوب الذكاء الاصطناعي في تصميم المدن في لعبة ماينكرافت.

لطالما كانت ماينكرافت بيئة رائعة للابتكارات الغريبة. وقد استخدم المعجبون هذه اللعبة الشهيرة، التي تقوم على البناء بالكتل المستطيلة، لتشكيل نسخ داخل اللعبة من كل شيء، بدءاً من وسط مدينة شيكاغو ومدينة كينجز لاندينج في مسلسل لعبة العروش، وصولاً إلى معالجات حقيقية وقادرة على تنفيذ العمليات الحاسوبية. وخلال العقد الذي مر منذ إطلاق اللعبة لأول مرة، شهدت اللعبة بناء كل ما يمكن بناؤه.

ومنذ 2018، أصبحت ماينكرافت أيضاً البيئة الحاضنة لأحد التحديات لاختبار قدرات الآلات. تحمل هذه المسابقة اسم التصميم التوليدي في ماينكرافت (GDMC اختصاراً)، ويتعين على المشتركين بناء ذكاء اصطناعي قادر على توليد مدن أو قرى واقعية في مواقع غير معروفة من قبل. حالياً، تُقام المسابقة لأهداف ترفيهية وحسب، ولكن الأساليب التي تجربها أنظمة الذكاء الاصطناعي المختلفة قد تمثل بدايات أساليب حقيقية يمكن لمصممي المدن في العالم الحقيقي استخدامها.

تقوم مسابقة التصميم التوليدي في ماينكرافت على استخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم تجمعات سكنية في مواقع غير معروفة من قبل.

عادة ما يستخدم المشاركون الناجحون مجموعة من الأساليب التي تحدد الشروط التي تُوجب تسوية منطقة معينة، أو المواقع التي ينبغي وضع الجسور أو الأبنية فيها. وتتضمن هذه الأساليب خوارزميات قديمة لرسم المسالك، التي تصل الأجزاء المتباعدة من التجمع، وبرامج تعمل على شكل خلايا لإنتاج بنى معقدة باستخدام قواعد بسيطة، إضافة إلى التعلم الآلي.

لقد قطعت المسابقة شوطاً كبيراً خلال ثلاث سنوات؛ ففي المرة الأولى، كانت التجمعات الناتجة تعطي في أغلب الأحيان انطباعاً بأنها من إنتاج آلي، حيث تكون المباني مرتبة في صفوف متكررة أو مجموعات عشوائية. أما الفائزون في هذه السنة، الذين تم الإعلان عنهم مؤخراً، فقد قدموا تجمعات سكنية ذات تصاميم منطقية مناسبة لكل موقع. فقد كانت الطرق تلتف حول التلال، والجسور تصل ضفاف الأنهار، بل إن المنازل كانت تحتوي على أثاث.

تتصف المسابقة بأنها مفتوحة النهاية وذاتية الطابع، وتهدف إلى توسيع حدود الذكاء الاصطناعي. وعلى عكس مسابقات الذكاء الاصطناعي الأخرى، مثل تحديات داربا للسيارات ذاتية القيادة أو الروبوتات، لا يوجد لهذه المسابقة معيار واضح تماماً للانتهاء. ما الذي يميز القرية الجيدة؟ يقول كريستوف سالج، وهو أحد منظمي المسابقة وعالم الحواسيب في جامعة هيرتفوردشاير في المملكة المتحدة: “ليس هناك قيمة رقمية محددة يمكن أن تحاول تحسين عملك بناءً عليها”.

إن كون المسابقة مفتوحة النهاية يعني أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يتقن تحقيق أهداف متعددة في وقت واحد. ولتحقيق الفوز، يجب أن تحوز التصاميم على إعجاب ثمانية محكمين من البشر من اختصاصات متنوعة، مثل المعماريين والأثريين ومصممي الألعاب.

يقوم أعضاء لجنة التحكيم بمنح العلامات للمدينة التي صممها الذكاء الاصطناعي في أربعة مجالات: مواءمة التصاميم المنجزة مع مواقع محددة، وجودة التخطيط وفقاً لمعايير محددة (مثل وجود الجسور والطرق بين المناطق المختلفة)، إضافة إلى جاذبيتها الجمالية، وأخيراً الرواية التي يوحي بها التصميم، فهناك تفاصيل محددة تروي قصة حول ظهور المدينة، مثل وجود خرابة ما أو منجم استُخلصت منه المواد الأولية للبناء. يقول سالج: “إن تصميم قرية في ماينكرافت في خريطة جديدة أمر سهل يمكن لبشري بعمر عشر سنوات أن يقوم به” “ولكنه أمر صعب للغاية بالنسبة للذكاء الاصطناعي”.

تسوية الأرض

وعلى سبيل المثال، بدأ أحد المتسابقين العمل بتحديد نوع البيئة المحيطة -صحراء أو غابة مثلاً- ومن ثم توليد أبنية تبدو كأنها مبنية من المواد الموجودة هناك. وكان متسابق آخر بارعاً في تسوية المنطقة وتشكيل الساحات. كان هذا الأسلوب ناجحاً في الأراضي المفتوحة والمنبسطة؛ حيث كان ينتج تجمعات مذهلة من المعابد يابانية الطابع. ولكنه كان أقل نجاحاً على جزيرة صغيرة، حيث مهّدها بشكل كامل.

لا تخلو المسابقة من الأخطاء السخيفة، حتى لدى البرامج الفائزة؛ ففي إحدى التجمعات، كانت بعض المنازل شبه مدفونة تحت الرمال. ويعود هذا بشكل واضح إلى محاولة الخوارزمية البناء على أرض صلبة. وهكذا تغوص المباني حتى تصل إلى الطبقة الصخرية المدفونة.

يدرس كلاوس أرانا الحوسبة التطورية في جامعة تسوكوبا في اليابان، وقد قدم استشاراته لثلاثة مشاركين في المسابقة. ويعتقد أن هذه المسابقة تمثل وسيلة جيدة لدراسة واختبار التقنيات الجديدة في الذكاء الاصطناعي. ويقول: “من أكثر الأشياء التي تعجبني في هذه المسابقة هو وجود العديد من المقاربات المختلفة لتحقيق المطلوب”.

وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة بدأت تعطي نتائج شبه واقعية ضمن الألعاب، فقد بدأ استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل في تحليل كيفية بناء المدن. ويمكن للأساليب والمقاربات المماثلة لتلك المستخدمة في المسابقة أن تساعد يوماً ما على تصميم مدن حقيقية أفضل لصحة البشر وأمانهم.

وعلى سبيل المثال، فقد وجد أرانا أن معظم المشاركين يستخدمون مقاربة التصميم من الأعلى إلى الأسفل، أي أن نظام الذكاء الاصطناعي يدرس المنطقة المخصصة للعمل ويولد التجمع السكاني المناسب لها. وهو ما يمكن أن يعطي نتائج إجمالية جيدة، غير أن التفاصيل قد تكون غير ناجحة. ويعتقد أرانا أن المقاربة متعددة الأطراف -حيث تعمل عدة برامج ذكاء اصطناعي في نفس الوقت لتشكيل البنى وفق البيئة المحيطة بها بشكل مباشر- قد تؤدي إلى تصاميم أكثر تماسكاً وواقعية.

وقد قرر استخدام هذه المعلومة في عمله، حيث سيستخدم عمليات المحاكاة لدراسة تأثير السياسات المختلفة في التصميم العمراني على السيناريوهات الكارثية، مثل الزلازل أو الحرائق البرية. ويقوم أرانا بتوليد المدن الافتراضية عن طريق تعليم شبكة عصبونية المعالم والخصائص التي تميز المدن، مستخدماً بيانات من أوبين ستريت ماب. يقوم أرانا بتوليد الآلاف من المدن الافتراضية آلياً، بحيث تتباين هذه المدن في عدة خصائص، مثل توزيع الشوارع أو عدد ومواضع المساحات المفتوحة، ويستطيع تقييم تأثير السياسة على إنقاذ الأرواح إذا كانت تفرض تخصيص 10% من المساحة السكنية للحدائق.

يعتمد مشروع سيتي سكوب شانزيليزيه من مختبر الوسائط في إم آي تي على عمليات محاكاة مبنية على برامج آلية لدراسة التصاميم المقترحة.

في هذه الأثناء، يعمل أرناود جرينيار وزملاؤه في مختبر الوسائط في جامعة إم آي تي على استخدام عمليات محاكاة مبنية على برامج آلية لدراسة التصاميم المقترحة للمساحات العامة المزدحمة، مثل نموذج افتراضي للشانزيليزيه في باريس. كما أن الشركة الناشئة توبوس في نيويورك تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة على فهم أثر تخطيط المدن على حياة سكانها؛ ففي أحد المشاريع، استخدمت مجموعة من أساليب الذكاء الاصطناعي، بما فيها التعرف على الصور ومعالجة اللغة الطبيعية، وذلك لدراسة كيفية استخدام سكان مناطق مختلفة في نيويورك لهذه المناطق. ومن ثم قامت بإعادة ترسيم حدود الضواحي الخمسة لنيويورك بناء على التشابهات بين الأحياء، مثل كونها أحياء سكنية أو تجارية، أو كونها حضرية أو غنية بالمساحات الخضراء. وتوضح الخريطة الناتجة أن هذه الأحياء تتوزع تقريبياً على شكل حلقات متمركزة حول مانهاتن.

يعتقد جاسبر ويناندز من جامعة ملبورن في أسترالياً أيضاً أن الذكاء الاصطناعي سيحتل موقعاً هاماً في المستقبل في التصميم الحضري، وقد بدأ مع زملائه بدراسة استخدام الشبكات التوليدية التنافسية للقيام بعملية نقل الأسلوب من صور جوجل ستريت فيو.

عادة ما يستخدم نقل الأسلوب لإعادة إنتاج صورة على غرار صورة أخرى، مثل تحويل صورة سيلفي إلى لوحة مرسومة بأسلوب فان جوخ. ولكن، بدلاً من الأسلوب المرئي، جعل ويناندز نظامه يتعلم “أسلوباً” يعكس بيانات الصحة العامة في عدة كتل من المدينة. ومن ثم طلب منه إعادة إنتاج صور ستريت فيو وفق أسلوب الأحياء التي تتمتع بمستوى جيد من الصحة العامة. أي أن هذا الذكاء الاصطناعي يستطيع تعديل صور الأحياء السيئة بحيث تبدو كأحياء جيدة. يستطيع مخططو المدن بعد ذلك استخدام هذه التعديلات -مثل إضافة مساحة خضراء هنا أو توسيع الشارع هناك- كدليل مقترحات للتحسينات الحضرية.

لم يتعلم الذكاء الاصطناعي ما هي الأشياء التي يعتقد المخططون أنها تجعل المدن أفضل، ولكنه توصل إلى بعض الأفكار المعروفة بنفسه. يقول ويناندز: “من المثير للاهتمام أن نرى أن نتائج الشبكات التوليدية التنافسية متوافقة مع فهمنا العلمي لأثر المساحات الخضراء على الصحة”.

حصل فريق ويناندز مؤخراً على منحة بقيمة 1.2 مليون دولار لتطوير هذه الطريقة، وقد بدأ بإطلاع طلابه في مجال التخطيط الحضري عليها.

أثار التصميم

من أحد الاستخدامات المباشرة للذكاء الاصطناعي في التصميم الحضري، فهم أثر التخطيط الحضري على المستوى العالمي؛ ففي يناير، نشر ويناندز وزملاؤه دراسة في مجلة (The Lancet Planetary Health) تتضمن دراسة تشمل 1,692 مدينة تحوي ثلث سكان العالم. وقد استخدموا الشبكات العصبونية الالتفافية، خصوصاً تلك المستخدمة في التعرف على الصور، لتصنيف التخطيطات الحضرية المختلفة وفقاً لعدد الحوادث المرورية الخطيرة التي تقع فيها. وقد تبين أن المدن التي تتمتع بالمزيد من شبكات النقل السككية المرتفعة عن الأرض، والشوارع الكثيفة الموزعة حول الكتل السكنية الصغيرة، أكثر أماناً من التخطيطات الواسعة الموزعة حول الأزقة.

قد لا تحمل هذه النتائج مفاجآت تذكر، ولكن كان من المستحيل تحليل هذه البيانات من دون أتمتة.

لطالما كانت الصور الطوباوية حول الحياة المثالية مبنية على افتراضات مسبقة حول شكل المساحات الحضرية التي تجعل الناس أكثر صحة أو سعادة. ولكن ليس من السهل اختبار هذه المساحات، كما أن مشاريع التوليد الطموحة يمكن أن تفشل. يمكن أن يقدم الذكاء الاصطناعي المساعدة في تخطيط المدن بعدد من الطرق المختلفة، مثل كشف الآثار المخفية لتخطيطات محددة أو محاكاة الآلاف من التصاميم الممكنة. يعمل سالج الآن مع مخططي مدن في الولايات المتحدة لدراسة كيفية إدماج المزيد من البيانات الواقعية حول استخدام الناس للمدن في المسابقات المقبلة، مثل كيفية التحرك ضمن المدينة أو اختيار أماكن التسوق. وهو ما يمكن أن يجعل هذه التصاميم الاصطناعية أكثر واقعية، بل ربما أكثر فائدة. 

ولكن، يجب ألا نتوقع أن يستحوذ الذكاء الاصطناعي على مجال التصميم بشكل كامل؛ حيث إن المدن أكثر من مجرد تشكيلات من الأشياء على الأرض، فهي الوسط الذي يعيش فيه البشر. وهذا يعني أنها نتيجة توازنات بين العديد من العوامل المتضاربة، وذلك كما يقول ديف أموس، وهو مخطط حضري يدير قناة شعبية على يوتيوب باسم سيتي بيوتيفول. وكما قال أموس في مقطع يحلل فيه التصميم الفائز في المسابقة لعام 2018: “إن تخطيط المدن في جوهره عملية سياسية. ويجب على الناس أن يدخلوا في جدل حاد حول شكل هذا التطوير”.