Article image
مصدر الصورة: إم إس تِك | عبر صور جيتي وأنسبلاش



تشمل هذه المقالة معلومات عن البحث الذي أجرته منظمة الصحة العالمية والصين عن أصول فيروس كورونا.

2021-04-06 04:09:06

05 أبريل 2021

تاجر حيوانات برية أصيب بفيروس جديد غريب انتقل إليه من آكل نمل حرشفي مجمد. عاملة في مختبر تدرس فيروسات الخفافيش ولكنها ارتكبت خطأ وتسلل الهواء إلى تحت غطاء السلامة الحيوية الواقي واستنشقته. رجل أصيب بالمرض فجأة بعد جمعه فضلات الخفافيش من أحد الكهوف لاستخدامها كسماد.

هل أي من هذه السيناريوهات هو الذي تسبب في تفشي جائحة كورونا؟

هذا هو السؤال الذي يواجهه فريق بحثي دولي مشترك تم تعيينه من قبل الصين ومنظمة الصحة العالمية، والذي يبحث حالياً عن مصدر فيروس كورونا. ما يعرفه الباحثون حتى الآن هو أن أحد فيروسات كورونا، الذي يشبه كثيراً بعض الفيروسات الموجودة عند خفافيش حدوة الحصان، انتقل إلى البشر وظهر في مدينة ووهان الصينية بحلول ديسمبر 2019، وأثار من هناك أكبر كارثة صحية في القرن الواحد والعشرين.

كما أننا نعرف أيضاً بأنهم لم يعثروا على التفاصيل المهمة، فإذا كان أصل الفيروس من خفافيش حدوة الحصان، فكيف وصل إلى البشر من كائنات تعيش في الكهوف النائية على بعد مئات الأميال؟

من المتوقع أن يصدر تقرير مؤلف من 300 صفحة عن المجموعة قريباً، ويهدف إلى تلخيص كل ما هو معروف عن المراحل الأولى لتفشي المرض والجهود الصينية لتحديد مصدره، ومن المحتمل إعادة توجيه الفرضية المفضلة القائلة بأن فيروس كورونا وصل من الخفافيش إلى البشر عبر “كائنات مضيفة وسيطة”، مثل الحيوانات البرية التي تُباع كغذاء في أسواق ووهان.

تعدّ هذه نظرية معقولة، فقد انتقلت فيروسات كورونا الأخرى من الخفافيش إلى البشر بنفس الطريقة. وفي الواقع، فقد كان ذلك هو أصل فيروس السارس، وهو فيروس كورونا مشابه للفيروس الحالي وأثار الذعر في العالم عام 2003 عندما انتشر من جنوب الصين وأصاب 8000 شخص. في حالة فيروس السارس، قام الباحثون بإجراء اختبارات على الحيوانات الموجودة في السوق وسرعان ما وجدوا فيروساً مطابقاً تقريباً عند حيوانات الزباد المقنع وكلاب الراكون في الهيمالايا، والتي تؤكل على المستوى المحلي أيضاً.

ولكن مع الفيروس الحالي، فإن فرضية المضيف الوسيط تواجه مشكلة كبيرة. فبعد أكثر من عام على بدء الجائحة، لم يتم تحديد أي حيوان غذائي كمضيف للفيروس الوبائي. وذلك على الرغم من الجهود التي تبذلها الصين لاختبار عشرات آلاف الحيوانات، بما فيها الخنازير والماعز والإوز، وفقاً لليانغ وانيان، الذي يقود الجانب الصيني من الفريق البحثي؛ إذ يقول إنه لم يعثر أحد على “سلف مباشر” للفيروس، وبالتالي فإن الجائحةلا تزال لغزاً مستعصياً على الحل“.

السياسة لها دور

من المهم معرفة كيف بدأت الجائحة، لأنها لم تنتهِ حتى الآن، بعد أن أدت إلى مقتل أكثر من 2.5 مليون شخص وإلى خسائر اقتصادية بتريليونات الدولارات. وقد يكون الفيروس يوطّن نفسه في أنواع جديدة، مثل الأرانب البرية أو حتى الحيوانات الأليفة المنزلية. يمكن لمعرفة كيفية بدء الجائحة أن تساعد خبراء الصحة على تجنب الجائحة القادمة، أو الاستجابة بسرعة أكبر على الأقل.

نحن ندرك أن مكاسب البحث عن الأصول حقيقية؛ فبعد تفشي فيروس السارس عام 2003، بدأ الباحثون يبنون قاعدة معرفية كبيرة حول هذا النوع من الفيروسات. أدت تلك المعرفة إلى تسريع عملية تطوير لقاحات فيروس كورونا الجديد في أوائل عام 2020. وفي الواقع، قامت شركة سينوفاك بيوتيك الصينية بإعادة استعمال تصميم قديم للقاح عمره 16 عاماً، الذي كانت قد وضعته جانباً بعد احتواء تفشي السارس.

لكن يخشى البعض من أن تكون جميع الأبحاث في فيروسات الخفافيش قد جاءت بنتائج عكسية بطريقة مروعة. يشير هؤلاء الأشخاص إلى مصادفة مفاجئة؛ حيث إن معهد ووهان لعلم الفيروسات، وهو المركز العالمي للأبحاث حول فيروسات كورونا الخطيرة التي تشبه السارس لدى الخفافيش، والتي ينتمي إليها فيروس كورونا الحالي، يقع في نفس المدينة التي اندلعت فيها الجائحة أولاً. فهم يشتبهون في أن يكون فيروس كورونا نتيجة لحدوث تسرب عرَضي من المختبر.

يقول ماثيو بوتينجر، النائب السابق لمستشار الأمن القومي في البيت الأبيض: “من المحتمل أنهم تسببوا في جائحة كانوا ينوون منعها”. يعتقد بوتينجر، الذي كان يعمل صحفياً في الصين أثناء تفشي وباء السارس، أنه “من المحتمل جداً أن يكون قد تسرب من المختبر” وأن الحكومة الصينية لا ترغب في الاعتراف بذلك. ويقول إن هذا هو السبب في أن البحث المشترك بين الصين ومنظمة الصحة العالمية “غير كافٍ ابداً لأن يكون تحقيقاً موثوقاً فيه”.

تم إغلاق سوق هوانان لبيع المأكولات البحرية بالجملة في ووهان في يناير 2020 بعد أن ارتبطت به العديد من حالات الإصابة بفيروس كورونا الجديد.
مصدر الصورة: إيماجين تشاينا / ألامي

المؤكد هو أن البحث عن سبب الجائحة مشحون من الناحية السياسية لأنه يمكن أن يلقي باللوم بطريقة ما على التسبب في هذه الكارثة العالمية. منذ الربيع الماضي، يعدّ البحث عن أصل ما أسماه الرئيس السابق دونالد ترامب “فيروس الصين” في صميم المواجهات التجارية بين الولايات المتحدة والصين والتهم الأميركية بأن منظمة الصحة العالمية لعبت دوراً يصب في مصلحة الصين. في غضون ذلك، سعت الصين إلى تحيّن الفرص لتوزيع المسؤولية؛ إذ وجد باحثون صينيون طرقاً للإشارة إلى أن كوفيد-19 بدأ في إيطاليا أو أنه وصل إلى ووهان عن طريق اللحوم المجمدة. يمكن لنظرية “السلسلة الباردة” هذه أن تُبعد أصل الفيروس، والملامة الناجمة عنه، إلى ما هو أبعد من حدود الصين.

أدت الأجواء المشحونة سياسياً إلى مرور عام كامل قبل وصول محققي منظمة الصحة العالمية الباحثين عن أصل الفيروس إلى الأراضي الصينية، حيث وصلوا إليها في يناير لإجراء جولة تتم مرافقتهم فيها عن كثب. يقول آلان شنور، عالم الأوبئة السابق بمنظمة الصحة العالمية الذي عمل في الصين لتتبع تفشي السارس: “لقد مر عام؛ لذا لا بدّ من السؤال عن الأمر الذي استغرق كل هذا الوقت الطويل”. خلال هذه السنة، تلاشت الذكريات وتلاشت معها الأجسام المضادة، ما قد يؤدي إلى زوال الدلائل الرئيسية.

الدلائل الأولية

يتكون فريق التحقيق المشترك من 15 عضواً تم تعيينهم من قبل منظمة الصحة العالمية بالإضافة إلى فريق صيني مرافق من الأطباء البيطريين والخبراء في علم الأوبئة وسلامة الأغذية. وقال جون واتسون، عالم الأوبئة البريطاني البارز وأحد أعضاء المهمة، خلال ندوة أجراها معهد تشاتام هاوس عبر الإنترنت في شهر مارس: “هناك تصور شائع بأن مجموعة من المحققين الشبيهين بشيرلوك هولمز سيجرون التحقيق باستخدام عدسات مكبرة ومسحات. ولكن الأمر لم يتم التخطيط له بتلك الطريقة”.

وبدلاً من ذلك، اتفقت الصين ومنظمة الصحة العالمية خلال الصيف الماضي على سلسلة من الدراسات العلمية التي أجريت في الصين. عندما زار الأعضاء الأجانب ووهان في شهر يناير، فقد كانت تلك الزيارة للمساعدة في إجراء تقييم مشترك للأدلة التي عثرت عليها الصين، وليس للبحث عن حقائق جديدة في المدينة. وقال واتسون: “لم تكن هناك أي حرية على الإطلاق للتجول في أرجاء المنطقة”.

ووفقاً لبيتر بن مبارك، المسؤول في سلامة الأغذية في منظمة الصحة العالمية، فقد كان الهدفان الأساسيان للفريق هما تحديد الوقت الدقيق لبدء تفشي الجائحة ثم معرفة كيفية ظهوره وانتقاله إلى البشر. للقيام بذلك، يقول بأنهم اعتمدوا على ثلاثة أنواع من البيانات، وهي: التسلسل الجيني للفيروس، والاختبارات على الحيوانات، والأبحاث الوبائية التي تناولت أولى الحالات.

يعود السبب في أهمية العثور على أوائل الأشخاص المصابين بفيروس كورونا إلى أنه سيسمح للباحثين في مجال الأمراض بالبحث عن العوامل المشتركة، مثل الوظائف أو العادات. فهل تسوقوا جميعاً في نفس المتاجر؟ أم هل كانوا مسافرين قد عادوا حديثاً من خارج المدينة؟ أو هل كانوا أفراداً من نفس العائلة أو علماء في مختبرات؟

في وباء السارس، سرعان ما اتضح أن الطهاة والأشخاص الذين يتعاملون مع الحيوانات كانوا يمثلون أولى الحالات. وكان لدى العديد منهم أجسام مضادة للفيروس أيضاً. أظهر ذلك وجود ارتباط مع الأطعمة الحيوانية، وهو ما تم تأكيده بسرعة عندما اكتشف فريق من هونج كونج فيروساً مطابقاً تقريباً عند حيوانات الزباد الموجودة في أقفاص السوق.

ما لم يعرفه العلماء في ذلك الوقت هو الأصل النهائي للفيروس، الذي اكتشفوه خلال السنوات التالية؛ فقد اكتشفوا أولاً أن الفيروسات الشبيهة بالسارس تتخذ موطناً طبيعياً لها في خفافيش حدوة الحصان، ثم اكتشفوا أخيراً في عام 2013 فيروساً مشابهاً جداً ويمكنه أيضاً إصابة البشر. وقد أطلقت عليه شي جينجلي، كبيرة الباحثين في مجال فيروسات الخفافيش في معهد ووهان لعلم الفيروسات، التي كانت محور ذلك العمل، اسم “الحلقة المفقودة” في البحث عن أصل السارس.

ويختلف البحث هذه المرة اختلافاً جوهرياً؛ فالأصل المحتمل لفيروس كورونا الحالي معروف بالفعل، وهو قريب جداً من فيروسات الخفافيش المعروفة. وحتى قبل بدء تفشي الجائحة، درس معهد ووهان فيروساً تتطابق جيناته بنسبة 96% مع فيروس كورونا. ويعدّ ذلك تطابقاً جيداً كتطابق “الحلقة المفقودة” التي تم العثور عليها في حالة السارس.

الحيوان الذي نقل فيروس كورونا للبشر

مسؤولون من إدارة المنتزهات الوطنية في تايلاند يرافقون علماء بيئة في مهمة لجمع الخفافيش في محاولة لفهم أصول كوفيد-19.
مصدر الصورة: لورين ديسيكا عبر صور جيتي

وهذا يعني أن السؤال الملحّ الآن ليس هو أصل المرض بقدر ما هو كيف انتهى الأمر بمثل هذا الفيروس في مدينة ووهان.

كانت الخطوة الأولى هي التأكد من أن تفشي المرض قد بدأ بالفعل في ووهان، وليس في أي مكان آخر. بذلت الصين جهوداً كبيرة إلى حد ما لمعرفة ما إذا كان كوفيد-19 قد انتشر دون أن تتم ملاحظته قبل ديسمبر 2019. قام الباحثون الصينيون بفحص السجلات في أكثر من 200 مستشفى في جميع أنحاء البلاد بحثاً عن أي حالات التهاب رئوي مشبوهة، وتتبعوا الكميات التي باعتها الصيدليات من شراب السعال، واختبروا 4500 عينة بيولوجية تم تخزينها قبل تفشي المرض، بما فيها عينات الدم التي كان من الممكن فحصها بحثاً عن الأجسام المضادة. ويقول فريق منظمة الصحة العالمية إنه أجرى مقابلة مع الموظف الذي كان في 8 ديسمبر 2019 أول حالة معروفة لكوفيد-19 في الصين.

حتى الآن، لا يوجد أي دليل على تفشي الوباء دون اكتشافه في مكان آخر قبل اكتشاف حالات ووهان. كما تقلل الأدلة الجينية أيضاً من احتمال انتشار الفيروس قبل ذلك بكثير. نظراً لتراكم الطفرات في الفيروس مع مرور الوقت، فمن الممكن تقدير الوقت الذي بدأ فيه بالانتشار بين البشر لأول مرة. وتشير هذه البيانات أيضاً إلى تاريخ بداية ذلك في أواخر عام 2019.

كانت نحو نصف الحالات الأولى، التي ظهرت في شهر ديسمبر، مرتبطة بسوق هوانان لبيع المأكولات البحرية بالجملة، الذي يعدّ متاهة من الأكشاك التي تبيع الأسماك المجمدة وبعض الحيوانات البرية، وهذا هو سبب الشك في أسواق الحيوانات. لكن القضية ليست محكمة؛ إذ تشير الأدلة الجينية إلى أن هذه الحالات هي فرع من أولى الفاشيات، وكان السوق مكاناً تم فيه تضخيم انتشارها، ولكن ليس بالضرورة أن يكون نقطة البداية.

وقال بن مبارك خلال مؤتمر صحفي عُقد على مدى ثلاث ساعات في شهر فبراير في ووهان حيث استعرض الفريق المشترك نتائجه: “الصورة التي نراها هي صورة تقليدية لنشوء الوباء، الذي يبدأ من بضع حالات متفرقة، ثم ينتشر في مجموعات عنقودية، بما في ذلك ما حدث في سوق هوانان”.

ترتيب الفرضيات

لا يزال السؤال عن مكان وتوقيت انتقال الفيروس إلى البشر قائماً. خلال نفس المؤتمر الصحفي، وضع بن مبارك وليانغ، اللذان قادا الفريق المشترك بين منظمة الصحة العالمية والصين، ما وصفاه بأربع فرضيات رئيسية وصنفاها من الأقل احتمالاً إلى الأكثر احتمالاً.

الفرضية الأولى هي أن شخصاً ما أصيب مباشرة بالعدوى من الخفاش أو فضلاته، تعدّ العدوى المباشرة محتملة بسبب كيفية ارتباط هذه الفيروسات بالمستقبلات الموجودة على الخلايا البشرية. لكن الانتقال المباشر غير مرجح كسبب للوباء الحالي؛ وذلك لأن الخفافيش التي تأوي فيروسات شبيهة بالسارس تعيش على بعد مئات الأميال من ووهان. وقال بن مبارك خلال الحدث الصحفي: “نظراً لأن ووهان لا تعدّ مدينة أو بيئة قريبة من بيئة هذه الخفافيش، فإن الانتقال المباشر من الخفافيش غير مرجح”.

اتفق الباحثون على تجاهل نظرية التسرب من المختبر باعتبارها “غير مرجحة للغاية”، قائلين إنهم اتفقوا على عدم البحث فيها بشكل أكبر. وكان منطقهم بسيطاً إلى حد ما، حيث أخبرهم العلماء الصينيون العاملون في العديد من مختبرات ووهان بأنهم لم يروا هذا الفيروس من قبل ولم يقوموا بأي أعمال عليه. ووفقاً لأحد المترجمين، قال ليانغ: “قد يحدث تسرب لفيروس، لكنه يجب أن يكون فيروساً معروفاً أو موجوداً. إذا لم يكن موجوداً، فلن تكون هناك أي طريقة يتسرب من خلالها هذا الفيروس”.

لا تعدّ هذه الحجة معصومة عن الخطأ؛ إذ كانت المختبرات المحلية تعمل على أخذ عينات من كهوف الخفافيش وإحضارها إلى ووهان للدراسة. وهذا يعني أن الباحثين ربما كانوا على اتصال مع فيروسات غير مألوفة. كما أن المختبرات لم تكن صريحة تماماً بشأن الفيروسات التي تعرفها؛ إذ يمتلك معهد ووهان لعلم الفيروسات معلومات جينية حول فيروسات مماثلة لم ينشرها علناً. وتوارت معلومات أخرى عن الأنظار عندما أزال المعهد قاعدة بيانات من الإنترنت في أواخر عام 2019، مباشرةً قبل بدء تفشي الوباء.

تتمثل إحدى مشكلات نظرية التسرب من المختبر في أنها تفترض أن الصينيين يكذبون أو يخفون الحقائق، وهو موقف لا يتوافق مع الجهود العلمية المشتركة. فعلى سبيل المثال، قد يكون هذا هو السبب وراء عدم طلب فريق منظمة الصحة العالمية مطلقاً رؤية قاعدة البيانات التي تمت إزالتها من الإنترنت. يقول بيتر داشاك، رئيس منظمة إيكوهيلث أليانس، الذي تعاون مع مختبر ووهان لسنوات عديدة وبتمويل بعض أعماله، إنه “لا يوجد أي دليل” على الإطلاق يدعم نظرية المختبر. ويضيف عن نظرية المختبر: “إذا كنت تعتقد بشدة [بأن] ما نسمعه من زملائنا الصينيين في المختبرات ليس صحيحاً، فلن نتمكن أبداً من استبعاد ذلك. هذه هي المشكلة. لا تعدّ هذه النظرية في جوهرها نظرية مؤامرة، لكن الناس طرحوا الأمر على هذا النحو، قائلين إن الجانب الصيني تآمر للتستر على الأدلة”.

بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون باحتمال حدوث تسرب من المختبر، بمن فيهم جيمي ميتزل، أحد زملاء التكنولوجيا والأمن القومي في المجلس الأطلسي، فإن فريق منظمة الصحة العالمية لم يتم تعيينه لإجراء هذا النوع من التحقيق الجنائي الذي يعتقد بأنه ضروري. ويقول: “كل شخص على وجه الأرض يعد معنياً في هذه الأمور. من غير المعقول أنه لم يتم إجراء تحقيق كامل في أصول الوباء بعد مرور عام عليه”. في شهر فبراير، نشر ميتزل بياناً قال فيه إنه “أصيب بالذعر” من دحض المحققين السريع لفرضية المختبر ودعا إلى استبعاد داشاك من الفريق. بعد عدة أيام، ظهر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس وهو ينتقد بشدة فريق البحث عن الأصول في خطاب قال فيه: “أريد أن أوضح أن جميع الفرضيات لا تزال قائمة وتتطلب مزيداً من الدراسة”.

إن السيناريو الذي يعده الفريق المشترك بين منظمة الصحة العالمية والصين الأكثر احتمالاً هو نظرية “الوسيط”، التي انتقل فيها الفيروس من الخفافيش إلى حيوان بري آخر تم صيده أو تربيته من أجل الغذاء. تمتلك نظرية الوسيط أقوى السوابق؛ فلا يقتصر الأمر على حالة السارس فحسب، بل اكتشف الباحثون في عام 2012 متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)، وهي عدوى رئوية مميتة يسببها أحد فيروسات كورونا الأخرى، وتم نسب أصله بسرعة إلى الإبل العربية.

تكمن مشكلة هذه الفرضية في أن الباحثين الصينيين لم ينجحوا في العثور على “سلف مباشر” لهذا الفيروس في أي حيوان قاموا بدراسته. وقال ليانغ إن الصين اختبرت 50,000 عينة حيوانية، بما فيها 1,100 خفاش في مقاطعة هوبي، التي توجد فيها مدينة ووهان. لكن لم يحالفهم الحظ، ولم يتم العثور على فيروس مطابق حتى الآن.

يبدو أن الفريق الصيني يفضل بشدة تغيير فكرة الحيوان الوسيط، بأن الفيروس ربما وصل إلى ووهان في شحنة أغذية مجمدة كانت تحتوي على حيوان بري مجمد. قد تكون فرضية “سلسلة التبريد” هذه جذابة لأنها تعني أن الفيروس قد جاء من مسافة آلاف الأميال، من خارج الصين حتى. تقول ماريون كوبمانز، عالمة الفيروسات الهولندية التي رافقت المجموعة في سفرها: “نعتقد أن هذا الخيار ممكن.” وقالت إن الصين اختبرت 1.5 مليون عينة مجمدة ووجدت الفيروس 30 مرة. وتضيف: “قد لا يكون ذلك مفاجئاً وسط تفشي الوباء، عندما يتعامل الكثير من الناس مع هذه المنتجات. لكن منظمة الصحة العالمية طلبت دراسات، حيث وضعت الفيروس على الأسماك وجمّدتها وأذابتها وما زال يمكنها زراعة الفيروس. لذا فالأمر الممكن. لا يمكن استبعاد ذلك”.

تبادل اللوم

من المتوقع أن يقترح الفريق المشترك بين منظمة الصحة العالمية والصين في تقريره النهائي ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث، وهذا أحد أسباب أهمية التقرير، فهو قد يحدد الأسئلة التي يتم طرحها والتي لا يتم طرحها.

من المحتمل أن يكون هناك جهد أكبر لتتبع تجارة الحيوانات البرية، بما في ذلك سلاسل التوريد للمنتجات المجمدة. بالإضافة إلى الأدلة الحيوانية، فقد قال بن مبارك إنه يجب أيضاً على الصين بذل جهد أكبر لتحديد الأشخاص الذين أصيبوا بفيروس كورونا في وقت مبكر، ولكن ربما لم تظهر عليهم أعراض أو لم يخضعوا للاختبار. يمكن القيام بذلك عن طريق البحث في العينات الموجودة في بنوك الدم، باستخدام تقنيات أحدث وأكثر حساسية لتحديد الأجسام المضادة. وقال بن مبارك: “نحن في حاجة إلى مواصلة البحث عن المواد التي يمكن أن تعطي فكرة عن الأيام الأولى للأحداث”. بالإضافة إلى ذلك، من المحتمل أن يدعو التقرير إلى إنشاء قاعدة بيانات رئيسية تحتوي على كافة البيانات التي تم جمعها حتى الآن.

الحيوان الذي نقل فيروس كورونا للبشر

المسؤول في منظمة الصحة العالمية بيتر بن مبارك (على اليمين) وهو يتصافح مع ليانغ وانيان بعد مؤتمر صحفي في ووهان الصينية في 9 فبراير 2021، حيث قاما بتصنيف أربع نظريات لكيفية بدء جائحة كوفيد-19.
مصدر الصورة: كيودو عبر صور أسوشييتد برس

في النهاية، لا نريد من بحثنا عن سبب كارثة كوفيد-19 معرفة ما حدث فحسب، ولكننا نبحث أيضاً عن شيء ما -أو شخص ما- نلقي اللوم عليه. وتشير كل فرضية إلى متهم مختلف. بالنسبة لعلماء البيئة، فإن الدرس المستفاد من الوباء هو نتيجة مفروغ منها تقريباً، وهي أنه يتعين على البشر التوقف عن التعدي على المناطق البرية. يقول عالم الأوبئة البريطاني جون واتسون: “لقد أدركنا كيف أن هذا النوع من التحقيقات لا يتعلق بالمرض لدى البشر فحسب، ولا بالتفاعل بين البشر والحيوانات كذلك، ولكنه يصبّ في نقاش أوسع تماماً حول كيفية استخدامنا للعالم”.

في غضون ذلك، تتخذ السلطات الصينية بالفعل إجراءات بشأن نظرية الوسيط من خلال تحميل المسؤولية لمزارعي الحيوانات البرية وتجارها. ووفقاً للراديو الوطني العام، فقد بدأت الهيئات التشريعية الصينية في شهر فبراير الماضي باتخاذ خطوات “لاجتثاث العادة الضارة المتمثلة في أكل الحيوانات البرية”. وبناءً على طلب الرئيس شي جين بينغ، فقد حظرت بالفعل صيد وتجارة واستهلاك عدد كبير من “الحيوانات البرية”، وهي خطوة لم يتم تنفيذها بالكامل بعد تفشي وباء السارس. ووفقاً لتقرير في مجلة نيتشر، فقد أغلقت الحكومة الصينية بالفعل 12,000 عمل تجاري وأزالت معلومات حول تجارة الحيوانات البرية من مليون موقع إلكتروني وحظرت تربية فئران الخيزران والزباد، من بين أنواع أخرى.

كما أن هناك احتمال لأن يكون كوفيد-19 نتيجة تسرب من المختبر. إذا كان ذلك صحيحاً، فسيكون له عواقب وخيمة، وخاصة بالنسبة للعلماء، كأولئك المسؤولين عن العثور على أصل الفيروس. إذا كان الوباء ناتجاً عن بحث طموح ينطوي على تكنولوجيا متقدمة على الفيروسات الخطرة، فإن ذلك يعني أن صعود الصين السريع كقوة تكنولوجية حيوية يمثل تهديداً للعالم. وقد يعني ذلك أنه يجب تقييد هذا النوع من الأمور العلمية بشدة، أو حتى حظره، سواءً في الصين أو في أي مكان آخر. وبشكل أكثر من أي فرضية أخرى، فإن فرضية خروج برنامج تكنولوجي ترعاه الحكومة عن السيطرة، بالإضافة إلى الجهود المبكرة للتكتم على أخبار تفشي الوباء، من شأنها أن تؤدي إلى الحساب. يقول مايلز يو، المحلل في معهد هدسون المحافظ: “إذا كانت هذه الكارثة من صنع الإنسان، فأعتقد أن العالم ينبغي أن يسعى للحصول على تعويضات”.

ووفقاً لبعض الباحثين السابقين عن الفيروسات، قد يرد في تقرير أصول الفيروس المشترك بين منظمة الصحة العالمية والصين أمور مختلفة عما سمعناه حتى الآن. يقول شنور إن الصينيين ربما يعرفون أصلاً أكثر مما نعتقد، لذلك قد يكون دور الفريق هو إيجاد طرق لتسليط الضوء على هذه الحقائق. إنها عملية يصفها بأنها “دبلوماسية في جزء منها ووبائية في جزء آخر”. ويعتقد أن تحقيق الصين كان دقيقاً للغاية على الأرجح وأن الزوار الأجانب قد يكون لديهم أيضاً آراء أقوى مما كشفوا عنه حتى الآن.

وكما يشير بقوله: “إن ما تقوله في مؤتمر صحفي قد يكون مختلفاً عما تكتبه في تقرير بمجرد مغادرتك البلاد”.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.