Article image
مصدر الصورة: جوشوا نيوتن/ أنسبلاش



تستطيع عائلة من فناني الشوارع المشي فوق الجمر دون الإحساس بالألم. فما سر هذه القدرة الغريبة، وكيف يمكن أن تفيد الآخرين؟

كان عمر ذلك الفنان الذي يؤدي العروض في الشوارع عشر سنوات فقط عندما كان يخرق ذراعيه بالسكاكين ويمشي فوق الجمر الملتهب، غير أنه تُوفي في الرابعة عشرة بعد أن تحداه أحدهم للقفز من فوق السطح، حيث قفز متأكداً أنه لن يشعر بالألم!

تم توصيف حالة هذا الصبي الباكستاني الذي يحمل خللاً جينياً عام 2006؛ حيث كان قادراً على الإحساس بالدفء والبرد وملمس الأشياء، ولكنه لم يشعر بالألم على الإطلاق.

والآن قرر العلماء استثمار هذا الاكتشاف باستخدام أداة تعديل الجينات كريسبر، ويصفون عملهم بأنه خطوة نحو الأمام في العلاج الجيني الذي يمكن أن يوقف الألم الشديد الذي يتسبب فيه السكري أو السرطان أو حتى حوادث السيارات، ومن دون آثار جانبية تؤدي إلى الإدمان كما يحدث في حالة المسكنات الأفيونية.

وقد تمت تجربة الطريقة الجديدة للقضاء على الألم -التي تعتمد على محاكاة التحول الجيني النادر الذي كان يتمتع به الصبي الباكستاني- على فئران التجارب في مختبر براشانت مالي في جامعة كاليفورنيا، سان دييجو. وقد أُجري البحث بقيادة آنا مورينو، وهي تشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي للشركة الناشئة نافيجا ثيرابيوتيكس، التي تخطط لتطوير علاج للألم باستخدام كريسبر.

في هذا البحث، استُخدمت كريسبر من أجل إحداث صدّ مؤقت لجزيء هام في العصبونات الناقلة للألم في النخاع الشوكي لدى الفئران، وقد وُصفت التفاصيل في بحث نُشر قبل الطباعة في يوليو. لم ترغب الشركة في التعليق على الموضوع قبل النشر الرسمي، ولكن الفكرة تقوم على حقن السائل الدماغي الشوكي بدقائق فيروسية تحمل نسخة معدلة من جين تم تعديله باستخدام كريسبر لقطع إشارات الألم.

لم تبدأ اختبارات العلاج الجيني للبشر باستخدام كريسبر إلا مؤخراً. وفي هذه السنة، بدأت كريسبر ثيرابيوتيكس بمعالجة مرضى فقر الدم المنجلي، كما بدأت شركة إيديتاس ميديسين بالتخطيط لعكس أثر أحد الأمراض الوراثية التي تؤدي إلى العمى. ويتضمن كلا البرنامجين تغييرَ سلاسل الدنا داخل الجينوم البشري لتفعيل الجينات المطلوبة.

قد يؤدي علاج الألم إلى امتداد علاجات كريسبر نحو أمراض أكثر شيوعاً، حيث إن 20% تقريباً من الأميركيين يعانون من ألم مزمن وفقاً لمركز مكافحة الأمراض والوقاية منها. كما يبين المشروع أن البحث عن الطفرات الجينية يسمح للعلماء بتحديد أسباب القوى الجسدية الخارقة لدى بعض الأشخاص، واستخدام التعديل الجيني لمنح هذه القوى للآخرين.

البحث عن جين الألم
بدأ الاندفاع نحو جيل جديد من علاجات الألم عندما اكتشف العلماء الجين SCN9A، الذي يقوم بتصنيع الجزيء Nav1.7 الموجود في الأعصاب، والذي يلعب دوراً هاماً في نقل الألم إلى الدماغ. وقد توصل العلماء إلى إثبات الدور المركزي لهذا الجين بدراسة الأشخاص الذين يعانون من أعراض وراثية غريبة؛ فقد أدت بعض التحولات في الجين إلى زيادة شدة الألم، في حين أن الصبي الباكستاني كان ينتمي إلى عائلة مصابة بتحول أدى إلى تعطيل الجين SCN9A تماماً.

هذا التأثير الواضح لهذه الاختلافات الجينية -زيادة الألم، أو اختفائه تماماً في حال تعطيل الجين- قد اجتذب اهتمامَ شركات الأدوية إلى درجة كبيرة. وقد اعتُبر الجين أفضلَ مثال على اكتشاف “الأهداف” الدوائية القيِّمة عن طريق دراسة الناس ذوي الصفات النادرة.

وحتى الآن، لم تتوصل الجهود الرامية إلى محاكاة تأثير انعدام الألم بالأدوية التقليدية إلى تحقيق نجاح مؤكد. وتقول شركة جينيتيك إنها ما زالت تبحث عن أدوية “دقيقة الاستهداف” لصد Nav1.7، كما وصفت مؤخراً كيف يمكن تحقيق هذا باستخدام سموم من العقارب والعناكب.

وقد حاول الباحثون استخدام العلاج الجيني لتثبيط فعالية Nav1.7 من قبل؛ حيث حدث هذا في 2005 باستخدام أسلوب آخر لتعديل الجينات، وتعمل شركتان على الأقل -فوياجر ثيرابيوتيكس وكودا بيوثيرابيوتيكس- على دراسة العلاجات الممكنة.

غير أن هذا العمل الأخير، الذي تحدث عنه التقرير الجديد، هو الأول من نوعه من حيث استخدام كريسبر لمعالجة الألم في الفئران. يقول جون وود من جامعة لندن: “تشير البيانات التي حصلنا عليها من الحيوانات إلى أنك ستبقى قادراً على الإحساس بالحرق من إبريق ساخن، ولكن الألم سيكون أخف بكثير”. وقد وصف استخدام كريسبر في العلاج بأنه “تطور كبير”.

ولا يخلُ خداع الألم من بعض السلبيات؛ حيث إن أولئك الذين تحتوي جيناتهم على تحولات تمنع الإحساس بالألم يعانون من ضعف في حاسة الشم، كما أن غياب الألم يجعلهم غير قادرين على وجود إصابة ما في الجسم. وقد كان بعض أفراد تلك العائلة الباكستانية يعرجون بسبب الكسور، كما أن بعضهم الآخر فقدوا أجزاء من ألسنتهم، فقد عضّوها دون أن يشعروا بالألم.

وما زالت هناك الكثير من التساؤلات حول مدى فعالية كريسبر لمحاربة الألم، بما في ذلك الأمد الزمني للأثر، وكيف يمكن أن يؤثر على الألم الموجود من قبل، وهو شيء لم يدرسه الباحثون. إضافة إلى ذلك، فإن العلاج الجيني يتطلب استخدام تكنولوجيات متطورة، إضافة إلى التكاليف الباهظة، فقد وصلت تكاليف أحد العلاجات التي تمت الموافقة عليها إلى 2.1 مليون دولار. يقول وود: “إن دفع هذا العمل إلى الأمام حالياً سيكون أقرب إلى المقامرة بالنسبة للمستثمرين. ولا شك في أنه عمل مثير، وأنه سيتحول يوماً ما إلى حقيقة واقعة، ولكن لديه في هذه اللحظة الكثير من المشاكل”.

جنود خارقون
من المرجح أن تجتذب أية أساليب جديدة للتحكم في الألم اهتمام العسكريين، الذين يبحثون عن تكنولوجيات تتيح للجنود متابعة الحركة وإطلاق النار والتواصل لعدة أيام بعد الإصابة، وذلك وفقاً لملخص حول محاضرة مقبلة لبيتر موراي من قيادة الجيش الأميركي للبحث والتطوير الطبي. وقد كتب موراي في الملخص أن السؤال الهام هو التالي: “هل يمكننا تركيب مسكن ألم قادر على علاج الألم الشديد بعد الإصابة دون التأثير على الوظائف الإدراكية والحركية؟”.

في 2017، قال فلاديمير بوتين للطلاب في أحد الاحتفالات الشبابية في سوتشي أن الهندسة الجينية يمكن أن تؤدي إلى ظهور جنود لا يشعرون بالألم أو الخوف، وهو ما يمكن أن يكون “أكثر إخافة من القنبلة الذرية”.

وبالإضافة إلى التحول الذي يقضي على الألم، هناك تحول جيني آخر يمكن أن يسمح لمراقب الحركة الجوية -أو الجندي- بالاكتفاء بأربع أو خمس ساعات من النوم يومياً.

ومع تطور أساليب العلاج الجيني وتناقص تكاليفها، فقد يصبح من الممكن إحداث تحسينات متكررة على الناس عن طريق تغييرات جينية مماثلة.


شارك



المحرر الرئيسي في مجال الطب الحيوي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو.