Article image




قام الذكاء الاصطناعي بحذف منشورات وتغريدات خاصة بمستخدمي منصات التواصل الاجتماعي بشكل عشوائي في الآونة الأخيرة، فما السبب؟

2020-04-15 21:10:59

30 مارس 2020

في 26 مارس الحالي، نشرت الصحافية اللبنانية نسرين مرعب منشوراً على فيسبوك تحدثت فيه عن إقدام المنصة على حظر نشاطها لمدة 90 يوماً، على خلفيّة منشور كانت قد نشرته في عام 2017. وفي اليوم نفسه حظر فيسبوك ما يقارب 20 شخصاً من دائرة أصدقاء نسرين لأسباب ما زالت مجهولة.

لم تتمكن نسرين من تقديم طلب اعتراض على الحظر الذي تراه غير مبرر، وقالت لإم آي تي تكنولوجي ريفيو: “أتخوف من استمرار عملية الحظر العشوائي، خصوصاً أني صحافية أكتب عن مواضيع سياسية”، وأضافت مرعب: “إن فيسبوك صُنِعَ كي يكون منصة للتعبير بحرية، ولكن استخدام المنصة للذكاء الاصطناعي يهدد حريتنا كمستخدمين”.

ويُذكر أنه في صباح يوم الأربعاء 18 مارس، كتبت المترجمة سام برنر على صفحتها في فيسبوك منشوراً، قالت فيه: “إن فيسبوك يحذف كل المنشورات حول فيروس كورونا، يحذف حتى مقالات موثوقة من مجلات وصحف”. لقد أرسل فيسبوك رسالة لبرنر حذّرها من أنها اخترقت لثلاث مرات متتالية سياسةَ مجتمع فيسبوك. ولكن المثير للاهتمام أن واحدة من المقالات التي حذفها فيسبوك لبرنر تتناول بحثاً لوكالة ناسا الأميركية عن مادة النيتروجين دايوكسايد. ومن ضمن التعليقات على المنشور، قالت إحدى المستخدمات: “لقد حذف فيسبوك مقالة تتحدث عن الزرافة البيضاء التي انقرضت”.

إن فوضى الحذف -الذي يتسبب فيه الذكاء الاصطناعي في فيسبوك- تُعرِّض الحسابات الشخصية لخطر الحظر المؤقت، وهو قرار تتخذه الشركة في حال كشف تحليل البيانات الكبرى لأداء المستخدم قيامَ الأخير بأعمال تهدد أمن مجتمعها الرقمي. كذلك فإن عشوائية قرارات الذكاء الاصطناعي المتخذة حالياً تفتح الباب أمام القراصنة للتبليغ عن صفحات المستخدمين بهدف إغلاقها، انطلاقاً من التبليغ عن مواد تزعزع مجتمع فيسبوك، مما يقلص قدرة المستخدم للسيطرة على حسابه بشكل كامل. 

ولكن المنصة الأكبر على وسائل التواصل الاجتماعي ليست الوحيدة التي تعاني من الأحكام العشوائية التي يتخذها الذكاء الاصطناعي بحق المستخدمين، فتويتر أيضاً باشر بحذف التغريدات.

في 16 مارس، حذف تويتر 3 تغريدات نشرها الموظف الحكومي في الولايات المتحدة الأميركية، دافيد كلارك، كان قد أشار فيها إلى أن فيروس كورونا هو مؤامرة مدبرة تعمل على تدمير الرأسمالية في الولايات المتحدة، واصفاً المرض بالزكام العادي. ودعا كلارك الناس إلى الخروج للشارع واستئناف حياتهم الطبيعية، قائلاً: “أوقفوا السيطرة الحكومية على حياتنا”. وبدورها، بررت الشركة قرارها بأن الأخير نشر معلومات مضللة حول كورونا، فرد الرجل على إدارة تويتر قائلاً: “أنا لا أتلقى الأوامر من أحد”.

وفي الواقع، فإن قرار تويتر بحق دافيد كلارك قرارٌ واعٍ صدر عن موظف بشري، ولكن إذا نظرنا من ناحية أخرى، فسنجد أن منصات التواصل الإجتماعي تعاني من أزمة حذف فوضوية نتجت عن تسليم الشركات زمام الأمور للذكاء الاصطناعي لإدارة المنصات، بعد استغنائها المؤقت عن الموظفين البشريين بسبب كورونا؛ إذ أعلنت كل من فيسبوك ويوتيوب وتويتر عن أن الذكاء الاصطناعي سيحذف المزيد من المنشورات عن طريق الخطأ، كذلك نشرت يوتيوب رسالة لصانعي المحتوى تنبههم إلى المشكلة.

وكانت يوتيوب قد باشرت تقليص عدد الموظفين البشر في مكاتبها خوفاً من انتقال عدوى كورونا، كذلك فعلت شركة “ألفابت”، و”جوجل”، ,و”ريديت” وشركات تكنولوجية أخرى

مكافحة الأخبار المزيفة عن كورونا

في بداية مارس، صرح الأمين العام لمنظمة الصحة العالمية تدروس فبرايسوس قائلاً: “نحن لا نحارب وباء كورونا، نحن نحارب وباء الأخبار المزيفة”. وكان من بين هذه الأخبار المزيفة -التي انتشرت على المنصات- مقارنة كورونا مع الرشح، ودعوة الناس إلى استكمال حياتهم بشكلها الطبيعي، وتبادل الاتهامات بين الدول بتحمل مسؤولية نشر الفيروس، وقيام فئات عنصرية بتبديل اسم فيروس كورونا إلى الفيروس الصيني؛ مما زاد خطاب الكراهية ضد الصينيين ودول أخرى تعاني من خروج الوباء عن سيطرتها.

وقد صدر بيان مشترك لجوجل وفيسبوك وتويتر ويوتيوب وريديت ومايكروسوفت، جاء فيه تحذير من المعلومات المغلوطة عن فيروس كورونا التي تسيء إلى أمن المجتمع الرقمي، ودعا البيان بقيّة الشركات للانضمام إلى الحملة الرقمية لحماية المستخدمين من الأخبار المزيّفة عن طبيعة المرض ومخاطره. 

لماذا تستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي؟

يتأسس الذكاء الاصطناعي الذي تستخدمه الشركات التكنولوجية الكبرى على مستويَيْن، الأول هو التعلم الآلي، والآخر هو التعلم العميق. وعادة ما تشيّد الشركات التكنولوجية -خصوصاً تلك التي تقدم منصات تواصل- ديمومتَها على نشاط المستخدمين وما ينتجونهُ من بيانات تتجاوز حجومها -في الساعة الواحدة- مرتبة الآلاف من التيرابايت‎.

وبما أن قدرة الإنسان محدودة على تحليل البيانات وفرزها بشكل صحيح لتأسيس توقعات عمليّة مستقبلية تستهدف المستخدمين عبر الإعلانات. يقوم التعلم الآلي بتحليل البيانات ورصد عبارات وأنماط سلوك محددة؛ من أجل اتخاذ قرارات إما أحادية الجانب، أو بتدخل بشري.

في الوقت الراهن، ومع الانتقال إلى مستوى جديد من الذكاء الاصطناعي القادر على اتخاذ قرارات بمستوى أقل من التدخل البشري، فإن أجهزة التعلم الآلي أضحت قادرة على برمجة نفسها للتكيّف مع عبارات وأنماط بشرية دون الحاجة إلى تدخل كبير من قِبل المُهندس.

على مستوى التعلم الآلي، يقوم المهندس بتدريب الآلة على معادلات خوارزمية معقدة تتيح للتعلم الآلي في المستقبل معالجة وإنشاء قاعدة بيانات لغوية وبصرية وغيرهما.

وعبر الممارسة، يطوّر التعلم الآلي أداءه لتقفي العبارات والأنماط الأكثر إثارة للجدل. وعلى هذا المنوال، يستطيع التعلم الآلي حذف منشورات يراها غير مناسبة مع سياسات الشركة من خلال مقارنتها مع البيانات التي منحه إياها المبرمج. كذلك فمن المهام التي يؤديها التعلم الآلي: ربط البيانات المتشابهة بعضها ببعض. ومثال على ذلك، حين يتعقب التعلم الآلي النشاط الموسيقي لمستخدم، فيبني شبكة تربط الذائقة الموسيقية للمستخدم مع مستخدمين آخرين، مما يخول التعلم الآلي إعطاء اقتراحات تناسب الذوق الموسيقي للمستمع، مستمدة من البيانات الكبرى لمجموعة مستخدمين لديهم نفس الميول الموسيقية.

أما التعلم العميق، فعمله أكثر تعقيداً؛ حيث يمنحه المُصنع بيانات عشوائية ويطلب منه فقط تحليلها لتطوير أدائه، كأن يعطيه المُصنع في المرحلة الأولى بيانات عن العصافير والكلاب والبشر، وفي المرحلة الثانية -التي تكون دون تدخل بشري- يقوم التعلم العميق بمعالجة البيانات، حتى يستطيع التمييز بين هذه الكائنات المختلفة.

لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي؟ 

في كل مرة يتم فيها تغذية التعلم العميق والتعلم الآلي بالبيانات، يصبح أداء الذكاء الاصطناعي أفضل. ولكن رغم القوة التي تتمتع بها هذه التقنية، إلا أنها ما تزال في حاجة إلى الكثير من التمرين والتحسين حتى لا تواجه أزمات كالتي تواجهها مع فيروس كورونا. ففي بعض الحالات، يقوم التعلم الآلي باتخاذ قرارات غير دقيقة، بسبب نقصٍ في بيانات التعلم العميق، أو من المرجح أن التعلم العميق عالج البيانات وحللها بأسلوب خاطئ يحتاج إلى تدخل بشري لإصلاحه.

عندما يصطدم الذكاء الاصطناعي بمشكلة، يكون على المبرمج البشري التدخل في عمل التعلم العميق والتعلم الآلي وإعادة توجيههما، وهو ما تقوم به الشركات التكنولوجية حالياً للتخلص من مشكلة حذف المنشورات عشوائياً. 

ولكن كيف يمكن أن يحدث خطأ كهذا؟ لنأخذ على سبيل المثال شركة فيسبوك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي ديب تكست (deeptext) لتحليل البيانات التي ينتجها المستخدمين. حيث يحول ديب تكست  البيانات إلى كلمات، سواءً كانت صوراً أو تسجيلات صوتية أو فيديوهات. ومن خلال الكلمات، يطوّر الذكاء الاصطناعي أداءه ليتعلم بنفسه كيفية استخدام الكلمات لإصدار حكم صحيح نحوها.

من المؤكد أن الذكاء الاصطناعي تلقى ملايين البيانات عن فيروس كورونا، هذه البيانات مصحوبة بكلمات عن الذعر والخوف من الإصابة بفيروسٍ مقترن الحديث عنه بكلمات عن الموت بعد أن تم تسجيل آلاف الوفيات لأشخاص أصابهم الفيروس. كما تشمل البيانات عن كورونا كلمات أخرى عن الألم الجسدي، كارتفاع الحرارة والتقيؤ والألم الشديد في الحنجرة والرئتين. وقد وصل الأمر ببعض المستخدمين إلى التنبؤ بأن فيروس كورونا سيقضي على البشرية، على ضوء قيام معظم حكومات دول العالم بتطبيق حظر تجول ومنع التجمعات البشرية.

كل هذه البيانات بطبيعتها التهويلية قد توافقت مع سياسات فيسبوك التي تنص على حجب أو منع أي محتوى أظهر تحليل البيانات وجودَ كلمات فيه قد تصيب الذعر للناس، لذلك كَثُر في الآونة الاخيرة تلقي المستخدمين لرسائل تخبرهم أنهم يخالفون “أمن مجتمع فيسبوك”.

مستقبل البيانات عن كورونا

باتت البيانات عن كورونا ضخمة جداً، منها بيانات ذات طبيعة حيوية موجودة في المختبرات والمستشفيات على شكل عينات لفيروس كورونا، بالإضافة إلى المرضى في غرف العزل الطبي. ومن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي يساهم في دعم آلية تحليل البيانات عن طبيعة المرض ومقارنة طفرته الجينيّة مع عدد كبير من الأمراض والفيروسات، مما يسهل الوصول إلى تركيبة طبيّة أو لقاح في المستقبل، فقد أعلنت شركة “كيور فاك” الألمانية التي تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي في عملها عن نجاح أول اختبار للقاح كورونا.

وثمة ثغرة كشفها كورونا، هي أن هذا الوباء الذي ينتقل جماعياً قد كشف عن مدى الأثر التكنولوجي في تصميم العالم الحديث؛ إذ إن الطاعون الذي انتشر قبل عصور قد احتاج إلى سنوات حتى تمكّن في نهاية المطاف من غزو كل مدن أوروبا، بينما تم استخدام اللقاح الأول عام 1890. لقد كان لخط القطار السريع في الصين دورٌ في نشر كورونا، كما لعبت الطائرات دوراً فعالاً في نشره على نطاق دول العالم.

للتكنولوجيا دورٌ سلبي في نشر المرض، ولكن ينظر البشر إلى التكنولوجيا على أنها منقذهم الوحيد من جحيم الوباء. وفي منتصف شهر مارس الحالي، نشر العالم الفرنسي فرنسوا بالو تغريدة تحدث فيها عن تحليل بيانات عن كيفية انتشار فيروس كورونا عبر الحوسبة الكمومية. وأظهرت بياناته التي تمت مقارنتها ببيانات أخرى للأوبئة أن كورونا يشبه مرحلة انتشار الأوبئة في القرن الماضي، وتوقعت البيانات أن يختفي الفيروس في الربيع القادم ليعود بشكل أعنف في شتاء 2021.

في السابق كان إيجاد لقاح لفيروس أو مرض معيّن يتطلب سنوات، ولكن في ظرف أقل من شهرين على انتشار الوباء، اجتازت شركات تكنوطبية أشواطاً في أبحاثها لفهم الطفرة الجينية للوباء.

ورغم الفوضى التي يعوم بها الذكاءُ الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي ألحقت ضرراً بالمستخدمين، إلا أنه يعد الأملَ الوحيد لفهم المرض بشكل أسرع، وتحسين الأداء الطبي للتعامل معه، وحتى القضاء عليه نهائياً.