طوّر باحثون آلية جديدة لبناء ترانزيستورات فائقة الصغر يمكن التحكم في خصائصها بدقةٍ متناهية على المستوى الذري.

2020-05-17 19:56:56

17 مايو 2020
Article image
مصدر الصورة: سكرين شوت من فيديو موقع NSIT

تعتبر الحواسيب الكمومية أحد أبرز التوجهات المستقبلية المرتبطة بتطور الصناعة الحاسوبية، وبالرّغم من الآمال الكبيرة المعقودة عليها فإنها لا تزال تعاني من مشاكل مرتبطة بالقدرة على تصنيع الكيوبت، وحدة تمثيل المعلومات في هذا النمط من الحواسيب، وذلك بسبب التعقيدات المرافقة لخصائص فيزياء الكم التي تجعل من التحكم في سلوك المادة عند أبعادٍ صغيرة جداً أمراً صعباً. وعلى صعيدٍ آخر، تواجه الصناعة الحاسوبية برمّتها تحدياً يكمن في القدرة على الاستمرار في تصغير الترانزيستورات (وحدات البناء الأساسية للمعالجات والشرائح الحاسوبية) لنفس السبب؛ صعوبة التحكم في سلوك المادة عند أبعادٍ متناهية في الصغر تقترب من حدود أبعاد الذرة الواحدة.

الآن، وفي سبقٍ علميّ جديد، أعلن فريقٌ من باحثي المعهد الوطني الأميركي للتقنية والمقاييس NSIT عن تمكنهم من بناء ترانزيستور ذرة منفردة يتصف بإمكانية التحكم في سلوك الإلكترونات بدقة ضمن البنية الهندسية للترانزيستور، وهو الأمر الذي من شأنه فتح بابٍ جديد أمام تطوير الصناعة الحاسوبية ككل وتطور الحواسيب الكمومية بشكلٍ خاص.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تصنيع ترانزيستور ذرة منفردة؛ إذ سبق وأن تم تحقيق هذا الإنجاز عبر فريقٍ بحثيّ في معهد كارلسروه للتقنية في ألمانيا، ولكن العمل الجديد يتضمن سبقاً فريداً في كونه يتيح طريقة لتصنيع هذا النمط من الترانزيستورات الفريدة مع إمكانية التحكم في سلوك عبور الإلكترونات ضمنها بما يتماشى مع أثر النفق الكمي (Quantum Tunneling)، وهذا يعني إمكانية التلاعب والتحكم في إحدى الخصائص الفريدة للعالم الذريّ التي تؤدي إلى ظواهر تبدو غير منطقية وغير مفهومة في عالمنا المرئيّ.

اعتمد الفريق على مفهومٍ بسيط من أجل بناء الترانزيستور الجديد: البناء خطوة تلو الأخرى، وهو نفس المفهوم المستخدم في صناعة الشرائح الحاسوبية السليكونية عبر تقنية الطباعة الحجرية الضوئية Lithography؛ حيث يتم تشكيل البنية المطلوبة عبر سلسلةٍ من الخطوات التي تتضمن إزالة وإضافة مواد معينة حتى الوصول للهيكلية المنشودة. استخدم الباحثون مجهر المسح النفقي STM مع ذرات السليكون والهيدروجين والفوسفور من أجل تصنيع بنية الترانزيستور.

وبالنسبة لأثر النفق الكمي، أظهر الباحثون القدرة على التحكم في عبور الإلكترونات ضمن الحيز الفيزيائيّ الخاص بالترانزيستور حتى لو لم تمتلك الإلكترونات الطاقة الكافية من أجل ذلك، وهو الأمر الذي يتعارض مع مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية؛ كي تستطيع مادة عبور حاجزٍ ما يجب أن تمتلك طاقةً حركية أكبر من قيمة الطاقة الكامنة لهذا الحاجز، بينما في حالة ميكانيك الكم وبسبب أثر النفق الكمي، يمكن لجسيمٍ مثل الإلكترون أن يعبر حاجزاً ما حتى لو كانت طاقته الحركية أقل من سوية الطاقة اللازمة لعبور هذا الحاجز، وما يجعل هذا الأمر أكثر أهمية هو أنه يتيح للترانزيستورات المبنية بهذه الطريقة بأن تُصبح “متشابكة Entangled”، أي أن التغير الذي سيطرأ على أحد الترانزيستورات سيؤدي لنشوء تغيرٍ في ترانزيستور آخر، حتى لو كان هنالك فاصل زماني ومكاني كبير بينهما. بمعنى آخر: ستصبح حالة هذه الترانزيستورات مرتبطة ببعضها البعض مهما كان موضعها. إن القدرة على تحقيق تحكم مثل هذا تعد خطوة هامة نحو إنجاز الحواسيب الكمومية.

أما بالنسبة لطريقة التصنيع نفسها، فهي تبدأ عبر توضيع طبقة من ذرات السليكون، تتبع بوضع طبقةٍ أخرى من ذرات الهيدروجين، ومن ثم يتم إزالة عدد من ذرات الهيدروجين عند مواضع معينة باستخدام مجهر المسح النفقي، وبالتالي ستصبح هناك فراغات على السطح ناتجة عن إزالة ذرات الهيدروجين يتم ملئها بجزيئات الفوسفين، التي بدورها ستتحلل لتقوم ذرات الفوسفور الناتجة عنها بتشكيل طبقةٍ جديدة ضمن طبقتي السليكون الأصليتين، ومن ثم يتم إضافة طبقات سليكون وإزالة بقايا ذرات الهيدروجين. ومن أجل تشكيل النواقل لطرفي الترانزيستور، يتم إضافة ذرات البالاديوم وتسخينها، بما يساهم في تشتتها ضمن البنية البلورية، وتشكيل مناطق من سليكون البالاديوم الذي يتم ربطه بنواقل من الألمنيوم، وهكذا يتم الحصول على ترانزيستور ذي ذرةٍ منفردة بداخله.

فيديو توضيحي لعملية تشكيل الترانزستور.
المصدر: موقع NSIT

بالإضافة لتقنية التصنيع الجديدة، أظهر الفريق البحثي قدرة متقدمة على التحكم في عبور الإلكترونات عبر الفجوات النفقية (Tunneling Gaps) لنماذج مختلفة من الترانزيستورات التي قاموا ببنائها، وذلك عبر زيادة أو إنقاص حجم الفجوة بمقدار يقل عن نانومتر واحد، وهذا بدوره يمثل إنجازاً آخر قد يكون له شأنٌ كبير ضمن الخطوات الرامية للوصول إلى الحواسيب الكمومية.

تم نشر النتائج المتعلقة بالعمل الجديد عبر ورقتين بحثيتين، الأولى في مجلة Advanced Functional Material التي تصف الطريقة الجديدة لبناء الترانزيستور، والثانية في مجلة Communication Physics التي تصف العمل البحثي المرتبط بالتحكم في سلوك الإلكترونات عبر الفجوة النفقية ضمن ترانزيستورات أحادية الذرة.


شارك