هل الثلاجات الفعالة في استهلاك الطاقة هي مستقبل الإسكان الحضري؟

14 دقيقة
هل الثلاجات الفعالة في استهلاك الطاقة هي مستقبل الإسكان الحضري؟
حقوق الصورة: ميريديث ميوتكي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لا يوجد ما يوحي بالابتكار بشكل مباشر في الخدوش والآثار المنتشرة في الشقق ووحدات الإسكان المتقادمة التي تقع ضمن نطاق هيئة الإسكان في نيويورك (اختصاراً “نايتشا” (NYCHA)). تمثل هذه الهيئة أكبر مؤجر للمساكن في المدينة، حيث تؤمن المسكن لشخص واحد من أصل كل 16 شخصاً من سكان نيويورك، وقد شهدت مبانيها تتفتت حرفياً بعد عقود من الصيانة المؤجلة والإشراف المتواضع.

وعلى غرار البنى المادية التي وصلت إلى مراحل متقدمة من التردي، ما أدى إلى تعطل المصاعد وتهالك الملاعب وتصدع واجهات المباني، فقد عانت الوكالة نفسها من سلسلة من الفضائح في السنوات الأخيرة بسب تفشي العفن وعمليات التدقيق الوهمية لكشف الرصاص. وأتى الإعصار ساندي في 2012 ليزيد الطين بلة، فتسبب بغمر الأنظمة الكهربائية وأنظمة التدفئة الموجودة في الأقبية بالماء. وبشكل عام، فإن هذا المشروع الإسكاني المدعوم حكومياً، والذي تخلى عنه الجميع، دخل مرحلة أطلق عليها المخططون المحليون اسم “الهدم بالإهمال“. وستحتاج صيانة المباني بشكل جيد إلى مبلغ يقدر بقيمة 40 مليار دولار تقريباً، أي 180,000 دولاراً لكل وحدة سكنية على الأقل.

اقرأ أيضاً: ما هو المنزل الذكي؟ وما هي أبرز التكنولوجيات التي تجعل منزلك ذكياً؟

مسابقة تصنيع الثلاجات الموفرة للطاقة

ولكن، ومنذ عدة سنوات، كانت هناك أدلة على إبداع مخفي ضمن هذه الوحدات، وضمن مطابخها تحديداً. فبحلول أواخر التسعينيات، أدركت نايتشا أن الثلاجات الموجودة في الكثير من الوحدات السكنية كانت بشكل أساسي “مستهلكة بشدة للطاقة“، فقد كانت متهالكة، وأبعد ما تكون عن الفعالية، وباهظة التكاليف للوكالة التي كانت تدفع فواتير الكهرباء للمستأجرين. وبالتعاون مع مؤسسات الخدمات المحلية، نظمت نايتشا مسابقة لشركات تصنيع الأدوات الكهربائية، وطلبت منها أن تصمم ثلاجات أصغر حجماً ومناسبة لحجم الوحدات السكنية وعالية الكفاءة، أما الجائزة فهي مجموعة من العقود مع نايتشا وغيرها من مؤسسات الإسكان الراغبة بشراء 20,000 قطعة سنوياً على الأقل. فازت بالمسابقة شركة “مايتاغ” (Maytag) بنموذجها الجديد آنذاك “ماجيك شيف” الذي ساعد نايتشا على تخفيف التكاليف عن طريق زيادة كفاءة استهلاك الطاقة، إضافة إلى التقليل من الانبعاثات. وفي المحصلة، باعت الشركة 150,000 ثلاجة بين العامين 1995 و2003. لقد كانت هذه العملية نموذجاً عن استخدام وزن الوكالة وقوتها السوقية لدفع الابتكار إلى الأمام. 

والآن، ترغب نايتشا بفعل الشيئ نفسه مع التدفئة والتبريد. فقد نظمت تحدي “التدفئة النظيفة للجميع”، حيث طلبت من الشركات المصنعة تطوير تكنولوجيات لضخ الحرارة بتكلفة زهيدة وتصاميم سهلة التركيب حتى يتم استخدامها في الأبنية. ويجب أن تكون الأجهزة المقدمة مصممة بحجم يتسع ضمن إطار النافذة القياسي، بحيث تحل محل وحدات التكييف الشائعة التي توضع في النوافذ، وتقوم بتدفئة وتبريد الشقة بفعالية دون استخدام سوائل التبريد، أو حرق الوقود الأحفوري بشكل مباشر.

وقررت الوكالة دعم المسابقة بتعهد شراء وتركيب 24,000 وحدة على الأقل من النموذج الفائز، في إطار خطة شاملة بقيمة 250 مليون دولار، على حين قررت هيئة ولاية نيويورك للبحث والتطوير في مجال الطاقة (اختصاراً “نايسيردا” (NYSERDA)) أن تقدم الدعم بتشجيع وكالات إسكان أخرى عبر الولاية والبلاد عموماً على المشاركة والتعهد بشراء وحدات جديدة. تقول مديرة إزالة الكربون من المساكن في نايسيردا إميلي دين: “نتوقع أن نستخدم هذا الأسلوب مراراً وتكراراً عندما نضطر لتلبية طلب كبير في السوق”.

ويمكن أن تكون النتائج كبيرة للغاية بالنسبة للوكالة والشركة الفائزة والمجتمع بذاته. فالاستثمار في زيادة فعالية التدفئة والتبريد في المباني جيد للبشر والكوكب، ويمكن إحداث أثر إيجابي كبير باكتشاف أساليب يمكن تطبيقها على نطاق واسع بسرعة وبتكاليف معقولة للتعامل مع التحديات المناخية. 

اقرأ أيضاً: دايسون توظّف خبرتها في المكانس الكهربائية لتطوير أجهزة التنفس الصناعي

وكما يشرح المهندس والرئيس التنفيذي لشركة “غراديينت” (Gradient)، وهي إحدى الشركات الناشئة المشاركة في تحدي نايتشا، فنسنت رومانين: “يشتري 8 ملايين شخص سنوياً في الولايات المتحدة أجهزة تكييف من النوع الذي يُركب في النوافذ، وتبلغ قيمة صناعة أنظمة التدفئة والتكييف والتهوية 100 مليار دولار سنوياً على مستوى العالم، وسيتضاعف عدد وحدات التكييف على الكوكب ثلاث مرات بحلول العام 2050، ومعظمها وحدات صغيرة مخصصة لغرفة واحدة مثل التي نحاول تسويقها، “وهو مؤشر كبير للسوق يمكن أن يؤدي إلى تسريع استخدام هذه التكنولوجيات”. 

برنامج واعد لتحسين استهلاك الطاقة

ولكن هذه ليست القفزة التكنولوجية الوحيدة التي تأمل نايتشا ونايسيردا بتحقيقها في السنوات المقبلة. حيث يهدف برنامج “ريتروفيت إن واي” (RetrofitNY)، وهو برنامج تجريبي بقيمة 30 مليون دولار، إلى دعم نوع جديد من التعديل الشامل للمباني لتحسين استهلاك الطاقة، ويقوم بشكل أساسي على تثبيت ألواح محكمة العزل ومقاومة لعوامل الطقس على السطوح الخارجية للمباني القديمة، وهي تقنية تم اختراعها وتطبيقها في هولندا من قبل منظمة لاربحية تحمل اسم “إينرجيسبرونغ” (Energiesprong)، والتي تعني “طفرة الطاقة”. ولن تتيح هذه الشرنقة المتطورة التخفيف من استهلاك الطاقة إلى حد كبير وحسب، بل يمكن تركيبها أيضاً دون طلب المغادرة من السكان. ومن المفترض أن المشروع الأول، “كاسا باسيفا” (Casa Pasiva) في بروكلين، سيُستَكمل قريباً لافتتاحه بشكل كامل في أكتوبر/ تشرين الأول، بعد تأخير بسبب الوباء. 

يقول مدير الاستدامة والبناء في مشروع الشراكة المجتمعية “رايزبورو” (Riseboro)، وهي مؤسسة تطوير لاربحية تدعم مشروع كاسا باسيفا، ريان كاسيدي: “منذ عدة سنوات، كان تنفيذ هذه التعديلات في نطاق عملنا أمراً مستحيلاً. وعلى الرغم من أن التكاليف قد تكون مرتفعة بعض الشيئ، فقد أصبح لدينا الآن ما نحتاجه من الأساليب والموارد”.

لطالما شعر الكثيرون بأن الابتكار الوحيد الذي تحتاجه الأبنية المتقادمة هو الهدم وبناء أبنية “خضراء” جديدة. ولكن تعديل الأبنية الموجودة من قبل أكثر استدامة بكثير من تدميرها وإنشاء أبنية جديدة. لقد أدت أزمة المناخ إلى ظهور حاجة ملحة بشدة للتخفيف من انبعاثات الكربون، وتحتاج أي خطة جدية لتحقيق هذا الأمر إلى إنفاق مبالغ ضخمة على تعديل بنى الإسكان القديمة ومنخفضة الفعالية من حيث استهلاك الطاقة. وببساطة، فإن الاعتماد على هدم البنى القديمة يعني تكلفة باهظة للغاية، سواء من حيث الأموال أو الكربون.

ويبلغ استهلاك المباني من الطاقة، خصوصاً المتقادمة ومنخفضة الفعالية منها، نحو 40% من كامل استهلاك البلاد من الطاقة. ويبلغ عمر أكثر من نصف الوحدات السكنية المتاحة للاستئجار في البلاد أكثر من نصف قرن، وتقدر وزارة الطاقة أن 75% من مباني الولايات المتحدة، والبالغ عددها 130 مليون مبنى، ستبقى صامدة في العام 2050. ويبدو أن التعديلات والتحديثات لا تُنجَز بسرعة كافية، ففي الوقت الحالي، تعتقد وزارة الطاقة أنه يتم تعديل 2.3 مليون منزل في السنة. ولكن يجب تعديل 3 إلى 6 مليون منزل سنوياً تقريباً لتحقيق أهداف الانبعاثات. وهذا يعني أن المطورين العقاريين وملّاك العقارات في الولايات المتحدة سيحتاجون إلى حلول فورية ومجربة وفعالة ومعقولة التكلفة، وستتكفل الجهات المالية والسياسية بالتمويل. 

يقول مدير البرامج في مؤسسة “ذا كلين فلايت” (The Clean Flight)، وهي حاضنة للشركات الناشئة المختصة بالطاقة والتي تركز على حلول الإسكان المستدامة، تاتشر بيل: “إن الكثير من الحلول المطلوبة لإزالة الكربون من المباني على نطاق واسع موجودة مسبقاً، ونحن نحاول دعم الأفكار التي يمكن تطبيقها على نطاق واسع بسرعة. إن الابتكار صعب، ولكن تبني الأفكار ونشرها أكثر صعوبة”. 

اقرأ أيضاً: هيئة كهرباء ومياه دبي توفر نصائح لترشيد استهلاك الكهرباء والمياه خلال شهر رمضان المبارك

يتطلب الإسكان قدراً كبيراً من الموارد والعمليات لمواجهة هذا التحدي الضخم. ولكن، وحتى الآن، لم تتمكن التكنولوجيات المزعزعة التقليدية من تحقيق النجاح في هذا القطاع بمستوى يضاهي نجاحها في صناعات أخرى. وعلى سبيل المثال، فإن الشركة الناشئة “كاتيرا” (Katerra) في وادي السيليكون، وهي مختصة بالإسكان ومدعومة من قبل شركة “سوفت بانك” (SoftBank)، كانت تتفاخر بأنها أحدثت تغييراً جذرياً في عملية البناء، ولكنها انهارت بعد جمع مبلغ 3 مليار دولار، وهو مثال شديد الوضوح عن المشكلات التي أصابت الشركات الناشئة في صناعة تستوجب التعامل مع العديد من المسائل، مثل العمالة والقوانين المحلية ومشكلات سلاسل التوريد ومعايير البناء. أما “سوشال كونستراكت” (Social Construct)، وهي شركة ناشئة تفرعت عن مسرّعة الشركات ذائعة الصيت “واي كومبينيتور” (Y Combinator) في سان فرانسيسكو، فقد حاولت زيادة انسيابية عملية إنشاء أبنية الإسكان متعددة العائلات باستخدام الأتمتة والذكاء الاصطناعي، ولكنها أعلنت إفلاسها السنة الماضية، متذرعة بالضغوط المالية الناجمة عن الوباء. 

مبادرات وبرامج لمحاربة تغير المناخ

توجد العديد من البرامج التي بدأت بالعمل على المستوى المناخي، مثل جهود نايتشا، وبعض النماذج الأكثر تطوراً والتي تركز على القطاع العام في كندا وأوروبا، والبرامج التحفيزية المحلية مثل مبادرة للمضخات الحرارية في ماين، ومبادرة “تيك” (TECH) التي حققت نجاحاً هائلاً، وهي برنامج بقيمة 120 مليون دولار للمساعدة على تحقيق أهداف كاليفورنيا في تحقيق الحياد الكربوني بحلول العام 2045، وتشير جميعها إلى أن نموذج وادي السيليكون في الابتكار قد لا يكون فعالاً للتعامل مع إحدى أكثر مشكلات الكوكب أهمية. ليست المسألة مسألة تباين بين القطاع العام والخاص بالضبط، ولكن الاستثمار الصبور والتدخلات التي تركز على الجوانب السياسية يستطيعان اجتذاب المزيد من الشركات، بل وربما تخفيف الانبعاثات بسرعة أكبر، بدلاً من التحرك بسرعة والاعتماد على التجارب الفاشلة المتكررة. وكما يقول كاسيدي من مشروع كاسا باسيفا، فليس هناك تكنولوجيا مبهرجة مليئة بالأزرار وأجهزة التحكم التي يستطيع السكان ضغطها، بل عزل ذكي ومنع للتسريب، “وهو ليس بشيئ يُباع لرؤوس الأموال الاستثمارية”.

تقول زميلة فريق البناء دون كربون في مجموعة الدراسة “آر إم آي” (RMI) التي تركز على الطاقة النظيفة، يو آن تان: “إن أحد أسس هذه السوق توفير إسكان طويل الأمد ومعقول التكلفة ومستدام، ما يجعله خارج نطاق الاعتبارات بعيدة الأمد في الإسكان من الناحية التجارية. الوقت مهم للغاية، وليس بوسع سلطات الإسكان انتظار حل تكنولوجي سحري شامل أو كمية هائلة من الأموال قد تتوفر وقد لا تتوفر”.

وعلى مدى معظم القرن الماضي، كانت الرؤية القائمة على الأتمتة وجعل الأشياء أقرب إلى الآلات إحدى الثوابت في تكنولوجيا الإسكان والبناء. وكانت الفكرة تقوم على توفير دقة تضاهي دقة المصانع عن طريق البناء باستخدام وحدات معيارية أو مسبقة التصنيع، بحيث تتم أغلب العمليات ضمن بيئة خاضعة للضبط والتحكم، بدلاً من مواقع البناء الفوضوية. وهو ما كان سيؤدي إلى طرازات قابلة للاستنساخ ومؤلفة من عدة أجزاء قابلة للتبديل وسهلة التجميع، تماماً مثل قطع لعبة ليغو التركيبية. وحتى فرانك لويد رايت أمضى عدة سنوات وهو يطور ويختبر نظامه الخاص بالمنازل الأميركية مسبقة الصنع. وقد فكر توماس إديسون بفكرة مماثلة.

ولكن كاتيرا، وهي شركة ناشئة سريعة النمو، وضعت رؤية أكثر طموحاً، وتقوم على نشر سلسلة من المصانع عبر الولايات المتحدة لتصنيع الأجزاء القابلة للتجميع ومسبقة الصنع بصورة متواصلة. وقد وصلت الشركة إلى مرحلة تمكنت فيها من حجز المئات من المشاريع، وتوسعت إلى نطاق عمليات البناء واسعة النطاق بالخشب، بل وحتى تصنيع مصابيحها الكهربائية الخاصة، وبشكل أساسي، تحولت إلى شركة بناء تشمل أعمالها جميع عمليات البناء. وقد اعتقد المؤسسان المشاركان، مايكل ماركس وفريتز وولف، أنهما سيستفيدان من خبرتهما في سلاسل التوريد التكنولوجية والتصنيع للخروج بصناعة جديدة. ولكن بدلاً من هذا، أعلنت شركة كاتيرا إفلاسها، بعد أن وصلت قيمتها في فترة ما إلى 6 مليارات دولار. 

اقرأ أيضاً: هيئة كهرباء ومياه دبي تستعرض باقة من مشاريعها ومشاريع المعنيين المبتكرة خلال “أسبوع الابتكار”

يقول أخصائي البناء وأحد مؤسسي شركة “فان فورم” (FunForm) الناشئة التي تركز على تعديل الأبنية، ميشيل ناب: “لقد كانا يتصفان بالعجرفة والازدراء بالصناعة، وعم امتلاكهما لرؤية حقيقية حول نموذجهما. لقد كانا يستخدمان التكنولوجيا لبناء منتج سيئ. وسيبقى المنتج السيئ منتجاً سيئاً، حتى لو كنت تستخدم الروبوتات في بنائه”. 

كانت رؤية كاتيرا الشاملة لإصلاح عالم البناء، وإنفاق مليارات الدولارات من الاستثمارات لبناء نظام إنتاج جديد بالكامل من الأسفل إلى الأعلى، مثالاً واضحاً على الغرور النموذجي لوادي السيليكون. كما كانت تتضمن ملامح من النماذج الأوروبية التي تسعى إلى تعديل المباني باستخدام مجموعة بسيطة ومعيارية وسهلة الاستخدام من القطع. 

ووفقاً لرائد الأعمال الذي نجح في تحويل عدة أفكار ابتكارية إلى مشاريع رابحة، ومؤسس شركة “سينشوري هومز” (Century Homes)، وهي شركة إيرلندية رائدة في تأسيس المباني خارج موقع البناء، جيرارد ماكوفي، فإن شركة كاتيرا كانت تحمل نقطة ضعف مشتركة مع الكثير من التكنولوجيين الأميركيين، وهي تجاهل الابتكار في بلدان ما وراء البحار. وعلى حين تتمحور أساليب البناء الأميركية على بناء هيكل من الخشب في موقع البناء مع استخدام مواد خام جاهزة (يمكنك أن تتخيل سيارة فورد تصل إلى موقع البناء محملة بالأخشاب بمقطع عرضي مستطيل بطول 10 سنتيمترات وعرض 5 سنتيمترات)، فإن البنائين في آسيا وأوروبا، والذين يتعاملون مع قيود أقسى من حيث المساحة والمواد، تمكنوا من تطوير تقنيات البناء مسبق الصنع وباستخدام العناصر التركيبية. لقد تجاهلت كاتيرا هذه الأمثلة، والتي كانت تتضمن بناء بطيئاً للخبرات بالتركيز على قطاعات محددة بشكل منفرد. وبدلاً من ذلك، حاولت إعادة اختراع العجلة، محاولة أن تغطي جميع نواحي عملية البناء المعقدة لوحدها، وقامت ببناء الكثير من النماذج المختلفة دفعة واحدة، ما أدى إلى تجاوزات هائلة في التكاليف. 

يقول ماكوفي، والذي عقد مفاوضات مع إدارة كاتيرا: “ليست معلوماتك هي العامل الوحيد المؤثر. لقد كانوا واثقين تمام الثقة من ضرورة القيام ببعض الأشياء، ولكنهم كانوا مخطئين. إن البناء خارج الموقع ليس مجرد حيلة أحادية. ويجب أن تزحف قبل أن تتمكن من المشي. لقد كان أقل العاملين خبرة في شركتي يعرف عن البناء خارج الموقع أكثر من قيادتهم العليا”. 

مبادرات وبرامج لمحاربة تغير المناخ
0. 1. نظام تغليف فعال R38 2. طلاء مع معامل اكتساب حراري شمسي منخفض 3. ستائر داخلية منخفضة الإشعاعية 4. مراوح سقفية لتدوير الهواء ضمن الوحدات السكنية 5. ضخ هواء بدرجة حرارة منخفضة بعض الشيئ عبر نظام تهوية مركزي “تعزيز” التبريد اللامركزي عبر وحدة هوائية متغيرة المستوى يتم تشغيلها باستخدام أنظمة تحكم ضمن السكن. هناك العديد من الجهود الجارية الموجهة نحو إزالة الكربون من الأبنية. من الأمثلة عليها مجموعة أدوات التعديل الشاملة للطاقة والتصميم المعماري (اختصاراً “هارت” (HEART))، وهي منصة حوسبة سحابية تتضمن ميزات لاتخاذ القرارات وإدارة الطاقة. مصدر الصورة: ميريديث ميوتكي

نظام إينرجيسبرونغ

يعتمد نموذج “إينرجيسبرونغ” الذي تم استخدامه لتعديل آلاف البيوت في هولندا وعبر أوروبا على “سترومفيرسنيلينغ” (Stroomversnelling) (الاسم يعني: التسريع المندفع)، وهي شبكة من المقاولين ومؤسسات الإسكان ومورّدي القطع وحتى الممولين، ممن يعملون جنباً إلى جنب، وهو مستوى من التنسيق لا يضاهيه حتى نظام كاتيرا الشامل. حالياً، يستطيع نظام إينرجيسبرونغ تعديل مبنى كامل خلال 10 أيام تقريباً. وتقدم شركات ناشئة وشركات بناء أخرى تحديثات مكملة: وعلى سبيل المثال، تقوم الشركة الهولندية “فاكتوري زيرو” (Factor Zero) بتصنيع وحدات معيارية تركيبية مسبقة الصنع لتعزيز المراجل الكهربائية، ومضخات الحرارة، والأنظمة الشمسية. لقد أصبح تحويل المباني القديمة إلى مبانٍ خضراء عملية فائقة السهولة. 

وهو جزء من نموذج أوروبي أكثر شمولية يبدأ بسياسة انبعاثات طموحة ويدعمها بالحوافز والتمويل لتعديل المباني القديمة وبناء مبانٍ جديدة عبر برامج مثل “هورايزون يوروب” (Horizon Europe)، ما يعني عملياً توفير الدعم الحكومي لأساليب بناء جديدة وتأسيس سوق لأحدث الابتكارات في مجال النوافذ والأبواب وأنظمة التهوية والتكييف والتدفئة. لقد كانت إرادة الحكومة لدعم هذه التحديثات للإسكان المدعوم والعام أحد أهم عناصر هذا النجاح، خصوصاً فيما يتعلق بالأبراج ومنازل البلدات التي تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب، والتي أصبحت بحاجة ماسة إلى التحسين. ولكن توجد أيضاً عوامل إيجابية أخرى في أوروبا، فمعايير البناء أكثر اتساقاً ومعيارية عبر البلدان والقارة بشكل عام، بما فيها بعض القوانين المتطورة التي تشجع على اعتماد معيار “باسيف هاوس” (أو المنزل الخامل)، والذي يعبر عن مستوى فائق الفعالية من العزل والتهوية للتخفيف إلى درجة كبيرة من الطاقة المطلوبة للتسخين والتبريد. كما أن النظام البيئي للإسكان أصغر وأكثر اتساقاً، ما يسهّل دعم المزيد من التجارب. يعتمد إينرجيسبرونغ على نموذج بناء واحد، ومجموعة من المتعاقدين، ومجموعة صغيرة من الأطراف المؤثرة ضمن منطقة محدودة. 

وسيكون التنسيق أكثر صعوبة بكثير ضمن مدينة أميركية واحدة، ناهيك عن الولايات المتحدة بأسرها. يقول خبير الأبنية المستدامة في سياتل ومؤسس استوديو ومجموعة دراسة “لارتش لاب” (Larch Lab)، مايكل إلياسون: “تعتمد أوروبا مقاربة موزعة وشاملة، حيث تقوم بتمويل عدة مشاريع في عدة قطاعات وعلى عدة مستويات”. إنها مقاربة توزع المخاطرة على العديد من الأفكار المختلفة، بدلاً من تركيز رأس المال الاستثماري على شركة ناشئة سريعة النمو وأحادية الفكرة. ويقول: “لقد انتهى المطاف بالولايات المتحدة بتركيز أغلب الدعم على توجه واحد. فقد أخفقت كاتيرا، وأدى هذا إلى التأثير على كامل صناعة البناء مسبق الصنع”. 

مشاريع البناء الأخضر

يسعى نموذج ناشئ في كندا إلى تقليد التجربة الأوروبية. فمؤخراً، استخدمت سلطة الإسكان البلدية في مدينة أونتاريو، “سيتي هاوسينغ هاميلتون” (CityHousing Hamilton)، مخصصات الإسكان المالية لتنفيذ عملية تعديل شاملة لبرج كين سوبل، وهو برج عالٍ مخصص لكبار السن على الواجهة المائية، وقد بُني في 1967، وأصبح بحال مزرية. يتضمن المشروع عملية تغطية خارجية بالألواح، ونوافذ جديدة عالية الفعالية، وتحويل التسخين والمواقد إلى العمل بالتيار الكهربائي، ما أدى إلى جعل المبنى موافقاً لمعيار “المنزل الخامل“، بتخفيض بنسبة 94% في استهلاك الطاقة بفضل الفعالية العالية، فأصبحت الطاقة المطلوبة لتسخين وتبريد وحدة سكنية واحدة مكافئة للطاقة التي يستهلكها ثلاثة مصابيح متوهجة معاً. أما النوافذ الجديدة المطلة على منطقة الخليج فتتيح مساحات رائعة للجلوس ومناظر خلابة، إضافة إلى الاستفادة من ضوء النهار، ما يشير إلى أن عملية التعديل لم تؤثر سلباً على الناحية الجمالية للمبنى.

ويقول مدير المشاريع من شركة “إيرا أركيتيكتس” (ERA Architects)، والذي درس المئات من الأبنية العالية المماثلة التي تعود إلى منتصف القرن، غرايم ستيوارت، إن المشروع أمّن فرصة عمل للشركات الكندية التي تصنع النوافذ والتغطية الخارجية عالية التطور، ما يشير إلى أن عملاً كهذا يمكن أن يساعد على زرع بذرة صناعة محلية للمزيد من مشاريع البناء الخضراء. وقد ترأس ستيوارت حتى تأسيس منظمة “تاور رينيوال بارتنرشيب” (Tower Renewal Partnership)، وهي منظمة مخصصة لمشاريع التعديل المماثلة عبر كندا. ولكن مدير التطوير في سيتي هاوسينغ هاميلتون، شين بوثام، يقول إنه حتى مع كل الفوائد التي رأوا أن سكان البرج حصلوا عليها –مثل تحسين جودة الهواء، والسيطرة على التلوث، وتحسين الصحة النفسية، وتحسين الوظائف الإدراكية، و”الإطلالات التي كان يستحيل الحصول عليها في المساكن الجماعية”- فإن الوكالة ليست مستعدة لدفع تكاليف زائدة بنسبة 8% لتحديث أي مبانٍ أخرى تابعة لها دون دعم مالي. 

اقرأ أيضاً: ما هو المنزل الذكي؟ وما هي أبرز التكنولوجيات التي تجعل منزلك ذكياً؟

يقول ستيوارت: “إن النسخة الأوروبية من هذا النوع من البناء لم تعد مجرد قصة، بل أصبحت حالة عامة. وكل مؤسسة تقوم بذلك بطريقتها الخاصة ضمن نطاق صلاحياتها. وفي أميركا الشمالية، يعتبر الأداء العالي صفة تستحق الضريبة. كيف يمكن لهذا الأسلوب أن يصبح إلزامياً على مستوى القارة؟”

“نحن نتعامل مع مسألة الفعالية في استهلاك الطاقة كصفة مستحسنة في المنازل، بدلاً من أن نتعامل معها كحالة طارئة في حرب مع التغير المناخي بشكل يستوجب مستويات عالية من التمويل لتحسين المنازل”.

باناما بارثولومي

وعلى الأقل في الولايات المتحدة، يبدو أن جميع الجهود ستكون لامركزية في المستقبل المنظور. فخطة الرئيس بايدن التي تحمل اسم “بيلد باك بيتر” تتضمن اقتراحات طموحة لاستثمار مليارات الدولارات في تعديلات المباني، ولكن فرص الموافقة على هذه الاقتراحات، وحتى بشكل مجزأ، تبدو ضعيفة، على الرغم من تخصيص 5 مليارات دولار للتعامل مع عوامل الطقس في قانون البنى التحتية الذي أقره مجلس الشيوخ في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2021، وهو ما يمكن أن يحدث أثراً إيجابياً، كما تقول تان من “آر إم آي”. أيضاً، تعمل بعض الشركات الخاصة هنا وهناك على تعديل أبنيتها. فشركة “توروس” (Taurus) الاستثمارية القابضة، والتي تستثمر في أسهم العقارات على مستوى العالم، تتضمن برنامجاً باسم “رينيو” (RENU)، وذلك لإجراء عمليات تدقيق على التعديلات المتعلقة بالطاقة عند ضم أبنية جديدة إلى ملفها الاستثماري، وتعتبر الشركة أن المضخات الحرارية والتحديثات التي تؤدي إلى رفع فعالية استهلاك الطاقة هي وسيلة لزيادة قيمة الأصول والتخفيف من تكاليف الصيانة. ولكنها مجرد استثناء، ونحن في حاجة إلى التعامل مع الوضع بشكل فوري وطارئ.

يقول المؤسس والمدير التنفيذي لتحالف إزالة الكربون من المباني باناما بارثولومي: “نحن نتعامل مع مسألة الفعالية في استهلاك الطاقة وفق نظام قديم ينظر إليها كصفة مستحسنة في المنازل، بدلاً من أن نتعامل معها كحالة طارئة في حرب مع التغير المناخي بشكل يستوجب مستويات عالية من التمويل لتحسين المنازل”. 

ولكن، وبما أن معايير البناء والحوافز في الولايات المتحدة تقع في أغلب الأحيان ضمن صلاحيات حكومات الولايات والحكومات البلدية، فإن التجارب المماثلة لتجارب نايتشا وناسيردا ستصبح حتى أكثر أهمية. فالقانون المحلي رقم 97 في مدينة نيويورك، وهو أحد قوانين المدن القليلة التي وضعت أهدافاً صارمة للانبعاثات لمالكي الأبنية الكبيرة، مع فرض غرامات كبيرة على من لا يمتثلون له، سيصبح نافذاً في 2024. 

وهناك العديد من التحديات التي يجب تجاوزها في الولايات المتحدة لإنجاح حلول التعديلات على المباني بالألواح، وإصلاح طريقة تمويل الابتكار في الإسكان وكيفية توزيع هذا التمويل عبر كامل بيئة البناء. ويقول ناب، والذي عمل على أحد أول مشاريع ريتروفيت إن واي، إن تقليد فكرة من بلاد مختلفة للغاية في أساليب البناء والحوافز الاقتصادية وثقافة البناء أمر ينطوي على الكثير من التحديات الخاصة به. 

اقرأ أيضاً: وفقاً لتقرير الأمم المتحدة: إزالة الكربون لم تعد ترفاً بل ضرورة ملحة

ووفقاً لناطق باسم نايتشا، فإن جهود الوكالة لإزالة الكربون تتعرض إلى العديد من العوائق، مثل عمر الأبنية، والحاجة إلى التحديثات الكهربائية، ونقص بيانات التكلفة والأداء حول خيارات تقنيات الألواح. وعلى الرغم من هذا، فقد بدأت نايتشا بإجراء اختبارات على مضخات الحرارة في مبنى فورت إنديبيندنس، إضافة إلى مواقد تعمل بالتحريض في 1471 جادة واتسون (وكلاهما في منطقة برونكس)، استعداداً لعملية نشر أوسع نطاقاً. كما أن أول مشروع لريتروفيت إن واي لمبنى من مباني نايتشا، وهو تعديل مبنى ريفينزوود في كوينز من 48 وحدة سكنية موزعة على 6 طوابق، سينتهي وفق المخطط في مارس/ آذار من العام 2024. 

مشاريع البناء الأخضر
إن تعديل المباني الموجودة أكثر استدامة بكثير من هدمها وإعادة بنائها. أدى تعديل برج كين سوبل، وهو برج عالٍ مخصص لكبار السن على الواجهة المائية في هاميلتون بأونتاريو، وقد بُني في 1967، إلى تخفيض بنسبة 94% في استهلاك المبنى للطاقة. مصدر الصورة: صور دوبل سبيس/ إيرا أركيتيكتس

تقول دين من نايسيردا: “لقد شهدنا الكثير من الاهتمام من حيث الطلب في السوق، وقد بدأ نموذج الأعمال بالتغير. ونحن نشهد ظهور صنف جديد من مزودي الحلول، والذين يقدمون تعديلات متكاملة حيادية الكربون للمباني بأداء مضمون وضمانات رائعة للأسعار”.

أما السؤال الحقيقي فهو التالي: هل تستطيع الفعالية الناجمة عن الابتكار والسياسات الطموحة والتمويل الداعم أن تتحول إلى حقيقة واقعة في زمن يكفي لإحداث أثر حقيقي في جهود التعديل؟ تقول تان إن بعض الباحثين درسوا حتى كيفية تمرير أموال الرعاية الصحية لتمويل هذه التعديلات، لأن تحسين جودة الهواء والتخفيف من العفن يمكن أن يؤديا إلى تحسن كبير في صحة السكان. 

وتشير في هذا الخصوص إلى برنامج محدد، وهو برنامج “بيلت تو لاست” (Built To Last) في فيلاديلفيا، كنموذج جيد لكيفية تمويل العديد من هذه المشاريع في المستقبل. يمثل هذا البرنامج أحد مشاريع هيئة الطاقة في فيلادلفيا، ويتضمن العديد من الحوافز المخصصة لمالكي المنازل من ذوي الدخل المنخفض للتعديل والإصلاحات، بدءاً من دعم التعديلات المخصصة لعوامل الطقس وصولاً للحسومات على شراء الأدوات المنزلية عالية الفعالية. يقول مدير البرنامج ألون أبرامسون إن البرنامج الذي تعرض للتأخير بسبب الوباء يشمل حالياً 25 منزلاً مختلفاً، ويعمل على تنسيق المتعاقدين والمتطلبات والجداول الزمنية للعمل للمساعدة على تجديد المنازل التي تردت في أغلب الأحيان إلى حال مزرية. 

اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن نتوصل إلى إزالة الكربون بتكاليف معقولة؟

وبالنسبة لمن يعيشون في المنازل التي يتم تجديدها حالياً، لم يكن من الغريب فقدان التدفئة أو التعرض لتعطل الفرن، أو تشقق أنابيب التمديدات لدرجة تؤدي إلى قطع المياه. كما كانوا يضطرون في أغلب الأحيان إلى دفع فواتير ضخمة للطاقة بسبب العزل السيئ، والمواد الرخيصة، والصيانة المؤجلة، كما يقول أبرامسون. وتؤكد خبرته على المدى الذي يمكن أن تشكل فيه الطاقة عبئاً ثقيلاً على ذوي الدخل المنخفض، سواء من الناحية البيئية أو المالية. إنها مشكلة لا يمكن حلها بسهولة.  

يقول أبرامسون: “نحن بحاجة إلى إزالة الكربون من منازلنا، ولكن المشكلات التي يعاني منها نظام الإسكان متجذرة للغاية. إن وضع مضخات حرارية في هذه المنازل مشكلة تكنولوجية. وهي مشكلة مهمة بالفعل. ولكن عدم وجود نوافذ مشكلة أكبر بكثير”.