Article image
مصدر الصورة: نوا شيلدون



في السنوات الأخيرة، اندفعت الصين نحو "التعليم الذكي"، والآن تخطط شركاتها الضخمة للتعليم التكنولوجي لتصدير أفكارها ورؤاها إلى الخارج.

كان زو يي مريعاً في الرياضيات، وكان معرضاً لخطر الفشل في الدخول إلى الجامعة. ومن ثم أتت شركة سكويرل إيه آي إلى مدرسته المتوسطة في هانجتشو في الصين، واعدة بتقديم التعليم المخصص. وعلى الرغم من أنه جرب خدمات التعليم الخاص من قبل، فقد كان الأمر مختلفاً في هذه الحالة، فبدلاً من معلم بشري، قامت خوارزمية ذكاء اصطناعي بتشكيل دروسه. قرر ابن الثالثة عشرة أن يجرب، وبحلول نهاية الفصل، ارتفعت نتائج اختباراته من 50% إلى 62.5%، وبعد سنتين، أحرز نتيجة 85% في الامتحان النهائي للمدرسة المتوسطة. يقول: “لقد كنت أنظر إلى الرياضيات برعب مطبق، ولكن عبر هذا التعليم الخاص، أدركت أنها ليست بهذه الصعوبة. لقد ساعدني هذا التعليم على أن أتخذ طريقاً مختلفاً”.

يُجمِع الخبراء على أهمية الذكاء الاصطناعي في التعليم في القرن الواحد والعشرين. ولكن كيف؟ يبدو أن الصين قررت ألا تضيع لحظة من الوقت فيما يشعر الأكاديميون بالحيرة إزاء تحديد أفضل الممارسات. ففي السنوات القليلة الماضية، تصاعد استثمار البلاد في التدريس والتعلم المعتمد على الذكاء الاصطناعي إلى درجة كبيرة للغاية. واندفع الجميع إلى المشاركة، من الشركات التكنولوجية العملاقة والشركات الناشئة إلى أصحاب المناصب التعليمية. والآن، يستخدم عشرات الملايين من الطلاب شكلاً ما من أشكال الذكاء الاصطناعي للتعلم، سواء عبر برامج التعليم الخاص خارج المدرسة مثل برامج سكويرل، أو عبر منصات التعلم الرقمية مثل 17ZuoYe، أو حتى في قاعات الصفوف الرئيسية. إنها أضخم تجربة عالمية حول التعليم باستخدام الذكاء الاصطناعي، ولا يمكن لأحد أن يتوقع نتيجتها.

وقد وصلت عدوى الاهتمام إلى وادي السيليكون أيضاً؛ ففي تقرير من شهر مارس، وصفت مبادرة تشان – زوكربيرج ومؤسسة بيل وميليندا جيتس الذكاء الاصطناعي كأداة تعليمية تستحق الاستثمار. وفي كتابه إعادة صياغة التعليم (Rewiring Education) الذي نُشر في 2018، أثنى جون كاوتش، نائب رئيس آبل في مجال التعليم، على شركة سكويرل إيه آي (وقد شارك مؤسس سكويرل ديريك لي في تأليف نسخة صينية من هذا الكتاب). وقد افتتحت سكويرل أيضاً في هذا العام مختبراً بحثياً مشتركاً مع جامعة كارنيجي ميلون لدراسة التعليم المخصص على نطاق واسع، وتصديره عالمياً.

غير أن الخبراء يشعرون بالقلق إزاء منحى هذا الاندفاع نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم. ويقولون إنه يمكن -في أفضل الأحوال- أن يساعد المعلمين على رعاية اهتمامات ونقاط قوة طلابهم. أما في أسوأ الأحوال، فيمكن أن يرسخ توجهاً عالمياً نحو اعتماد معايير محددة في التعليم والاختبار، مما يضعف من استعداد الجيل المقبل لعالم العمل الذي يتغير بسرعة.

تؤكد سكويرل وجود هذا التجاذب بوصفها واحدة من أضخم شركات التعليم بالذكاء الاصطناعي في الصين. وبما أنها أيضاً من أفضل الشركات المرشحة للانتشار عبر البحار، فهي تتيح لنا رؤية تأثير تجارب الصين على بقية العالم.

زو يي أثناء حصة درسية مع سكويرل إيه آي.
مصدر الصورة: نوا شيلدون

يمتد المركز التعليمي الذي يرتاده زو، وهو واحد من أوائل المراكز التي افتتحتها سكويرل، على كامل مساحة الطابق الثاني في مبنى متواضع المظهر على شارع تجاري مزدحم في هانجزو، وهي مدينة من المستوى الثاني في مقاطعة زيجيانغ. تزدان جدران الدرج بجوائز الشركة، كما أنها تعرض صوراً فوتوغرافية كبيرة لعشرة رجال على الأقل، نصفهم مديرون تنفيذيون في سكويرل إيه آي، ونصفهم الآخر من كبار المعلمين، وهو لقب يحمله أفضل المعلمين في الصين ممن ساهموا في تطوير المنهاج التعليمي للشركة.

ويتسم الديكور الداخلي لهذه المدرسة بالتواضع؛ حيث إن البهو صغير وزاهي المنظر بدرجات اللون الأخضر، وتحمل جدران الممر الذي يوصل إلى الغرف الصفية الست صور تلاميذ مبتسمين، وفي الداخل تنتشر على الجدران ملصقات باهتة تحمل صور أشجار أو شعارات بسيطة مثل “كن متواضعاً”. ولا توجد ألواح بيضاء للكتابة أو أجهزة إسقاط أو أية تجهيزات أخرى باستثناء طاولة واحدة لكل غرفة، مخصصة لستة إلى ثمانية أشخاص.

أما الأداة التعليمية الأساسية فهي الحاسب المحمول، ويمكن أن نرى التلاميذ والأساتذة يحدقون باهتمام في الشاشات على حد سواء. ففي إحدى الغرف، كان تلميذان يرتديان سماعتين، وهما غارقان في جلسة لتعليم اللغة الإنجليزية. وفي أخرى، كان ثلاثة تلاميذ -بما فيهم زو- يأخذون ثلاث حصص رياضيات منفصلة، وكانوا يحلون المسائل على الورق قبل تقديم أجوبتهم على الحاسب. وفي كل غرفة، يراقب أستاذٌ عمل التلاميذ عبر لوح تحكم يعمل في الزمن الحقيقي.

في عدة مرات، لاحظ كل من الأستاذين شيئاً على الشاشة، وذهب إلى كرسي أحد التلاميذ، وجثا قربه متحدثاً بنبرة هامسة للإجابة عن سؤال لم يستطع نظام التعليم حله على ما يبدو. وعلى الرغم من أنني كنت بعيدة لمسافة بضعة أمتار وحسب، فلم أميز كلمة واحدة فوق الهدير الخافت لحركة المرور في الشارع خارجاً.

همست لمجموعة طاقم المدرسة والشركة الذين رافقوني في هذه الجولة: “المكان هادئ للغاية”، فابتسم المدير الإقليمي لهانجزو ابتسامة بدت لي وكأنها تحمل مسحة من الفخر، وقال: “ليس لدينا أصوات أساتذة يلقون المواعظ على التلاميذ”.

تلامذة في مدرسة سكويرل يتلقون مساعدة من الأستاذ.
مصدر الصورة: نوا شيلدون

ازدهر التعليم بالذكاء الاصطناعي في الصين بسبب ثلاثة عوامل. الأول هو التخفيضات الضريبية وغيرها من الحوافز المقدمة لاستثمارات الذكاء الاصطناعي الهادفة لتحسين أي شيء، بدءاً من تعلم التلاميذ وتدريب الأساتذة وصولاً إلى إدارة المدرسة. وبالنسبة لرؤوس الأموال الاستثمارية، فهذا يعني أن هذه الاستثمارات مغرية وتمثل فرصاً جيدة. ووفقاً لأحد التقديرات، فقد احتلت الصين الصدارة ضمن استثمارات العام المنصرم في التعليم بالذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، والتي تجاوزت المليار دولار.

أما العامل الثاني فهو احتدام المنافسة الأكاديمية في الصين. حيث يخوض عشرة ملايين تلميذ صيني سنوياً امتحان دخول الجامعة، والمعروف باسم جاوكاو. وتحدد النتيجة إمكانية ومكان دراستك للحصول على درجة جامعة، ويُنظر إلى هذا الامتحان على أنه من أهم عوامل نجاحك لبقية حياتك. ويبدي الأهالي كامل استعدادهم للدفع لقاء الدروس الخصوصية أو أي شيء آخر يمكن أن يساعد أبناءهم على النجاح والتفوق.

وأخيراً، يوجد لدى رواد الأعمال الصينيين كميات ضخمة من البيانات لتدريب وتحسين خوارزمياتهم. حيث أن عدد السكان هائل، كما أن وجهة النظر العامة إزاء خصوصية البيانات أكثر تساهلاً مما في الغرب، خصوصاً إذا كان المقابل الحصول على مزايا مرغوبة، مثل تحسين الأداء الأكاديمي. إضافة إلى هذا، فإن الأهالي يؤمنون عموماً بالقدرات الكامنة للتكنولوجيا، خصوصاً بعد أن شهدوا التحولات التي أحدثتها في البلاد خلال بضعة عقود وحسب.

تركز سكويرل على مساعدة التلاميذ على تحسين نتائجهم في الامتحانات السنوية المعيارية، والتي تصب مباشرة في القلق الشعبي إزاء جاوكاو، وتقول الشركة أن أكثر من 80% من التلاميذ يعودون لإجراء الامتحان سنة بعد سنة. أيضاً، صممت الشركة نظامها لتسجيل المزيد من البيانات منذ البداية، ما أتاح إجراء جميع أنواع التجارب في مجال التخصيص والتوقع. وتقوم الشركة بحملات تسويق مركزة لقدراتها التكنولوجية عبر المنشورات الأكاديمية، والمشاريع المشتركة الدولية، والجوائز، ما جعلها “مدللة” لدى حكومة شنغهاي المحلية.

أدت هذه الاستراتيجية إلى نمو مدهش. ففي السنوات الخمس التي مرت منذ تأسيسها، افتتحت الشركة 2,000 مركز تعليمي في 200 مدينة، كما سجلت أكثر من مليون طالب، وهو ما يكافئ إجمالي عدد الطلاب في نظام التعليم الحكومي في نيويورك. تخطط الشركة للتوسع إلى 2,000 مركز إضافي محلياً خلال سنة، وحتى الآن، جمعت الشركة أيضاً تمويلاً بقيمة تزيد على 180 مليون دولار. وفي نهاية السنة الماضية، حازت الشركة على تصنيف يونيكورن بعد أن تخطت قيمتها المليار دولار.

مقر سكويرل إيه آي في شنغهاي.
مصدر الصورة: نوا شيلدون

ليست سكويرل أول شركة تحاول استثمار الذكاء الاصطناعي في التعليم. حيث تعود أولى المحاولات “لاستنساخ” الأساتذة إلى السبعينيات، عندما بدأ استخدام الحواسيب في التعليم لأول مرة. بعد ذلك، وبين 1982 و1984، بينت عدة دراسات في الولايات المتحدة أن الطلاب الذين يتلقون تعليماً فردياً على يد أستاذ بشري يقدمون أداء أفضل بكثير من غيرهم. وهو ما أدى إلى إطلاق موجة جديدة من المحاولات لمحاكاة هذا الاهتمام الفردي بالآلات، وظهرت بالتالي أنظمة التعليم التكيفية، والتي يمكن أن نجدها حالياً في كل مكان، بدءاً من رياض الأطفال وصولاً إلى مراكز تدريب الموظفين.

غير أن إبداع سكويرل الحقيقي يكمن في دقتها ومستواها. ففي كل مادة تقدمها، يقوم مهندسو الفريق بالعمل مع مجموعة من الأساتذة الكبار لتقسيم الموضوع إلى أصغر ما يمكن من الأفكار. وعلى سبيل المثال، تتضمن الرياضيات للمدرسة المتوسطة أكثر من 10,000 عنصر أولي، أو “نقطة معرفية”، مثل الأرقام الكسرية وخصائص المثلث ونظرية فيثاغورس. وتهدف هذه الطريقة إلى تشخيص نقاط الضعف في استيعاب الطالب بأدق ما يمكن. وبالمقارنة، فإن كتاباً مدرسياً عادياً يمكن أن يقسم نفس الموضوع إلى 3,000 نقطة. وتقسمه منصة أليكس للتعليم التكيفي التي طورتها شركة ماكجرو هيل الأميركية –والتي أوحت بتأسيس منصة سكويرل- إلى 1,000 نقطة تقريباً.

ما أن تُحدد النقاط المعرفية، تُربط بمحاضرات فيديو، وملاحظات، وأمثلة محلولة، ومسائل للتدريب. أما علاقاتها ببعضها، أي كيفية اعتمادها على بعضها وتراكبها، فهي مرمزة فيما يسمى “مخطط المعرفة”، والمبني بدوره على خبرات كبار الأساتذة.

مهندسو سكويرل إيه آي يعملون على بناء المنصة التعليمية للشركة.
مصدر الصورة: نوا شيلدون

يبدأ التلميذ بأحد المقررات الدراسية باختبار تشخيصي قصير لتقييم فهم المبادئ الأساسية. فإذا أجاب بشكل صحيح على سؤال في المقدمة، سيفترض النظام أنه يعرف المواضيع المتعلقة به ويتجاوزها. وخلال عشرة أسئلة، يضع النظام تصوراً أولياً لما يجب التركيز عليه، ويستخدم هذا التصور لبناء منهاج خاص بالتلميذ. ومع تقدم الدراسة، يحدث النظام نموذجه لاستيعاب التلميذ ويعدل المنهاج وفقاً لذلك. ومع استخدام المزيد من التلاميذ للنظام، يصبح قادراً على كشف العلاقات التي لم يلاحظها من قبل بين أفكار المادة. تقوم خوارزمية التعلم الآلي بعد ذلك بتحديث العلاقات في المخطط المعرفي لأخذ هذه العلاقات الجديدة بعين الاعتبار. وعلى حين أن منصة أليكس تقوم ببعض هذه المهام أيضاً، فإن سكويرل تقول أن عمليات الأمثَلَة لدى أليكس محدودة، ما يجعلها نظرياً أقل فعالية.

قدمت سكويرل بعض الإثباتات على فعالية نظامها. فقد أجرت في أكتوبر 2017، على سبيل المثال، دراسة ذاتية التمويل لمدة أربعة أيام مع 78 من تلاميذ المدارس الوسطى، ووجدت أن النظام كان أفضل عموماً في تحسين نتائج اختبارات الرياضيات من الأساتذة الخبراء الذين يدرّسون حوالي 10 تلاميذ في غرفة صف تقليدية.

تحدثت مع بعض التلاميذ في المركز التعليمي ممن سينهون مرحلة المدرسة المتوسطة وكانوا يأتون إلى المركز منذ أكثر من سنة، وقد أثنوا على البرنامج كثيراً. قالت لي التلميذة فو وي أنها تحسنت بسرعة أكبر بكثير مما حصل عندما كانت تأخذ دروساً خصوصية من أستاذ بشري: “هنا، لدي أستاذ على الإنترنت وأستاذ حقيقي. إضافة إلى هذا، فإن التوجيه دقيق للغاية، ويستطيع النظام تحديد الثغرات في استيعابي بشكل مباشر”. وشاركها تلميذ آخر في رأيها: “بوجود هذا النظام، لا داعي لإجراء الكثير من التمارين، ولكنه فعال للغاية على الرغم من ذلك. إنه يوفر الكثير من الوقت”.

على الرغم من أن هذه الكلمات لم تكن موضوعية تماماً –فقد اختير هؤلاء الطلاب بعناية، كما قدموا شهاداتهم تحت إشراف صارم- فقد لامسني شعورهم بالراحة إزاء عثورهم على أسلوب يخفف من وطأة حدة البيئة الأكاديمية. وتعرض قصة زو يي –ربما ليس بالصدفة- أيضاً، وبشكل واضح، كيف يمكن لشركة سكويرل أن تساعد الطلاب المكافحين.

بالنسبة لمؤسس سكويرل، فإن هذه الرؤية ليست محدودة بالدروس الخصوصية. فهو يطمح إلى كسر حاجز برامج ما بعد المدرسة ودمج منهاجه مباشرة في غرفة الصف الأساسية، وتخوض سكويرل حالياً مباحثات مع عدة مدارس في الصين لاستخدام نظامها كأسلوب تعليم أساسي.

حاولت أن أتخيل كيف سيكون هذا الأمر، وما إذا كان أفضل بالنسبة لنا، ووجهت إلى التلاميذ سؤالاً أخيراً: هل هناك ما يمكن لسكويرل أن تحسنه؟ بعد صمت طويل، قالت فو: “أتمنى لو تفاعلنا أكثر مع أساتذتنا البشر”.

 

أستاذة تساعد أحد الطلاب عبر الفيديو في إطار برنامج جديد للتعليم عن بعد من سكويرل.
مصدر الصورة: نوا شيلدون

تحدثت مع عدة خبراء في التعليم من أجل هذه المقالة، وقد بدأ كل واحد منهم بالنقطة التالية: حتى نفهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسن التدريس والتعلم، يجب أن نفكر كيف سيغير من طبيعة العمل.

مع تزايد مهارة الآلات في أداء الأعمال الرتيبة، سيحتاج البشر إلى زيادة تركيزهم على المهارات التي ما زالت محصورة بهم، أي الابتكار والتعاون والتواصل وحل المشاكل. كما يجب أن يكون هذا التكيف سريعاً لمجاراة توسع نطاق الأتمتة وهيمنتها على المزيد من المهارات، وهو ما يعني أن غرفة الصف للقرن الواحد والعشرين يجب أن تركز على نقاط قوة كل شخص واهتماماته، بدلاً من تلقين مجموعة موحدة من المعارف بشكل يناسب عصر الثورة الصناعية الذي مضى.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهل من هذه المهمة نظرياً، فقد يتولى تأدية بعض المهام الروتينية في غرفة الصف، ما يتيح المزيد من الوقت أمام الأساتذة للاهتمام بكل طالب على حدة. وتتباين الفرضيات حول تفاصيل هذا التوزيع، فربما سيتولى الذكاء الاصطناعي تدريس أنواع معينة من المعرفة، ويتولى البشر أنواعاً أخرى، وربما سيساعد الذكاء الاصطناعي الأساتذة على مراقبة تغيرات أداء الطلاب، أو يعطي الطلاب المزيد من السيطرة على طريقة تعلمهم. وبغض النظر عن التفاصيل، فإن الهدف النهائي هو تعميق الطابع الشخصي للتدريس.

جدار ضمن مقر سكويرل يحمل صور أمثلة عن طلاب ضعفاء “أنقذتهم” المنصة.
مصدر الصورة: نوا شيلدون

قد تؤدي طريقة سكويرل إلى نتائج رائعة بالنسبة للتعليم التقليدي، ولكنها لا تساعد الطلاب على اكتساب المرونة استعداداً لمواجهة عالم متقلب، وفقاً للخبراء الذين تحدثت معهم. يقول كريس ديد، وهو بروفسور في برنامج التكنولوجيا والإبداع والتعليم في جامعة هارفارد: “هناك فرق كبير بين التعلم التكيفي والتعلم الشخصي”. يوصف ما تقوم به سكويرل بالتعلم التكيفي، والذي يتمحور حول “فهم ما يعرفه الطلاب وما لا يعرفونه بالضبط”، ولكنها لا تولي أي اهتمام لما يريدون أن يعرفوه أو لأفضل طريقة لتعليمهم. من ناحية أخرى، فإن التعلم الشخصي يأخذ اهتماماتهم وحاجاتهم بعين الاعتبار من أجل “تنظيم الدافع والوقت لدى كل طالب حتى يتمكن من تحقيق التقدم”.

تعمل جوتا تريفيرانوس كبروفسورة في كلية أونتاريو للفن والتصميم، وتعتبر من رواد التعلم الشخصي من أجل تحسين الشمولية في التعليم، وقد قدمت شرحاً أكثر تفصيلاً: “توجد عدة مستويات للتعلم الشخصي”، وأطلقت على هذه المستويات اسم الوتيرة والمسار والوجهة.

إذا تمت شخصنة الوتيرة، فإن الطلاب الذين يتمتعون بقدرات مختلفة سيُمنحون فترات مختلفة من الوقت لتعلم نفس المواد. وإذا تمت شخصنة المسار، فقد يُعطى الطلاب حوافز مختلفة للوصول إلى نفس الأهداف (مثل: هذا ما يجعل علم الإحصاء هاماً بالنسبة لهوايتك في متابعة البيسبول!) وتُقدم لهم نفس المواد بصيغ مختلفة (مثل الفيديو والنصوص). أما إذا تمت شخصنة الوجهة، يمكن للتلاميذ أن يختاروا، مثلاً، ما إذا كانوا يريدون متابعة الدراسة في معهد مهني أو في الجامعة.

تقول تريفيرانوس: “يجب أن يفهم التلاميذ طريقة التعلم بأنفسهم، ويجب أن يحددوا ما يرغبون بتعلمه، ويجب أن يتعلموا كيف يتعلمون. لا تهتم سكويرل بهذه المسائل على الإطلاق، ويقتصر دورها على جمع كل التلاميذ في نفس المجال المعياري بفعالية أكبر”.

هذا لا يعني أن أنظمة التعلم التكيفي لن تجد مكاناً لها في غرفة الصف في القرن الواحد والعشرين. حيث يعتقد ديفيد دوكترمان، وهو من زملاء ديد، أن نقاط قوتها في تدريب الناس على المعارف ذات الهيكلية الموحدة ما زالت قيمة، ولكن سيكون من الخطأ جعل هذه الأنظمة تلعب دور “الأستاذ” الأساسي في غرفة الصف، ويقول: “إن النشاطات الرتيبة، مثل استعادة المعلومات واكتساب المهارات، أي التي يمكن أن يعلمها أستاذ ذكي بشكل فوري، هي أيضاً الأشياء التي يمكن تحقيقها بسهولة عن طريق آلة ذكية”.

ديريك لي، مؤسس سكويرل إيه آي.
مصدر الصورة: نوا شيلدون

يتميز لي، مؤسس سكويرل، بطول فارع ووجنتين بارزتين. وعندما يتكلم بالإنجليزية، يعطف على كل بضعة جمل بعبارة: أليس كذلك؟ مع رفع حاجبيه، حتى يتأكد من متابعتك لكلامه. أما عندما يتكلم بالماندرين، تزداد سرعة كلماته إلى الضعف.

بعد أسبوع من زيارتي للمركز التعليمي، التقيت معه في مقر سكويرل الرئيسي في شانغهاي. وبأسلوب استعراضي لطيف، اصطحبني في جولة شاملة. بدا تواضع منظر مركز التعليم متضارباً بشكل صارخ مع ديكورات المكاتب هنا، حيث يزدان كل حائط بتفاصيل مختلفة حول الشركة والإنجازات التي حققتها. هذا حائط يحمل جميع المواد الإعلامية حول الشركة، وذاك يحمل جميع جوائزها، وفي تلك الناحية أمثلة عن الطلاب الذي اعتبروا “حالات يائسة” وأنقذتهم الشركة. وقد بدأت جولة أخرى قبل أن أنهي الأولى.

بعد اجتياز الباب الأول ببضع خطوات، أشار لي إلى شاشة تعرض مقطعاً تلفزيونياً بشكل مكرر على يساري مباشرة. لقد كان هذا المقطع من برنامج ألعاب يتضمن مواجهة بين نظام التعليم في سكويرل وأستاذ بشري، وهو كما قال لي أحد أفضل الأساتذة في الصين. كان ثلاثة من تلامذة هذا الأستاذ، والذي علمهم لثلاث سنوات، يقفون على المنصة إلى جانبه ويحلون المسائل، وكان النظام والأستاذ يتنافسان في توقع المسائل التي سيحلونها بشكل صحيح. غير أن لي لم ينتظر انتهاء المقطع حتى يكشف النتيجة المدهشة، فقال: “خلال ثلاث ساعات، تمكنا من فهم هؤلاء الطلاب أكثر من أفضل الأساتذة الذي أمضى معهم ثلاث سنوات”، وبالفعل، بدا الأستاذ على الشاشة أكثر غماً ومهانة مع كل دقيقة، وقلت: “إنه يبدو حزيناً للغاية”، فضحك لي قائلاً: “لقد لاحظتِ ذلك أيضاً!!”

تنبع أغلبية فلسفة سكويرل من تجارب لي أثناء طفولته. فقد قال إنه عندما كان يافعاً لم يكن يتمتع بذكاء عاطفي جيد، ولم يستفد شيئاً من قراءة الكتب حول هذا الموضوع، ولهذا أمضى نصف سنة وهو يقسم هذه المهارة إلى 27 عنصراً مختلفاً، وقام بتدريب نفسه على كل منها على حدة. فقد درب نفسه مثلاً على أن يكون أدق ملاحظة، وعلى أن يكون محاوِراً مثيراً للاهتمام، وقال: “لقد أمضيت الكثير من الوقت في البحث عن 100 موضوع حواري مختلف، حتى يكون لدي الكثير مما يصلح للحوار مع الآخرين”، بل إنه درب نفسه حتى على مواصلة الابتسام عندما ينتقده الآخرون، وأضاف: “بعد ذلك، لم يظهر لدي أي أعداء في حياتي”. لقد أعطته هذه الطريقة النتائج التي كان يرغب بها، وأدت إلى قناعة راسخة لديه بإمكانية تعليم أي شيء بهذه الطريقة.

يستخدم لي تشبيهاً للتعبير عن هدفه النهائي: “عندما يسود التعليم بالذكاء الاصطناعي، سيصبح الأستاذ البشري أشبه بالطيار”، أي أنه سيراقب الأداء والنتائج فيما تقوم الخوارزمية بقيادة الطائرة، وسيلعب دوراً سلبياً في أغلب الأحيان. ولكن بين الحين والآخر، عند وجود إنذار وإصابة أحد الركاب بالهلع (مثل تعرض أحد التلاميذ للتنمر)، سيتدخل لتهدئة الأمور: “سيركز الأستاذ البشري على التواصل العاطفي”.

يعتقد لي أن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي ستمكن البشرية من رفع مستوى ذكائها الجمعي. حيث أن تكليف الأساتذة البشر بأي شيء آخر يمكن أن “يعرض العباقرة للأذى”. يعمل لي على تطبيق هذه الفلسفة على أولاده، ويستخدم نظام سكويرل لتدريبهم قدر الإمكان، ويتباهى لي بأن ابنيه التوائم في الصف الثاني بدؤوا بتعلم الفيزياء من مستوى الصف الثامن، وهذا برهان على نجاح طريقته: “لا يمكن تحقيق معجزات كهذه إلا باستخدام الأنظمة التكيفية”.

مصدر الصورة: نوا شيلدون

بدأت سكويرل بتصدير تكنولوجياتها إلى الخارج، فقد حازت على سمعة عالمية بالمشاركة في بعض من أكبر مؤتمرات الذكاء الاصطناعي حول العالم، والتعاون مع شخصيات ذات علاقة بإم آي تي وهارفارد وغيرها من المؤسسات البحثية الهامة. كما أن لي قام بتوظيف عدد من الأميركيين ضمن فريقه التنفيذي، حيث ينوي الدخول إلى الولايات المتحدة وأوروبا في السنتين المقبلتين. من هؤلاء الأميركيين دين ميتشل عميد علوم الحاسوب في جامعة كارنيجي ميلون، ودان بايندمان مدير تجربة المستخدم والفرق التحريرية في أليكس.

تشعر تريفيرانوس بالقلق إزاء فلسفة سكويرل التعليمية، والتي تمثل برأيها مشكلة أكثر عمومية في سعي الصين نحو التعليم الذكي، حيث أنها تركز على التعليم والاختبار المعياري، وتقول: “إن مأساة التجارب الصينية هي أنها تجر البلاد بأسرها إلى الوضع التعليمي الذي يحاول أي أستاذ أو نظام تعليمي تقدمي الابتعاد عنه”. غير أنها تعتقد أيضاً أنه توجد فرصة رائعة أمام الصين لإعادة ابتكار بيئة صف أكثر ودية تجاه الأستاذ وتركيزاً على التلاميذ، حيث أنها أقل تعلقاً من الغرب بنماذج التعليم القديمة، وأكثر استعداداً لتجربة أفكار جديدة، وتقول: “يجب على الصين أن تبحث عن نمط مختلف تماماً من الذكاء الاصطناعي”، ولكن ماذا يعني هذا بالضبط؟

قد يكمن الجواب على بعد عدة كيلومترات من مقر سكويرل باتجاه الغرب، بعد نهر هوانجبو الذي يجري عبر شنغهاي، فهناك يعكف خبير تعليم الأطفال بان بينجكاي على إجراء تجربة ذات طبيعة مختلفة.

كان بان يفكر بكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم على مدى عقدين تقريباً. ومنذ خمسة عشر سنة، أسس أول شركة له للتعليم الإلكتروني في الصين بعد الحصول على درجة الدكتوراه من مختبر الوسائط في إم آي تي. وقد ركز على بناء أدوات تعلم اللغة الإنجليزية مستوحياً من تجاربه في الدراسات العليا، ويقول: “يأتي الابتكار من الاختلاف، وهو بالضبط ما تفتقر إليه الصين. فإذا كنت قادراً على التحدث بلغات مختلفة، فأنت قادر على التحدث مع أناس مختلفين، وقادر على إيصال أفكار مختلفة”.

حالياً، يدير بان شركة ألو7 للتعليم الإلكتروني للغة الإنجليزية للتلاميذ من سن الروضة إلى الصف الثاني عشر. ولكن، وعلى عكس الكثير من الشركات الأخرى، تسعى هذه الشركة إلى الابتعاد عن التعليم المرتكز على الاختبارات وتركز على الابتكار والقيادة وغيرها من المهارات السلسة. تقدم الشركة منتجات وخدمات لغرف الصف الحقيقية والرقمية، كما تمتلك منصة للتعلم على الإنترنت، مع مجموعة من الكتب الدراسية -مثلاً- التي تساعد الطلاب على التعلم وتدريب مهاراتهم اللغوية. كما تقدم خدمة للوصل بين عدد من التلاميذ يصل إلى ثلاثة مع أساتذة لغة إنجليزية في الخارج عبر الفيديو للحصول على دروس جماعية منتظمة. وحتى الآن، قدمت الشركة خدماتها إلى حوالي 15 مليون تلميذ ومعلم، كما عقدت شراكات مع 1,500 مؤسسة على مستوى البلاد.

بان بينجكاي، مؤسس ألو7 ورئيسها التنفيذي.
مصدر الصورة: تقدمة من ألو7

على عكس سكويرل، فإن منصة ألو7 للتعلم على الإنترنت تهدف إلى تدعيم عمل غرفة الصف التقليدية. حيث أن المعرفة التي تُمارس عبر التعلم التكيفي، مثل المفردات، تُدرب في المنزل عبر التطبيق. وكذلك مهارات اللفظ، والتي يمكن تحسينها عبر خوارزميات التعرف على الكلام. ولكن الأشياء التي تتطلب مهارات إبداعية، مثل الكتابة والحوار، تبقى في غرفة الصف، وتُعتبر مساهمة الأستاذ حيوية وهامة، ويمثل بان المسألة بهذه الطريقة: “تحتوي المستشفيات على الكثير من التكنولوجيا الطبية، ولكن لا يمكننا أن نقول أن الآلة تتفوق على الأطباء، فهي ما زالت مجرد أداة لمساعدتهم في عملهم”.

يمثل التخلص من الاختبارات المعيارية الهدف الأساسي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم بالنسبة لبان، كما يتساءل: “لماذا نختبر الناس لساعتين أو ثلاثة حتى نحدد مستواهم؟”. يعتقد بان أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي في نهاية المطاف إلى بناء بيئات تعليمية توافق التلاميذ الحساسين والمبدعين تماماً كما توافق أقرانهم الذين يميلون إلى الدقة والتحليل، ويضيف أن التعليم لن يتمحور حول المنافسة.

في السنة الماضية بدأت ألو7 بتكثيف اختباراتها. فقد أضافت تحليل الوجه والصوت إلى جلسات التعليم بالفيديو لتوليد تقارير ملخصة عن كل جلسة. وتقيس الخوارزميات طول الفترات التي يمضيها التلاميذ وهم يتكلمون الإنجليزية في الصف، ودقة لفظهم الإنجليزي، والمؤشرات الأساسية حول اندماجهم في الحصة واستمتاعهم بها، مثل عدد المرات التي يفتحون فيها الفم من أجل الكلام والضحك. وفي وقت سابق من هذا العام، قامت الشركة بتجهيز عدة غرف صفية بكاميرات وميكروفونات للحصول على تحليلات مشابهة، كما يحصل الأساتذة على تحليلات حول أدائهم أيضاً.

ذهبت لرؤية واحدة من غرف ألو7 الصفية الذكية بنفسي. وعلى الرغم من صغر حجمها، فهي تضج بالألوان. كانت الجدران مزينة بتمائم الحظ الخمسة للشركة، وهي خمس شخصيات كرتونية ذات مميزات مختلفة، وتظهر في جميع المواد التعليمية للشركة. لم يكن هناك طاولات أو كراسٍ، بل مقعد يمتد على طول الحائط الخلفي، أما في المقدمة فقد كان هناك لوح أبيض وشاشتان تلفازيتان لعرض محتوى المنهاج اليومي.

لم تكن هناك أية حصص في ذلك الوقت، ولكن أحد موظفي الشركة استعرض لي بعض المقاطع القصيرة من مناهج المدرسة الابتدائية. ففي أحدها، كان ست طلاب يجلسون على مقعد ويتدربون على لفظ أسماء حيوانات مختلفة، فقد كانوا يرددون “عصفور! عصفور! عصفور!” مع معلمتهم فيما كانت ترفرف بذراعيها كالأجنحة، وبعد ذلك تغير محتوى الشاشة إلى سلحفاة كرتونية فيما تابعوا الترداد “سلحفاة! سلحفاة! سلحفاة!”. كان التفاعل بين الأستاذ والتلميذ يحتل المقدمة، على حين تراجع الذكاء الاصطناعي، عمداً، منسياً إلى الخلف.

تلاميذ يتعلمون اللغة الإنجليزية في غرفة صف ذكية لشركة ألو7.
مصدر الصورة: تقدمة من ألو7

يقول ديد أن البيانات التي تولدها غرفة صف ذكية يمكن أن تكون مفيدة، ولكنه يحذر من أن الكاميرات وغيرها من الحساسات قد يساء استخدامها للحكم على عواطف التلاميذ أو حالتهم العقلية، وهي تطبيقات ما زالت لا تمتلك أساساً علمياً جيداً، ويمكن أن تؤدي إلى زيادة المراقبة. ويتفق بان مع ضرورة الحذر في هذه الحالة: “لهذا نؤمن البيانات بشكل أساسي للأساتذة وليس للطلاب، لأننا لم نقم بعد بإجراء اختبارات علمية”.

قال بان أنه لا يخطط لتوسيع عمل ألو7 خارج الصين، حيث أن السوق المحلية تمثل لوحدها تحدياً كافياً لبيع فلسفته التعليمية التي تتعارض مع الاتجاه السائد. ولكنه بدأ يرى نقلة في الحوار الوطني، فمع سعي القادة الحكوميين إلى إيجاد أساليب جديدة لتحفيز الإبداع، فإن فكرة “التعليم الموجه نحو النوعية” –أي الذي يركز على الابتكار والفنون الليبرالية- بدأت تكتسب بعض الزخم.

في فبراير من العام المنصرم، أقرت وزارة التعليم الصينية بعض الإصلاحات، بما في ذلك تشديد معايير ترخيص عمل الأستاذ الخصوصي بهدف تخفيف الميل نحو إجراء الاختبارات والذي وصل إلى حد الهوس. ومنذ فترة وجيزة، كشفت الحكومية أيضاً الستار عن مجموعة من التوجيهات لزيادة التركيز على التعليم البدني والأخلاقي والفني، والتقليل من الامتحانات. وعلى الرغم من أن النقاد أشاروا إلى أن امتحان جاوكاو ما زال موجوداً، فإن بان يشعر بالتفاؤل إزاء وجود نية التغيير، كما أن ألو7 مستعدة لمساعدة البلاد في بحثها عن توجهات جديدة.

يقول بان على الدوام: “نريد تغيير مستقبل التعليم في الصين باستخدام التكنولوجيا”. ويبدو أن التجربة الهائلة الصينية في التعليم بالذكاء الاصطناعي، والخيارات التي ستؤدي إليها، قد تؤدي أيضاً إلى تغيير التعليم في العالم بأسره.


شارك



مراسلة الذكاء الاصطناعي، إم آي تي تكنولوجي ريفيو