Article image
مصدر الصورة: أسوشييتد برس



لطالما لاحظ المحللون الأدبيون وجود أسلوب مؤلف آخر في مسرحية هنري الثامن، وقد استطاعت شبكة عصبونية الآن تحديد المشاهد المشكوك بها، وهوية كاتبها الحقيقي.

2019-12-30 17:20:33

30 ديسمبر 2019

كان ويليام شكسبير، على امتداد معظم فترة حياته، هو الكاتب المسرحي الخاص لفرقة مسرحية تسمى كينجز مِين (رجال الملك) كانت تؤدي مسرحياته على ضفاف نهر التايمز في لندن. وعندما تُوفي شكسبير في 1616، أصبحت الفرقة في حاجة إلى بديل، ولجأت إلى واحد من أكثر كتاب المسرحيات شهرة وإنتاجاً في ذلك الوقت، وهو رجل يدعى جون فليتشر.

بهتت شهرة فليتشر منذ ذلك الحين. ولكن في 1850، لاحظ المحلل الأدبي جيمس سبيدينج تشابهاً واضحاً بين مسرحيات فليتشر وبعض المقاطع في مسرحية شكسبير “هنري الثامن”، واستنتج أن فليتشر وشكسبير تعاونا ولا شك في العمل على هذه المسرحية.

وينبع الدليل من دراسة الخصائص اللغوية لكل من المؤلفَيْن، وكيفية ظهورها في هنري الثامن. وعلى سبيل المثال، فإن فليتشر غالباً ما يستخدم كلمة ye بدلاً من you، وكلمة ‘em بدلاً من them، كما أنه يميل أيضاً إلى إضافة كلمة sir أو still إلى سطر خماسي التفعيلات لإضافة مقطع لفظي سادس.

وبسبب هذه الخصائص وغيرها، استنتج سبيدينج وغيره من المحللين وجود علاقة لفليتشر بهذا العمل، غير أن كيفية تقسيم المسرحية بين المؤلفين ما زالت موضع خلاف كبير، كما أن نقاداً آخرين أشاروا إلى أن فيليب ماسنجر -وهو مؤلف درامي بريطاني آخر- هو الذي كان المؤلف المساعد لشكسبير فعلياً.

بسبب كل هذه الخلافات، فإن المحليين والمؤرخين يرغبون في حسم هذه المسألة نهائياً، وتحديد المؤلف الحقيقي لكل جزء من هنري الثامن بشكل قاطع.

وهنا يأتي دور بيتر بليشاك في الأكاديمية التشيكية للعلوم في براغ، حيث يقول إنه تمكن من حل المشكلة باستخدام التعلم الآلي لتحديد المؤلف الحقيقي لكل سطر من المسرحية تقريباً، ويقول: “تدعم نتائجنا إلى حد كبير التقسيم المتعارف عليه للمسرحية بين ويليام شكسبير وجون فليتشر، الذي اقترحه جيمس سبيدينج”.

وتُعتبر المقاربة الجديدة بسيطة ومباشرة من حيث المبدأ؛ فقد استُخدمت خوارزميات التعلم الآلي لعدة سنوات لكشف الأنماط المميزة لطريقة كتابة المؤلفين، وتعتمد هذه الطريقة على كتلة من أعمال المؤلف لتدريب الخوارزمية، وكتلة أخرى مختلفة وأصغر حجماً لاختبارها عليها. ولكن الأسلوب الأدبي للمؤلف قد يتغير عبر الزمن، ولهذا من المهم التأكد أن كل الأعمال تحمل نفس الأسلوب.

فبمجرد أن تتعلم الخوارزمية الأسلوب المطلوب من حيث الكلمات المستخدمة بشكل متكرر والأنماط الإيقاعية، ستتمكن من التعرف على نصوص لم ترها من قبل.

وقد اتبع بليشاك هذه الطريقة بالضبط؛ حيث قام في البداية بتدريب الخوارزمية للتعرف على أسلوب شكسبير باستخدام مسرحيات أخرى كُتبت في نفس الفترة التي كُتبت فيها هنري الثامن، وهي مأساة كوريولانوس، ومأساة سيمبيلين، وقصة شتاء، والعاصفة. بعد ذلك، قام بتدريب الخوارزمية للتعرف على أعمال جون فليتشر باستخدام مسرحيات كتبها في تلك الفترة، وهي فالينتينيان، والسيد توماس، وجائزة المرأة، وبوندوكا. وأخيراً، قام بتشغيل الخوارزمية على هنري الثامن، وطلب منها تحديد مؤلف النص باستخدام طريقة النافذة المنزلقة لمسح المسرحية بأكملها.

وحصل الباحث على نتائج مثيرة للاهتمام؛ حيث إنها تميل إلى التوافق مع تحليل سبيدينج الذي يقول إن فليتشر كتب من المشاهد ما يساوي تقريباً نصف المسرحية. غير أن الخوارزمية تسمح بتحليل أكثر دقة يمكن أن يكشف تغير المؤلف قبل انتهاء المشاهد، وليس في المشاهد الجديدة وحسب. وعلى سبيل المثال، في المشهد الثاني من الفصل الثالث، يشير النموذج إلى وجود اختلاط في التأليف بعد السطر 2081، ويجد أن شكسبير تولى التأليف بشكل كامل في السطر 2200، أي قبل بداية المشهد الأول من الفصل الرابع.

كما درّب بليشاك نموذجه للتعرف على عمل فيليب ماسنجر أيضاً، ولكنه لم يجد دليلاً يُذكر على مشاركته، ويقول: “من المرجح أن فيليب ماسنجر لم يشارك في هذا العمل”.

هذا عمل مثير للاهتمام، ويبين كيف يمكن للغويين والمحللين الأدبيين الاستفادة من التعلم الآلي لفهم ماضينا الأدبي بشكل أفضل. غير أنه ما زال هناك الكثير من العمل الذي يجب إنجازه، وعلى سبيل المثال: عندما تم تدريب خوارزميات الرؤية الآلية للتعرف على الأسلوب الفني، تمكن علماء الحاسوب بسرعة من التوصل إلى طريقة لاستخلاص أسلوب معين وتطبيقه على صور أخرى باستخدام طريقة تعرف باسم نقل الأسلوب العصبوني. وهكذا، وبين ليلة وضحاها، أصبح من الممكن تعديل صورة عادية لتصبح مطابقة لأسلوب فان غوغ أو مونيه.

وهذه الطريقة تثير التساؤل حول إمكانية تطبيق نفس الأسلوب على النص. هل سيصبح من الممكن تحويل مقالة ما، بل مقالة في إم آي تي تكنولوجي ريفيو، إلى أسلوب شكسبير أو جون فليتشر مثلاً؟

من المؤسف أن هذا ليس ممكناً بعد، إلا بطرق سطحية مثل استبدال بعض الكلمات. ويعود هذا عموماً إلى أن هيكلية التواصل ما زالت غير مفهومة إلى حد كافٍ بالنسبة للغويين أو خوارزمياتهم.

المرجع: arxiv.org/abs/1911.05652
المساهمة النسبية لشكسبير وفليتشر في مسرحية هنري الثامن: تحليل مبني على الكلمات الأكثر تكراراً والأنماط الإيقاعية الأكثر تكراراً.


شارك