ما هي أبرز التحديات التي تواجه عالم الميتافيرس؟ وكيف يمكن جعله آمناً؟

5 دقائق
ما هي أبرز التحديات التي تواجه عالم الميتافيرس؟ وكيف يمكن جعله آمناً؟
حقوق الصورة: شترستوك. تعديل إم آي تي تكنولوجي ريفيو العربية.
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في أواخر عام 2021 قامت شركة فيسبوك بخطوة كبيرة بتغيير هويتها واسمها إلى "ميتا" (Meta)، وقد هدفت من تغيير الاسم إلى التركيز على ميدان قديم جديد وهو عالم "الميتافيرس" (Metaverse)، والذي تنظر له الشركة على أنه مستقبل الإنترنت أو الجيل التالي من الإنترنت.

ومنذ ذلك الحين، أصبح الميتافيرس موضوعاً يحظى باهتمام شديد من خبراء التكنولوجيا والمستخدمين العاديين على حدٍ سواء. وعلى الرغم من أن هذا التوجه الجديد لا يزال قيد التطوير، إلا أن الكثير من المخاوف قد ظهرت بالفعل حول مدى أمانه وما إذا كان يحافظ على خصوصية المستخدمين بالفعل، أم أنه سيكون طريقة أخرى لجمع بيانات المستخدمين من أجل استهدافهم بالإعلانات.

ما هو الميتافيرس وكيف يعمل؟

الميتافيرس ليس مصطلحاً جديداً تماماً، حيث ظهر لأول مرة في التسعينيات من القرن الماضي، في رواية الخيال العلمي "تحطم الثلج" (Snow Crash) التي كتبها مؤلف قصص الخيال العلمي "نيل ستيفنسون"، حيث تخيل عالماً يتفاعل فيه البشر مع بعضهم بعضاً باستخدام صور رمزية رقمية في فضاء افتراضي ثلاثي الأبعاد مشابه للعالم الحقيقي.

أما من الناحية التقنية، فيُعرف الميتافيرس بأنه نوع من العوالم الافتراضية يتيح للمستخدمين دخول العالم الرقمي من خلال هوية افتراضية. وفي هذه المساحة الافتراضية يقوم الأشخاص بالتسكع والتعرف على الأصدقاء والتفاعل مع بعضهم بعضاً بغض النظر عن أماكنهم الجغرافية.

وبصورة عامة يجمع عالم الميتافيرس بين العديد من التكنولوجيات مثل الواقع المعزز والواقع الافتراضي والتعلم الآلي وتقنية البلوك تشين والذكاء الاصطناعي، وباستخدام هذه التكنولوجيات سيتمكن المستخدم من الوصول إلى أي عالم من عوالم الميتافيرس.

على سبيل المثال، يمكن للمستخدم التجول في صالة افتراضية لعرض الملابس واستعراض ما يريد شراءه والنظر إليه بشكل فعلي وحتى تجربته، وبعد ذلك يمكنه تقديم طلب الشراء ودفع ثمنه، وسيصل طلبه لاحقاً بشكل حقيقي إلى العنوان الذي قدمه سابقاً في طلب الشراء.

وحتى الآن بدأ بالفعل استخدام الميتافيرس في عدة مجالات، مثل ألعاب الفيديو واجتماعات العمل وفي مجال التعليم وغيرها. ومع أنها تجارب ليست غامرة بشكل كبير، إلا أنها تقدم إحساساً معقولاً لما يتم التخطيط له والذي يمكن أن يكون أكبر قفزة يشهدها الفضاء الرقمي حتى الآن.

اقرأ أيضاً: تعرف على تاريخ الميتافيرس: عن تكنولوجيات سبقت ما نعرفه بكثير

أبرز المخاوف الأمنية المتعلقة بعوالم الميتافيرس

سيكون أمن وخصوصية البيانات أحد أكبر المخاوف المتعلقة بعوالم الميتافيرس، ففي هذه العوالم ستتم مشاركة الكثير من المعلومات الشخصية من خلال أنظمة الواقع الافتراضي، ما يؤدي إلى إنشاء نقطة ربط للبيانات جاهزة للاستهداف من مجرمي الإنترنت.

ويُعد جمع البيانات وحده سبباً كافياً للقلق بالنسبة للكثيرين، حيث إن الشركات بالطبع لن تكتفي بجمع المعلومات العادية مثل عناوين البريد الإلكتروني وأسماء المستخدمين والمواقع الجغرافية، بل ستكون البيانات الحيوية والسلوك والملف الشخصي ومجموعة من المعلومات الشخصية الإضافية هي الهدف.

ووفقاً للخبراء، ستحتاج الشركات إلى القيام بأكثر من مجرد تغييرات في السياسة لحماية بيانات وخصوصية المستخدمين، حيث يجب إنشاء نظام بيئي موثوق يمكنه بناء خوارزميات وأطر عمل ولوائح لمعالجة قضايا الخصوصية والأمان.

وذلك لأن انتهاكات الخصوصية والأمان يمكن أن تعرض سلامة التفاعلات والمستخدمين للخطر، على سبيل المثال زعم أحد المشاركين في النسخة التجريبية للعبة فيديو الواقع الافتراضي على الإنترنت "هورايزن ورلدز" (Horizon Worlds) المملوكة لشركة ميتا، والتي تُمثل إحدى رؤى الشركة لعالم الميتافيرس، تعرضه إلى تحرش جنسي في الميتافيرس.

ونتيجة لذلك قدمت شركة ميتا أداة تسمى "الحدود الشخصية" لمستخدمي تطبيقات Horizon World's و Horizon Venues تضمن لهم تعيين مسافة تصل إلى أربعة أقدام بين صورهم الرمزية الافتراضية، للحد من حوادث التحرش الافتراضية وغيرها من السلوكات المسيئة.

كما تشكل حالات الاحتيال وسرقة الهوية خطراً كبيراً في عوالم الميتافيرس، ما يجعل حماية الهوية الرقمية للمستخدم أمراً ضرورياً، وذلك لأن الشركات المطورة لعوالم الميتافيرس، خاصة الشركات الكبرى، سوف تجمع معلومات شخصية أكثر حيوية لخدمة أغراضها التجارية والبحثية.

وتخطط العديد من الشركات أيضاً لبث الإعلانات في عوالم الميتافيرس للاستفادة من التفاعلات بين المستخدمين، وبالتالي من المتوقع أن تكون نوافذ الفيديو الإعلانية المنبثقة هي الشكل الجديد من الإعلانات المتوقع أن تظهر بكثافة في عوالم الميتافيرس.

اقرأ أيضاً: ميتافيرس يعاني منذ الآن من مشاكل التحرش الجسدي

إذاً، ما الذي يجب فعله لجعل الميتافيرس آمناً؟

على الرغم من أن شركة ميتا قد أوضحت أن هدفها هو التركيز بشكل كامل على عوالم الميتافيرس وتكنولوجياتها وأدواتها، إلا أنها لن تكون الوحيدة المتحكمة، بل بدأ العديد من عمالقة التقنية بالفعل في التجهيز أو دخلوا بالفعل لهذه الصناعة. 

ولكن كما هو الحال مع كل توجه جديد في عالم التكنولوجيا والمنافسة الشديدة التي تظهر فيه، هناك أشياء يجب القيام بها للتحكم في استخدامه. وبالنسبة لعوالم الميتافيرس فإن هناك الكثير من النقاط التي يجب وضعها في الاعتبار عند إنشاء هذه العوالم، وذلك لضمان بيئة آمنة وموثوقة للمستخدمين، وفي الوقت نفسه ضمان نجاح هذه التكنولوجيا الجديدة واستدامتها، وتشمل أهم هذه النقاط ما يلي:

1- وضع قواعد وقوانين تنظيمية واضحة

إذا كان هناك شيء واحد يحتاجه العالم الافتراضي بشكل عام، فهو القواعد واللوائح، وبما أن عوالم الميتافيرس ستعمل بشكل مشابه للعالم الحقيقي، وعلى الرغم من أن فكرة وجود عالم غير خاضع للقواعد قد تبدو مثيرة للكثيرين، فبالتالي يعتبر وجود القواعد المنظمة والقوانين أمراً ضروريّاً للغاية.

وهذا هو السبب في أن كل عالم داخل الميتافيرس يحتاج إلى إعطاء الأولوية للمبادئ التوجيهية والقواعد الخاصة به، حيث إن وجود قواعد وقوانين تحظر سلوكات شاذة مثل اللغة المسيئة والسرقة وانتحال الهوية يُعد أمراً ضرورياً لمنع تحول عوالم الميتافيرس إلى بيئة يصعب السيطرة عليها. 

وبالمثل مع ضرورة وجود قواعد تنظيمية لكل عالم بمفرده، يجب أن تكون هناك مجموعة مشتركة من القواعد والقوانين بين جميع العوالم يلتزم بها كل من الشركات والمستخدمين بشكل صارم لضمان بيئة أكثر أماناً وخصوصية وموثوقية.

2- ضمان حماية المستخدم

يعتبر ضمان حماية المستخدمين أمراً بالغ الأهمية في هذا العالم الافتراضي، تماماً كما ينبغي أن يكون في العالم الحقيقي. ويمكن أن تأتي هذه الحماية بطرق وأشكال متنوعة، ولكن تزويد المستخدمين بمستويات مناسبة من الخصوصية والأمان هو المهم، فأشياء مثل السماح للمستخدمين بالإبلاغ عن التصرفات المسيئة أمر ضروري للغاية، وفي الوقت نفسه تساعد المطورين على تحسين ميزات الأمان الخاصة بعوالمهم.

3- التحقق من هوية المستخدم

مع انتشار المنصات الاجتماعية، أصبح من السهل للغاية إنشاء هوية مزيفة من أجل القيام بأشياء غير أخلاقية ثم تفادي العقوبات لأنه من الصعب التعرف على الفاعل، وبالتالي إذا كان المستخدم يستطيع الوصول إلى عوالم الميتافيرس بشكل مجهول فإن تحديده، عندما يخالف القواعد أو يرتكب جريمة يصبح أكثر صعوبة.

ولهذا السبب، يجب أن تكون هناك طريقة موثوقة يمكن من خلالها التحقق من هوية المستخدم قبل السماح له بالوصول إلى عوالم الميتافيرس، مثل طلب صورة جواز السفر أو رخصة القيادة أو شيء مشابه للتأكد من أن المستخدم حقيقي ويعرف أن كل أفعاله لها عواقب. وهذا من شأنه أن يساعد في مكافحة عمليات سرقة الهوية، بالإضافة إلى حماية القاصرين والمراهقين، أكبر فئة قد تستخدم الميتافيرس، من خلال التحقق من أعمارهم حتى لا يُسمح لهم بالدخول إلى عوالم غير آمنة، وفي الوقت نفسه حمايتهم من الاستدراج والتنمر من قِبل المجرمين.

4- وجود قيود للحد من الاستخدام المفرط

حذرت الكثير من الدراسات بشكل كبير من خطورة استخدام نظارات الواقع الافتراضي، والآن مع توفر عوالم الميتافيرس لعموم المستخدمين، من المتوقع أن يكون الانغماس في عوالمه أكثر حدة وإدماناً مما قد تكون له تداعيات على الصحة العقلية والجسدية للمستخدم.

وفي حين أنه سيكون من الصعب منع شخص ما تماماً من البقاء في عالم الميتافيرس لفترة طويلة خاصة إذا كانت مستويات نشاطه عالية جداً، فإنه يمكن توفير خيارات تحذر المستخدمين عندما ينغمسون في عوالم الميتافيرس لفترة طويلة جداً، أو السماح لهم بتعيين حدود زمنية مثل الموجودة في تطبيقات إنستقرام ويوتيوب.

اقرأ أيضاً: هل ستنجح الشركات التكنولوجية في العمل معاً لتحسين أمان الميتافيرس؟

5- مساءلة حازمة لمن يسيئون التصرف داخل الميتافيرس

في كل تكنولوجيا جديدة هناك أشخاص يقومون بإساءة استخدامها، وبالتالي إذا أساء المستخدم التصرف داخل عوالم الميتافيرس سواء بلفظ غير أخلاقي أو قام بمضايقة الصورة الرمزية لمستخدم ما، فهل هذا يعتبر جريمة يجب أن يعاقب عليها؟ وإذا كان الأمر كذلك فما نوع العقوبة التي يجب أن تصدر؟ وإذا لم يكن كذلك فما هي العقوبة البديلة للمستخدم؟ وبالتالي يحتاج المشرعون والمنظمون إلى الإجابة عن مثل هذه الأسئلة بدقة قبل ترك الأمور تخرج عن السيطرة.

وأخيراً، نجد أنه لطالما كان مفهوم العالم الافتراضي الشامل موضوع خيال علمي خصب للكتاب والمؤلفين، وجُسد بطرق مختلفة في السينما والكتب والألعاب وغيرها. وساعد التطور التقني الآن في جعله حقيقة وواقعاً نطبقه في حياتنا الواقعية مثل عقد اجتماعات الفيديو والتجول في المتاحف افتراضياً وغيرها. 

ولكن دون معالجة المخاوف التي تتعلق بأمن وخصوصية مستخدميه، يمكن أن يصبح عالم الميتافيرس فوضوياً في فترة قصيرة جداً، وبالتالي فإن العمل على حماية أمن وخصوصية المستخدمين ووجود قيود وقواعد تمنعهم من التصرف بشكل غير أخلاقي، هو أمر بالغ الأهمية لجعل عالم الميتافيرس مساحة افتراضية آمنة ومستدامة.