Article image
مصدر الصورة: صور جيتي



هذا ما يجب أن تطلبه الشركات بالضبط من عمالها حين تستأنف نشاطها حتى لا يتعرضون لخطر تفشي فيروس كورونا من جديد.

2020-05-24 10:15:34

24 مايو 2020

سيبدو يوم العمل في حياة موظفي شركة سيلس فورس (Salesforce) المختصة بالبرمجيات مختلفاً تماماً عند عودتهم إلى مكاتب الشركة.

ومع أن الشركة التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها تقول إن جميع موظفيها البالغ عددهم 49,000 موظف يمكنهم الاستمرار في العمل من المنزل طوال هذا العام، ولكن مع تخفيف المناطق لقواعد البقاء في المنزل وإعادة فتح الشركة على مراحل فإن الموظفين الذين يتم السماح لهم بالعودة إلى العمل سيبدؤون يومهم بتسجيل الدخول عبر الإنترنت لإجراء فحص صحي يومي.

ويتضمن هذا الفحص أسئلة من قبيل ما إذا كانوا يعانون من أي أعراض محتملة لكوفيد-19 أو إذا كانوا على احتكاك مع أي شخص مصاب. فإذا تم منحهم الإذن بالذهاب إلى العمل، فسيعطيهم التطبيق مجالاً زمنياً لمدة 30 دقيقة للوصول إلى مكاتبهم، وذلك بهدف تجنب الازدحام أمام أبواب المصاعد.

وتقول إليزابيث بينكهام، رئيسة قسم العقارات العالمية في سيلس فورس: “أدركنا على الفور تقريباً أن هناك نقطة ازدحام في المصاعد”. وأضافت بينكهام إن توزيع أوقات وصول موظفي الشركة، الذين يبلغ عددهم أكثر من 8,000 في سان فرانسيسكو وحدها، كان “الطريقة الوحيدة لحل هذه المشكلة”.

وسيتوجب على الموظفين ارتداء الكمامات أثناء دخولهم مبنى الشركة، وقياس درجة حرارتهم عند منصة لا لمسية، ومسح بطاقات التعريف الخاصة بهم والتي تتيح لهم الوصول إلى الطوابق والمصاعد. كما ستراقب الشركة تحركاتهم بين المكاتب، وبالتالي ستتمكن من معرفة الأشخاص الذين اختلطوا معهم في حال تم اكتشاف إصابتهم لاحقاً بكوفيد-19.

وفي المصعد، سيتم وضع لافتة لتذكيرهم بعدم التحدث إلى الموظفين الآخرين الذين سُمح لهم باستقلال المصعد في الوقت نفسه. وأخيراً، سيصلون إلى أماكن عمل تم تطهيرها حديثاً وتمت إزالة المكاتب المتجاورة منها. وبعد كل ذلك، سيتمكنون أخيراً من نزع كماماتهم والبدء في ممارسة عملهم.

ها قد حصلت على فكرة عما سيبدو عليه مكان العمل في عصر فيروس كورونا.

وبينما تتجه المناطق بحذر نحو إعادة فتح اقتصاداتها، تتعامل الشركات من جميع الأنواع مع كيفية إعادة تصميم مساحاتها وتغيير إجراءاتها واستخدام تقنيات جديدة للحفاظ على صحة عمالها.

حيث تعمل الشركات على توسيع مساحات المكاتب، وإزالة كراسي غرفة الاجتماعات، وتركيب الأسطح المضادة للميكروبات، وإضافة الماسحات الضوئية الحرارية، وتغيير أنظمة تكييف الهواء، ووضع علامات على الأرضيات، وفرض بروتوكولات التنظيف الصارمة. بل إن بعض الشركات تذهب إلى أبعد من ذلك؛ حيث تقوم بتقديم أو فرض إجراء اختبار الإصابة بفيروس كورونا على العمال العائدين إلى المكتب، وتستخدم أجهزة الاستشعار والمفاتيح الإلكترونية وأدوات أخرى لضمان بقاء العمال على مسافة آمنة أو إبلاغهم عندما يلتقون مع زميل لهم يكتشف لاحقاً أنه مصاب بالفيروس. 

إن نجاح أو فشل هذه التجارب في مكان العمل سيساعد في تحديد مدى سلامة إعادة الفتح حقاً، ومدى سرعة عودة الاقتصاد إلى مساره السابق. لكن إعادة تصميم أماكن العمل بشكل جذري ستثير أيضاً المخاوف بشأن خصوصية الموظفين وقد تنجم عنها مسؤوليات قانونية إذا ما أصيب العمال بأعراض شديدة من المرض على الرغم من الاحتياطات.

أجهزة الاستشعار والمفاتيح الإلكترونية وتكنولوجيا اللالمس

كانت أوتوديسك (Autodesk)، وهي شركة برمجيات التصميم ومقرها في سان رافائيل في كاليفورنيا، قد قالت إنه يمكن للموظفين الاستمرار في العمل من المنزل حتى نهاية هذا العام. ولكن بعد استيفاء المكاتب للمتطلبات المحلية لإعادة الفتح، فإنها ستبدأ في إعادة العمال ببطء. ومن المرجح أن تحدد أولويات أنواع الوظائف التي تتطلب وجوداً فعلياً لإنجازها مثل برمجة الروبوتات والتشغيل الآلي والطباعة ثلاثية الأبعاد.

عندما وصل الوباء إلى الولايات المتحدة، كانت الشركة على وشك فتح مساحة جديدة تبلغ 10,684 متراً مربعاً في سان فرانسيسكو. وحالياً تخطط لاستخدام هذه المساحة كمختبر تجريبي للإجراءات وتقنيات اللالمس وطرق إعداد المكاتب بما يقلل من فرص انتقال فيروس كورونا، حيث ستختبر الأفكار التي يمكن تنفيذها في المكاتب، بحسب قول ستيفن فوكوهارا، نائب رئيس مكان العمل والسفر في أوتوديسك.

كما تدرس الشركة العديد من المفاهيم التي تستخدمها سيلس فورس، بما في ذلك الإبلاغ الذاتي عن الأعراض، وفحوصات درجة الحرارة، والمكاتب المتباعدة. وتجرب أيضاً العديد من التقنيات الجديدة، بما في ذلك الأبواب ذاتية التعقيم التي طورتها هاكا لابس (Hacka Labs).

بالإضافة إلى ذلك، تقوم أوتوديسك بتقييم طرق جديدة لاستخدام أدوات من فيرج سينس (VergeSense) التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها، والتي تعمل على تطوير أجهزة الاستشعار والبرامج التي تحلل حركة العمال بين المكاتب لتقييم الاحتياجات العقارية أو توافر المكاتب والغرف.

ويقول الرئيس التنفيذي لشركة فيرج سينس، دان رايان، إنه يمكن استخدام منتجات الشركة الآن لرصد الأوضاع التي يكون فيها العمال قريبون جداً من بعضهم البعض، إما لتنبيه المدراء عند حدوث ذلك أو للإشارة إلى أنه يجب عليهم تغيير تنسيق المكاتب لمنع حدوثه في المقام الأول. ويضيف أن جميع عملاء الشركة تقريباً، بما في ذلك جينين تيك Genentech وروش Roche وسيسكو Cisco وبي بي BP، يستكشفون استخدام منتجاتها بهذه الطريقة أثناء استعدادهم لإعادة الافتتاح.

وهناك شركات أخرى تدرس ما إذا كان يمكن استخدام تقنيات إضافية لتشجيع أو ضمان الابتعاد الاجتماعي في أماكن العمل؛ حيث تشمل هذه التقنيات أنظمة ليدار، وكاميرات أمنية مقترنة ببرامج الذكاء الاصطناعي، أو مفاتيح إلكترونية لاسلكية يرتديها العمال حول أعناقهم.

وقد قامت إحدى الشركات، وهي شركة إستيموت (Estimote)، بتطوير أجهزة قابلة للارتداء تهتز عندما يقترب العمال كثيراً من بعضهم البعض. كما تقوم هذه الأجهزة بتسجيل التفاعلات بين الموظفين في حال ثبتت إصابة أي منهم بفيروس كورونا. ففي حالة إصابة العامل، يتم إخطار الموظفين الآخرين الذين كان هذا الشخص على اتصال وثيق بهم وقد يُطلب منهم عزل أنفسهم وفقاً لما جاء في ملفات ترويج هذه الأجهزة على موقع الشركة على الإنترنت.

وتقول بينكهام من سيلس فورس إنهم سيستخدمون بيانات الشارة جنباً إلى جنب مع منتج جديد للشركة، وهو وورك دوت كوم (Work.com)، كنوع من أداة تتبع الاحتكاك في مكان العمل وخطة الاستجابة إذا ما التقط الموظفون عدوى فيروس كورونا.

وستقوم الشركة بإعلام العاملين إذا كانوا على مقربة من شخص ما كان اختباره إيجابياً وسيُطلب منهم العمل من المنزل لمدة أسبوعين من دون الكشف عن معلومات صحية تخصّ موظفين محددين. كما ستضمن الشركة حصول الموظف المصاب على الرعاية المناسبة، وإخطار العمال الآخرين الذين كانوا في المبنى وإغلاق جزء من المكتب أو كل المكتب المعني مؤقتاً.

وقد بدأت سيلس فورس في أوائل مايو بتقديم وورك دوت كوم إلى عملائها، والذي يتضمن مجموعة من الأدوات والمعلومات المصممة لمساعدة الشركات على إعادة الفتح.

تقديم -أو فرض- الاختبارات

حتى مع الأدوات والإجراءات الجديدة، فإن الجمع بين مجموعات كبيرة من الأشخاص في الأسابيع والأشهر المقبلة سيؤدي إلى خطر تفشي الفيروس في أماكن العمل.

وبالنظر إلى الاستنتاجات الواضحة التي تشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون من كوفيد-19 قد يكونون معديين للغاية حتى لو عانوا من أعراض خفيفة أو لم تظهر عليهم أي أعراض، فإن عدداً متزايداً من الشركات وخبراء الصحة يرى أن خطط إعادة الفتح يجب أن تشمل أيضاً اختبارات واسعة النطاق ومستمرة للعمال.

ويقول راجاي باتنيجي، كبير مسؤولي الصحة في شركة كوليكتيف هيلث (Collective Health) التي تتخذ من سان فرانسيكو مقراً لها: “يتعلق الأمر بقضية توقيت وسبب اللجوء إلى الاختبارات أكثر من قضية تحول الاختبارات إلى جزء من إستراتيجيات مكان العمل”. ويضيف أن إجراءات مثل فحوصات درجة الحرارة قد تُضر أكثر مما تنفع من خلال منح العمال وأصحاب العمل شعوراً زائفًا بالثقة.

وقد قامت شركة كوليكتيف هيلث، التي تدير الاستحقاقات الصحية للشركات، بتطوير منتج يسمى كوليكتيف جو (Collective Go) الذي يتضمن -من بين أمور أخرى- بروتوكولات صحية تفصيلية للشركات التي تتطلع إلى إعادة فتحها. وتم تطوير الخطوط العريضة للمنتَج الجديد بالشراكة مع الباحثين في جامعة جونز هوبكنز وجامعة كاليفورنيا وسان فرانسيسكو وأماكن أخرى. وتتضمن تحديد مدة وعدد المرات اللازمة لاختبار العمال في أنواع الوظائف والمواقع المختلفة.

وقد توصلت النمذجة الخاصة بهم إلى أن فحص الأعراض ودرجة الحرارة وحده يترك احتمالاً بنسبة 90% لتفشي الوباء في مكان العمل، في حين أن استخدام الأقنعة والابتعاد الاجتماعي والاختبارات الروتينية وغيرها من التدابير في بروتوكول الشركة تخفِّض هذا الاحتمال إلى أقل من 5%.

كما يتضمن منتج كوليكتيف جو على تطبيقات تتيح للعاملين جدولة الاختبارات التي يتولى شركاء التشخيص في الشركة مهمة إدارتها أو الإشراف عليها.

لم يعلن إلا عدد قليل فقط من الشركات الأميركية عن نيتها أو رغبتها في تقديم اختبار فيروس كورونا إلى الموظفين مباشرة في هذه المرحلة؛ وتشمل هذه الشركات أمازون، والدوري الأساسي لكرة القاعدة، والعديد من كازينوهات لاس فيغاس، وكلية مورهاوس للطب.

لكن استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها المجموعات التجارية وجدت أن نسبة كبيرة من أصحاب العمل يفكرون في إجراء الاختبارات في موقع أعمالهم (حوالي 25%، وفقاً للطاولة المستديرة لابتكارات صحة أصحاب العمل) أو يقدمونها بالفعل أو يقومون بتقييم ما إذا كانوا سيفعلون ذلك (36%، وفقاً لمجموعة المحيط الهادئ للأعمال المتعلقة بالصحة).

ولكن كارولين سافيلو، كبيرة المسؤولين التجاريين في شركة كولور (Color)، وهي شركة مختصة بالتشخيص في بورلنجيم بكاليفورنيا، والتي اضطلعت بحوالي ثلث اختبارات الإصابة بكوفيد-19 في سان فرانسيسكو، تقول إن الشركة قد عقدت صفقات لتوفير الاختبارات لما يقارب عشرين شركة في هذه المرحلة. (كلية مورهاوس هي العميل الوحيد الذي وافقت الشركة على الإفصاح عن اسمه). وتضيف سافيلو أن البعض يعتزم تقديم اختبار طوعي لموظفيهم، بينما سيفرضها البعض الآخر كشرط للعودة إلى مكان العمل.

وقد صرَّحت اللجنة الأميركية لتكافؤ فرص العمل أنه يمكن لأصحاب العمل أن يفرضوا إجراء الاختبار طالما أن الاختبارات دقيقة وموثوقة وتتم إدارتها بشكل عادل.

وتقوم شركة كولور بالفعل باختبار العاملين في المختبر الخاص بها وتخطط لاختبار جميع موظفيها البالغ عددهم 150 تقريباً فور عودتهم إلى العمل.

عالم العمل الجديد

يبقى أن نرى كيف يستجيب العمال أنفسهم عندما يوجههم أرباب العمل إلى إجراء الاختبارات، والكشف عن الأعراض، وارتداء الأقنعة، وحمل المفاتيح الإلكترونية، والعمل تحت مراقبة أجهزة الاستشعار التي تراقب درجات حرارتهم أو مدى قربهم من زملائهم.

ومن المؤكد أن الكثيرين سيعتبرون هذه التدابير ضرورية ومقايضة مؤقتة لحماية صحتهم ومجتمعاتهم وصحة زملائهم في العمل. لكن التذمر والاحتجاجات ضد تقييد الحريات المدنية الذي فرضته أوامر البقاء في المنزل تشير إلى أن الكثير من الموظفين لن ينظروا إلى هذه التدابير بنفس الطريقة.

لذا سينبغي على الشركات في الحد الأدنى أن تولي عناية كبيرة إلى تقليص استخدام البيانات، وحماية الخصوصية الصحية للعاملين فيها، وتخفيف الإجراءات حالما ينحسر تفشي الوباء.

لكن تحقيق التوازن الصحيح سيمثل صراعاً متواصلاً في ظل تغير مستويات العدوى، وتقلبات المخاوف الصحية، وتنامي حنق الموظفين من عالم العمل الجديد الصارم.


شارك



محرر رئيسي في مجال الطاقة، إم آي تي تكنولوجي ريفيو