Article image
رائدة الفضاء من ناسا: جيسيكا ميير، أثناء قيامها بعملية تجول فضائي خارج محطة الفضاء الدولية. مصدر الصورة: ناسا



مشاركة النساء في البعثات الفضائية: أوصى تقرير جديد بعتبات موحدة للتعرض للإشعاع لجميع رواد الفضاء، بغض النظر عن الجنس.

2021-07-04 18:40:58

03 يوليو 2021

تقوم الحقول المغناطيسية الأرضية بحمايتنا من أغلب الإشعاعات التي تخترق الفضاء، ولهذا فإن البشر على الكوكب لا يتعرضون إليها كثيراً، وذلك بمقدار صغير يساوي حوالي 3 إلى 4 ميلي سيفيرت كل سنة. ولكن، ومن ناحية أخرى، فإن رائد الفضاء الذي يبقى على متن محطة الفضاء الدولية لفترة 180 يوماً سيتعرض إلى 50 إلى 180 ميلي سيفيرت.

أما تأثير هذا الإشعاع فيعتمد على الكثير من العوامل، بما فيها الجنس؛ حيث إن التعرض للإشعاع يترافق بمزيد من الخطر عند النساء من حيث التعرض للإصابة بسرطان الثدي، والمبايض، والرحم.

ووفقاً لمعايير ناسا الحالية (بناء على نماذج تعتمد بشكل كبير على دراسات للناجين من القنابل الذرية في اليابان)، يستطيع رواد الفضاء الاستمرار في المشاركة في البعثات بشرط بقاء نسبة تزايد خطر الإصابة بسرطان قاتل تحت 3%، التي تعني وفاة 3 رواد فضاء على الأرجح بسبب سرطان ناجم عن الإشعاعات الفضائية من بين كل 100 رائد فضاء أمضوا في الفضاء نفس الفترة. ووفقاً لهذا، فإن الحد الأدنى لهذا المجال يعني أنه لا يمكن لامرأة في الثلاثين أن تتعرض لأكثر من 180 ميلي سيفيرت في حياتها المهنية، أما الحد الأعلى فيعني أنه يمكن لرجل في الستين من عمره أن يتحمل 700 ميلي سيفيرت قبل أن يُمنع من المشاركة في البعثات.

لم تتغير هذه المعايير على مدى عقد كامل، ولكن الآن، فإن ناسا تفكر في التخلي عنها لصالح معايير موحدة. وينصح تقرير نُشر في 24 يونيو من قبل الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب بوضع حد واحد لكامل فترة الحياة المهنية لرائد الفضاء بقيمة 600 سيفيرت لجميع رواد الفضاء، بغض النظر عن الجنس والعمر. وإذا اعتُمد الحد الجديد، فقد يعطي النساء من جميع الأعمار فرصة المشاركة في الرحلات الطويلة الأمد التي كان يستحيل عليهن المشاركة فيها من قبل.

وهناك أسباب وجيهة تدعو ناسا -التي طلبت من الأكاديميات إعداد هذا التقرير- إلى تحديث معاييرها الخاصة بالإشعاع؛ حيث إن الوكالة تريد إعادة رواد الفضاء إلى القمر بحلول العام 2024، وإرسالهم في نهاية المطاف إلى المريخ، غير أن حدود الإشعاعات الحالية لا تنطبق سوى على البعثات في المدار الأرضي الأدنى.

يقول جيفري كان، وهو بروفسور في سياسة وإدارة الصحة في جامعة جونز هوبكينز، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة: “لقد آن أوان إعادة النظر بمعايير الإشعاع، وذلك بناء على الخطط الجديدة لبعثات طويلة الأمد. فعندما تتجاوز المدار الأرضي الأدنى، وتتجاوز محطة الفضاء الدولية، فإن التفكير في الإشعاع من حيث عدد الأيام التي تمضيها في الفضاء لن يعود مجدياً”.

وتضيف هيدفيج هريساك، وهي رئيسة مجلس إدارة الطب الإشعاعي في مركز ميموريال سلون كيتيرينج للسرطان ورئيسة اللجنة التي كتبت التقرير، أن التوصيات الجديدة “أكثر توافقاً مع حدود موجودة في مهن أخرى” تتمحور حول التعرض للإشعاع في صناعات أخرى. وتقول إن تقديرات ناسا السابقة كانت أكثر ارتباطاً بالخطر الفوري بدلاً من التعرض التراكمي طوال فترة الحياة.

وبصراحة، فإن ناسا ترغب في ضمان ابتعاد برنامج أرتميس -الذي يهدف إلى الهبوط على القمر- عن الصورة النمطية لرواد الفضاء البيض المتوسطين في العمر في برنامج أبولو خلال الستينيات والسبعينيات. وترغب ناسا في مشاركة امرأة في أول طاقم جديد سترسله إلى القمر، كما تهدف إلى أن يقدم البرنامج ككل فرصاً متساوية لمشاركة رواد الفضاء “بغض النظر عن العمر والجنس”، كما يقول التقرير.

أيضاً فإن معيار 600 ميلي سيفيرت سيجعل ناسا أكثر توافقاً مع بقية العالم؛ حيث إن معظم وكالات الفضاء الكبيرة الأخرى (مثل الكندية والأوروبية والروسية) وضعت معياراً بسيطاً يحد التعرض إلى الإشعاع بقيمة 1,000 ميلي سيفيرت لجميع روادها. وحتى عند قيمة 600 ميلي سيفيرت، ما زالت ناسا أكثر حرصاً من غيرها. تقول هريساك إن هذا يساعد على السماح بالاحتياط للعوامل المجهولة، بما أنه ما زال هناك الكثير مما نجهله حول الإشعاعات الفضائية.

إن قيمة 600 ميلي سيفيرت مبنية على التعرض الأقصى المسموح به لامرأة في سن 35. وترى ناسا أن هذه الشريحة العمرية، الأصغر في مجموعة روادها، هي “الأكثر تعرضاً للخطر” بالإصابة بسرطان قاتل ناجم عن الإشعاعات الفضائية. تقول أيمي بيرينجتون دي جونزاليز من المعهد الوطني للسرطان، وهي أيضاً من المشاركين في تأليف التقرير: “إن احتمال الإصابة بالسرطان الناجم عن الإشعاع بكون أعلى عند التعرض في سن صغيرة، خصوصاً سرطان الثدي. ورغم أننا لم نفهم التفسير البيولوجي لهذه الظاهرة بشكل جيد حتى الآن، ولكن هناك الكثير من الدراسات التي بينت تأثير العمر عند التعرض على احتمال الإصابة”. وبالتالي، فإن تطبيق معيار شامل بناء على المخاطرة المتعلقة بهذه الشريحة الديمغرافية يمثل المقاربة “الأفضل حماية”.

ولكن الموضوع لا يخلو من السلبيات. يقول كان: “قد تتعرض بعض النساء في الواقع إلى جرعات أكبر بسبب المعايير الجديدة”. وعلى الرغم من أن اعتماد هذا المعيار الجديد سيضمن عدم تأثير مسألة الجنس على اختيار رواد الفضاء للبعثات الجديدة، فإنه أيضاً يثير احتمال استبعاد رواد الفضاء الأكبر سناً في وقت أبكر من اللازم. وقد يمثل هذا الأمر مسألة شائكة على وجه الخصوص بالنسبة للبعثات الأولى إلى المريخ، حيث يمكن أن تلعب الخبرة في الفضاء العميق دوراً حساساً.

حيث إن رحلة بسيطة إلى مدار المريخ لفترة 600 يوم يمكن أن تؤدي إلى جرعات إشعاعية تفوق 1000 ميلي سيفيرت، ما يزيد من خطر الوفاة بالسرطان لدى النساء بعمر 40 سنة إلى قيمة تتجاوز 5%. غير أن ناسا لن تضطر للتفكير في المريخ لعقد آخر على الأقل، ولكنها ستضطر إلى إعادة النظر بالخطر المقبول للتعرض الإشعاعي، وذلك في حال عدم ظهور حلول تغير الوضع تماماً، مثل تقنيات أفضل للتدريع.

يدرك كل رائد فضاء المخاطر التي ترافق السفر الفضائي، ولكن في الوقت نفسه، وكما يقول كان، “تقع على عاتق ناسا كوكالة مسؤولية حماية الأشخاص الذين تعرضهم للأذى”.