إنه وضع يتطلب استنفار الجميع لحماية الإحصاء الهام من التعرض للتلاعب. ولكن ما زال هناك مخاوف من نقص الشفافية لدى الشركات التكنولوجية الكبيرة.

2019-12-18 10:32:09

17 ديسمبر 2019
Article image

تفصلنا بضعة أشهر فقط عن موعد إصدار الإحصاء السكاني في الولايات المتحدة لعام 2020؛ حيث يُجرى هذا الإحصاء السكاني على مستوى الولايات كافة كل 10 سنوات، ويساهم في تحديد الكثير من الأمور، بدءاً من مدفوعات الضمان الاجتماعي، وصولاً إلى كيفية إنفاق الحكومة الأميركية للأموال على المدارس والمستشفيات، وأماكن المتاجر الجديدة التي ستفتحها الشركات، ويشعر الجميع هناك بالقلق من محاولات التلاعب بهذا التعداد.

وطالما كان إحصاء بعض المجموعات، مثل الأطفال الصغار، مسألة صعبة. ولكن حقبة ما بعد 2016 أضافت مسألة جديدة مثيرة للقلق، وهي: حملات تزييف المعلومات (سواء من ناشري الكراهية على الإنترنت أو القوى الأجنبية التي تحاول تغيير التمثيل في الكونجرس)، فهذه الحملات تشجع الناس على تجنب الإحصاء السكاني بالكامل. وسيؤدي هذا إلى نقص في التعداد، مما يعني أن بعض الشرائح والمجموعات السكانية ستحصل على أقل مما تستحق من الأموال والموارد والسلطة. وقد وجد تحليل من المعهد الحضري أن التجمعات السكانية ذات الأصول اللاتينية والأفريقية ستتعرض على الأرجح إلى نقص في التعداد في السنة المقبلة، ويعود هذا جزئياً إلى محاولة إدارة ترامب إضافة سؤال عن المواطَنة إلى أسئلة التعداد السكاني، مما أثار مخاوف المهاجرين من الإجابة على الاستبيان والتعرض للترحيل.

ولهذا السبب أصبح السياسيون في أميركا أكثر قلقاً من ضعف الإجراءات الحالية، فقد وجَّه مشرعون ديمقراطيون مؤخراً دعوةً إلى تويتر للكشف عن إجراءاتها لمحاربة تزييف المعلومات حول الإحصاء السكاني، وقالوا إن من “المهم للغاية” أن تلتزم الشركة بوعودها بتحسين أدائها. وبشكل مشابه، يخطط أفراد من لجنة الكونجرس للأميركيين المنحدرين من آسيا والمحيط الهادئ، وهي مجموعة من المشرعين المهتمين بالقضايا الآسيوية – الأميركية، يخططون لطلب توضيحات من فيسبوك حول أحدث الإجراءات في خطتها المتعلقة بالإحصاء السكاني أيضاً.

يقول ستيفن بوكنر، وهو المدير المساعد للاتصالات في مكتب الإحصاء السكاني، إن معظم الإشاعات حتى الآن ناتجة عن ارتباك بريء أو جهل الناس بطبيعة وهدف الإحصاء السكاني بالضبط. ويضيف أنه من شبه المؤكد ظهور حملات أكثر تركيزاً مع الاقتراب من موعد الإحصاء. واستعداداً لهذا، كان مكتب الإحصاء السكاني يعمل بالتعاون مع الشركات التكنولوجية الكبيرة ومجموعات المجتمع المدني على تنسيق وسائل محاربة تزييف المعلومات. وهذا ما نعرفه حتى الآن حول إجراءات حماية هذا الاستبيان الهام.

إجراءات مكتب الإحصاء السكاني
أولاً، افتتح المكتب حساب بريد إلكتروني للتبليغ العمومي على العنوان [email protected]، حيث يمكن للناس إرسال رسائل تتضمن أسئلة أو أمثلة عن معلومات مزيفة. كما قام بتحديث صفحته للأسئلة المتكررة ودحض معظم الأفكار الخاطئة الشائعة.

غير أن حساب بريد إلكتروني ومجموعة من الأسئلة المتكررة لا يكفيان على الإطلاق لمكافحة التزييف، ولهذا قام المكتب بتشكيل فريق من محللي التواصل الاجتماعي لمراقبة المنصات الكبيرة بحثاً عن الإشاعات، سواء بالإنجليزية أو غيرها من اللغات الشائعة مثل الإسبانية، ويخطط لتوظيف أعداد إضافية منهم تقدر بالعشرات خلال الأشهر المقبلة. وعلى سبيل المثال، علِم المكتب منذ بضعة أشهر بإشاعة تقول إن بعض اللصوص كانوا ينتحلون شخصية موظفين في مكتب الإحصاء السكاني لاقتحام المنازل، وعندها قام المكتب بتحديث صفحة الأسئلة المتكررة لدحض هذا الادعاء، كما أجرى تحسينات كبيرة على أولوية الصفحة في محركات البحث، بحيث تظهر في مقدمة النتائج على جوجل عندما يقوم أي شخص بإجراء بحث عن هذه الإشاعة.

أما الأمر الأكثر أهمية، فهو سعي المكتب إلى العمل مع شركاء أخرين. ويخطط لعقد شراكة مع أكثر من 300,000 منظمة، بدءاً من الشركات الضخمة والمنظمات الخيرية وصولاً إلى الجمعيات السكنية والشركات والمكاتب والمتاجر المحلية. وتتضمن هذه المجموعة 13 وكالة تركز على مجموعات عرقية مختلفة قد لا تتحدث الإنجليزية. ويتلخص دور هؤلاء الشركاء في المساعدة على الوصول إلى الناس الذين قد لا يقومون على الإطلاق بالتواصل مع الخط الساخن للمكتب على البريد الإلكتروني أو الاطلاع على صفحة الأسئلة المتكررة.

ويوجد أعضاء من هذه المنظمات الشريكة ضمن مجموعات مغلقة على فيسبوك ووي تشات، مما يجعلهم أقرب بكثير مما يحدث على الأرض، ويعني أنهم يستطيعون إيصال المعلومات إلى الذين يستحيل على مكتب الإحصاء السكاني التواصل معهم. ففي حالة إشاعة اللصوص والسرقات، قام المكتب بالتنسيق مع هذه المجموعات المحلية والوطنية لإبلاغ الجميع بأن هذه الإشاعة محض احتيال. وبالنتيجة، تضاءل عدد المرات التي ذُكرت فيها الإشاعة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن رسائل البريد الإلكتروني المُرسلة إلى حساب التبليغ حول هذه الإشاعة توقفت تماماً.

إجراءات الشركات التكنولوجية الكبيرة
في المحصلة، فإن الشركات التكنولوجية الكبيرة هي التي تمتلك من النفوذ ما يكفي لكبح جماح تزييف المعلومات حول الإحصاء السكاني، وقد كانت جميع المنصات الكبيرة (فيسبوك وجوجل وتويتر) تعمل مع مكتب الإحصاء السكاني، ولكن بعضها كانت أكثر شفافية من غيرها حول الإجراءات التي تتخذها بالضبط.

وحتى الآن، يبدو أن فيسبوك سبقت غيرها من الشركات في هذه الإجراءات، فقد قالت إنها ستحظر أية معلومات مزيفة حول الإحصاء السكاني. وقد شكلت فريقاً داخلياً -على غرار فريق مكتب الإحصاء السكاني- لمراقبة المحتوى المتعلق بهذه المسألة، وذلك بالجمع ما بين قدرات الذكاء الاصطناعي والتقييم البشري. وستنشر الشركة سياستها المتعلقة بتزييف المعلومات حول الإحصاء السكاني في هذا الخريف.

من جهة أخرى، قالت جوجل إنها ستشكل فريقاً خاصاً لمواجهة تزييف المعلومات، ويقول بوكنر إنها أيضاً ستنشر خطتها حول الإحصاء السكاني في 2020 قريباً. أما بالنسبة لتويتر، فقد أطلقت في السنة الماضية أرشيفاً يتضمن جميع المحاولات المحتملة للتدخل الأجنبي (من أي نوع) على المنصة، كما أنها تخطط أيضاً لتشكيل فريق لحماية الإحصاء السكاني. غير أن هذا ليس كافياً بالنسبة للمشرعين الديمقراطيين الذين يريدون من الشركة أن تحظر المعلومات المزيفة حول الإحصاء السكاني، وتحسن من مراقبتها للحسابات التي يُشتبه بأنها تدار من قِبل بوتات لنشر التزييف، كما ورد في رسالة هذا الأسبوع: “نعتقد أن منصات التواصل الاجتماعي يجب أن تتخذ إجراءات أكثر وأفضل مما فعلته في 2016 لردع التدخل الخارجي في الإحصاء المقبل والتخفيف من آثاره”، وقد كان السيناتور برايان شولتز يطالب الشركات التكنولوجية بمزيد من الشفافية بلا هوادة، منذ يوليو الماضي.

ويبدو فعلياً أن كلاً من هذه المنصات قد حسنت من إجراءاتها مقارنة مع ما فعلته في 2016، ولكننا ما زلنا لا نعرف تفاصيل سياسات جوجل وتويتر إزاء تزييف المعلومات حول الإحصاء السكاني (لم تستجب الشركتان لطلبنا لتوضيحات حول موعد نشر هذه المعلومات)، كما أننا لا نعرف آلية عمل فرقها الداخلية بالضبط، أو كيفية كشف البوتات، أو الإجراءات المتخذة للبحث عن أساليب التزييف الجديدة واستباق آثارها.

بالنسبة للأكاديميين والباحثين في مجال تزييف المعلومات، فإن نقص شفافية هذه المنصات يعد مشكلة قديمة؛ يقول ديبايان جوش -وهو خبير في المنصات وزميل في مركز شورينستاين في هارفارد- لنيويورك تايمز: “يحتاج الباحثون إلى الوصول إلى كافة المعلومات المطلوبة لدراسة مكامن الخلل. ويجب على وادي السيليكون تحمل مسؤولية التزامه الأخلاقي بفعل كل ما يمكن لحماية العملية السياسية الأميركية”. وكلما زادت تغطية هذه الشركات على معلوماتها وآلياتها، أصبح من الصعب على الخبراء تحديد مدى فعالية جهودها.

يقول بوكنر: “أعيد وأكرر أن أهم مسألتين متعلقتين بالإحصاء السكاني هما السلطة والمال؛ حيث إن التمثيل السياسي بأكمله مبني على التعداد السكاني، ويتعلق الموضوع بمليارات الدولارات، ولا يحدث سوى مرة واحدة كل عقد”.