Article image
مستشفى إسعافي خلال وباء الأنفلونزا الإسبانية، معسكر فونستون، ولاية كانساس.
حقوق الصورة: المتحف الوطني للصحة والطب



حدثت هذه الجائحة العالمية في عام 1918، وأدّت إلى مقتل ما لا يقل عن 50 مليون شخص، ما جعلها تصنّف على أنها إحدى أشدّ الجائحات في التاريخ.

في عام 1918، تسبّبت سلالة من فيروس الأنفلونزا بجائحة عالمية انتشرت على نطاق واسع وأدّت إلى إصابة نحو ثُلث سكان العالم حينها، ومقتل ما لا يقل عن 10% من المرضى من كافة الفئات والأعمار. تختلف التقديرات حول أعداد الوفيات التي أحدثتها هذه الجائحة، ولكن يعتقد أنها أودت بحياة ما لا يقلّ عن 50 مليون شخص، الأمر الذي جعلها الجائحة الأشد في التاريخ الحديث على الإطلاق. وعلى الرغم من اسمها الذي عُرف بالأنفلونزا الإسبانية، إلا أن الفيروس لم ينشأ من إسبانيا على الأرجح.

ما سبب الأنفلونزا الإسبانية؟

بدأ الوباء بالانتشار عام 1918 خلال الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، ويعتقد الخبراء الآن أن النزاع كان له دور في انتشار الفيروس؛ ففي الجبهة الغربية من الحرب، كان الجنود يقيمون في ظروف سيئة وغير نظيفة، فضلاً عن سوء التغذية وانخفاض المناعة نتيجة لذلك. بدأ المرض بالانتشار بين الجنود، الذين كانوا إما يتماثلون للشفاء خلال أيام أو تسوء حالتهم ويتعرّضون للموت. 

وفي صيف عام 1918، بدأ الجنود يعودون إلى منازلهم بعد توقف القتال، وقاموا بنقل الفيروس إلى مدنهم وقراهم وبلداتهم. انتشر الفيروس بين الناس، وكانت وطأته أشد على البالغين الشباب الذي تراوحت أعمارهم بين 20 و30 سنة.

احتدم النقاش بين العلماء لعقود حول المكان الذي نشأ منه الفيروس، حيث أيّد علماء أن تكون بدايته في فرنسا، بينما ذهب آخرون إلى أنها كانت في الولايات المتحدة. وفي عام 2014، اقترحت أدلة جديدة نُشرت على موقع ناشيونال جيوغرافيك أن الفيروس نشأ في الصين لأول مرة، وانتشر عن طريق آلاف العمّال الصينين الذين انتقلوا إلى أوروبا. ولكن بسبب كثرة الأمور التي ما تزال مجهولة وغير مؤكدة، تبقى كل هذه النظريات غير قادرة على تحديد المنشأ بشكل حاسم. 

ما سبب تسميتها بالأنفلونزا الإسبانية؟

كانت إسبانيا إحدى أوائل الدول التي تم فيها الكشف عن الوباء، لكن المؤرخين يعتقدون أن سبب التسمية يعود للرقابة العسكرية في تلك الفترة الزمنية؛ إذ كانت إسبانيا دولة محايدة خلال الحرب ولم تفرض رقابة صارمة على صحافتها، وقامت بنشر أولى التقارير عن المرض بكل حرية. ونتيجة لذلك، اعتقد الناس أن هذا المرض خاص بإسبانيا، وأصبح يُسمّى بالأنفلونزا الإسبانية.

ما مراحل الأنفلونزا الإسبانية وأعراضها؟

حدثت الأنفلونزا الإسبانية على ثلاث موجات. بدأت الموجة الأولى في شهر مارس من عام 1918، وكانت أعراضها خفيفة بشكل عام وشبيهة بالزكام. كانت الموجة الثانية التي حدثت في شهر أغسطس من نفس العام أشدَّ وطأةً؛ حيث توفي بعض المصابين خلال ساعات من الإصابة بالمرض، بعد أن عانوا من الاختناق نتيجة امتلاء الرئتين بالسوائل. أما الموجة الثالثة من الجائحة، فقد استمرت حتى عام 1920، عندما انتهت الجائحة بعد أن انتهى الأمر بالمصابين إما بالموت أو البقاء على قيد الحياة وتشكيل المناعة. 

بشكل عام، فقد شملت الأعراض الأولية الإحساسَ بالإرهاق وبألم في الرأس، يليه سعال جاف وفقدان للشهية ومشاكل في المعدة، وفي اليوم الثاني من ظهور الأعراض كان يحدث تعرّق شديد. بعد ذلك، كان يمكن للأنفلونزا أن تؤثر على الرئتين وأن تؤدي إلى الإصابة بالالتهاب الرئوي (ذات الرئة)، الذي كان السبب الأغلب لمعظم الوفيات.

كيف كانت الاستجابة الطبية للأنفلونزا الإسبانية؟

أدّت الحرب العالمية الأولى إلى نقص في الأطباء في بعض المناطق، كما أصيب الكثير من الأطباء الذين كانوا موجودين بالمرض. وبسبب اكتظاظ المستشفيات بالمرضى، تم تحويل المدارس والمباني العامة الأخرى إلى مستشفيات مؤقتة، وكان على طلاب الطب أن يَحِلّوا محل الأطباء في بعض الحالات.

وبما أنه لم يكن هناك أي لقاحات أو أدوية مضادة للفيروسات في ذلك الوقت، كان الأطباء في حيرة من أمرهم بشأن ما يُوصون به مرضاهم، حيث أكّد العديد منهم على تجنب الأماكن المزدحمة أو الاحتكاك بالأشخاص الآخرين وطلبوا من الناس تغطية أفواههم وأنوفهم في الأماكن العامة. واقترح آخرون أخذ علاجات مثل القرفة أو شرب النبيذ أو حساء لحم البقر. 

ما هي أوجه التشابه والاختلاف بين الأنفلونزا الإسبانية ومرض كوفيد-19؟

يؤثر كلا المرضين على الجهاز التنفسي ويتشاركان في بعض الأعراض، فكل منهما يمكنه أن يسبب الحمّى والسعال وآلام في الجسم، وقد يؤدي إلى الإصابة بالالتهاب الرئوي. وتتراوح شدّة الإصابة بهما من خفيفة إلى مميتة.

ومع ذلك، فإن الفيروسين المسببين للمرضين يختلفان اختلافاً جوهرياً وينتشران بطرق مختلفة ويؤديان إلى أمراض مختلفة ولا يستهدف كل منهما نفس الفئة من الناس. 

من الطبيعي المقارنة بين الوباءين، ولكن من المهم أن نأخذ بالاعتبار مدى التقدّم الذي أحرزناه في مجال الرعاية الصحية خلال الأعوام المئة التي تفصل بينهما. ووفقاً للأرقام التي بين أيدينا حتى الآن عن فيروس كورونا المستجدّ، لا بدّ أن يُصاب بمرض كوفيد-19 عدد أكبر بآلاف المرات من عدد المصابين به حالياً حتى يصل عدد الوفيات إلى تلك التي نجمت عن الأنفلونزا الإسبانية. ما زال بإمكاننا منع ذلك من الحدوث من خلال اتبّاع كافة التدابير والاحتياطات الموصى بها، كالابتعاد الاجتماعي وإجراء الفحوصات على نطاق واسع والحجر الصحي والتطبيق الصارم لإجراءات النظافة.