Article image
خطوط لامعة بسبب شبكة ستارلينك تؤدي إلى إفساد هذه الصورة لسماء الليل، التي التقطها مشروع المسح لاستكشاف الحجم المحلي باستخدام كاميرا الطاقة المظلمة.
مصدر الصورة: مرصد سيرو تولولو الأميركي/ المركز الوطني للفلك الليلي في المجال البصري وتحت الأحمر/ المؤسسة العلمية الوطنية/ الاتحاد الجامعي للأبحاث الفلكية/ مشروع المسح لاستكشاف الحجم المحلي باستخدام كاميرا الطاقة المظلمة



هناك بعض الحلول التي يمكن أن تخفف من أزمة تزايد عدد الأقمار الاصطناعية في الفضاء، ولكن لا يوجد بينها ما يؤدي إلى القضاء على المشكلة نهائياً.

2020-09-04 18:43:08

04 سبتمبر 2020

بدأت الأوساط العلمية الفلكية تشعر بالتوتر؛ فقد أصبح من شبه المستحيل التقاط منظر صافٍ لسماء الليل بسبب تزايد عدد الأقمار الاصطناعية التي تتحرك ضمن المدار الأرضي الأدنى.

ويبدو أننا بدأنا بالكاد نستوعب الخطر الحقيقي الذي تمثله المجموعات الضخمة من الأقمار الاصطناعية على علم الفلك. وقد توصل تقرير نشرته الجمعية الفلكية الأميركية مؤخراً إلى أن هذه المجموعات الضخمة “ستؤدي إلى تغييرات جذرية في عمليات الرصد الفلكي” بالنسبة للدراسات اللاحقة في المجالين البصري والقريب من تحت الأحمر. ويضيف المؤلفون: “ستصبح الصور الليلية الخالية من آثار مرور قمر اصطناعي تضيئه الشمس أمراً من الماضي”.

بدت أولى أقمار ستارلينك واضحة للعيان بعد إطلاقها بوقت قصير في السنة الماضية، بل إنها أدت إلى إفساد الصور الليلية لبعض المراصد. من المقرر أن تقوم سبيس إكس قريباً بإطلاق أحدث دفعة من أقمار ستارلينك، التي يبلغ تعدادها 60 قمراً اصطناعياً، ستنضم إلى مجموعة من 653 قمراً اصطناعياً أُطلقت على دفعات بدءاً من مايو في 2019. خلال بضع سنوات، ستصل الشبكة إلى حجمها الكامل البالغ 12,000 قمر اصطناعي، ويمكن أن تتوسع إلى 42,000 قمر اصطناعي. أما شركة ون ويب في لندن -التي مرت بسنة كاملة من الإفلاس وتغيير في الملكية– فقد حصلت لتوها على موافقة هيئة الاتصالات الفدرالية لإطلاق 1,280 قمراً اصطناعياً لتقديم خدمات الحزمة العريضة إلى المستهلكين الأميركيين، ويمكن أن يصل حجم شبكتها في نهاية المطاف إلى 48,000 قمر اصطناعي. وبالانتقال إلى أمازون، فقد حازت على الموافقة على مشروع كايبر المقترح لإطلاق 3,236 قمراً اصطناعياً لخدمات الإنترنت الخاصة بها، ومن المرجح أن هذه ليست سوى البداية وحسب. ويبدو أن الفلك سيتغير إلى الأبد.

فيديو مُسرّع زمنياً يُظهر مرور مجموعة ستارلينك فوق ماوناكيا، هاواي، في 12-13 نوفمبر، 2019.
المصدر: مرصد جيميناي العالمي/ المركز الوطني للفلك الليلي في المجال البصري وتحت الأحمر/ المؤسسة العلمية الوطنية/ الاتحاد الجامعي للأبحاث الفلكية

تقول ميجان دوناهيو، وهي عالمة فلك في جامعة ميشيغان الحكومية والرئيس السابق للجمعية الفلكية الأميركية: “لقد أصيب الجميع بالصدمة إزاء الوضوح الكبير لأقمار ستارلينك التابعة لسبيس إكس”. وعلى الرغم من أن الكثيرين أعجبوا بهذا القطار من الأضواء اللامعة التي تتحرك عبر السماء في ليلة صافية، فإن الفلكيين أدركوا أن هذه الأضواء ستتحول إلى خطوط بيضاء لامعة على صور تلسكوباتهم، وتشوش على النجوم والأجرام السماوية الحقيقية التي يحاولون رصدها. تقول دوناهيو: “إن تخيل السماء وهي تعج بهذه الأشياء أمر يثير هلع الفلكيين”.

ليس ظهور قمر اصطناعي بشكل مفاجئ في صورة فلكية أمراً جديداً، بل إنه محتم الحدوث، نظراً لوجود أكثر من 2,600 قمر اصطناعي تدور حول الأرض. ولكن وفقاً لجيف هول، وهو مدير مرصد لاويل والمؤلف المشارك والمحرر في تقرير الجمعية الفلكية الأميركية، فإن أغلبية هذه الأقمار خافتة، خصوصاً تلك التي تدور على ارتفاعات عالية للغاية. وإذا ظهرت في الصورة، فسوف تكون عبارة عن نقاط صغيرة للغاية. وبالتالي، فهي لا تكاد تشكل مشكلة تُذكر. 

من ناحية أخرى، فإن هذه المجموعات الجديدة تتوضع في مدارات أكثر انخفاضاً، ولهذا فهي أشد سطوعاً، وتترك خلفها خطوطاً طويلة ساطعة على الصور، بل إنها قد تتسبب أحياناً في تشويش أجزاء أخرى من البيانات. ونظراً لوجود الكثير من هذه الأقمار الاصطناعية الجديدة، فإن محاولة إبقائها خارج مجال الرصد لعبة خاسرة بالتأكيد. كانت الأقمار الاصطناعية من قبل تؤدي أحياناً إلى إفساد صورة واحدة من أصل 100 صورة. أما الآن، فإن الفلكيين معرضون إلى خسارة كبيرة تصل إلى ثلثي بياناتهم بسبب آثار الأقمار الاصطناعية. 

غير أن الأقمار الاصطناعية الجديدة في المدار الأرضي الأدنى لا تؤثر على جميع البرامج الفلكية بنفس الطريقة. وعلى سبيل المثال، فإن عمل هول يتضمن رصد الأطياف البصرية (أي الأطوال الموجية المرئية القادمة من مصدر ما) من أجل قياس تغيرات محددة للغاية في النجوم الفردية. ولن تتأثر هذه الصور إلا إذا عبر القمر الاصطناعي مباشرة أمام التلسكوب. 

ولكن بالنسبة للجيل الجديد من التلسكوبات فائقة الحساسية، أو واسعة المدى التي تمسح قطاعات ضخمة من السماء، فإن ستارلينك وغيرها من المجموعات تمثل مشكلة مدمّرة. إضافة إلى ذلك، فإن المراصد التي تبحث عن الأجسام القريبة -مثل تلسكوب المسح البانورامي والاستجابة السريعة في جامعة هاواي- بدأت تلاحظ انتشار العيوب في صورها بسبب تحركات أقمار ستارلينك. وإذا كان هناك كوكب يتجه نحو الأرض مباشرة، فإن البيانات قد تكون الآن مشوشة إلى درجة تمنع كشفه مبكراً بما يكفي للتخطيط لكيفية التصدي له بشكل جيد. 

أما المثال الأكثر وضوحاً فقد يكون على الأرجح مرصد فيرا سي روبن في تشيلي (الذي كان يُعرف سابقاً باسم التلسكوب العملاق للمسح الشامل)، وهو منشأة بقيمة مليار دولار صُممت لمساعدة الفلكيين على كشف الإشارات الضعيفة للغاية في المجال المرئي والمجال القريب تحت الأحمر. وسيُستخدم لمسح الأجسام الصغيرة البعيدة للغاية، إضافة إلى البحث عن المادة المظلمة والطاقة المظلمة. تشير عمليات المحاكاة إلى أن نسبة تصل إلى 30% من صور فيرا روبن ستلطَّخ على الأقل بأثر واحد من أقمار ستارلينك، وذلك عندما يتم نشر كامل المجموعة في المدار. ويمكن أن تتوقف مئات الدراسات العلمية التي تعتمد على هذه الحسابات، ما يمكن أن يؤخر بعض الاكتشافات لعدة أجيال.

ووفقاً لدوناهيو، فإن الهدف الأمثل للتخلص من هذه المشكلة هو تخفيض سطوع هذه الأقمار الاصطناعية 100 مرة. ولهذا، طرح تقرير الجمعية الفلكية الأميركية عدة حلول ممكنة يُفترض بأن تكون عملية بالنسبة للفلكيين والشركات المشغلة للأقمار الاصطناعية. وعلى سبيل المثال، يمكن تصميم برنامج ينبه الفلكيين إلى موعد وموقع مرور الأقمار الاصطناعية فوقهم. وهو ما يمكن أن يساعد على تفادي العمل في هذه الأوقات، أو حتى إخفاء ضوء القمر الاصطناعي خلال فترة التعرض، كما يمكن استخدام هذه المعلومات في عمليات معالجة الصورة من أجل طرح آثار الأقمار الاصطناعية من البيانات نفسها.

وبالنسبة لمشغلي الأقمار الاصطناعية الذين يبحثون عن الحلول، هناك أيضاً أهداف خاصة بالأعمال يجب تحقيقها. من البديهي أن الحل الأسرع والأكثر فعالية سيكون إيقاف إطلاق الأقمار الاصطناعية إلى الفضاء، وهو ببساطة طرح غير ممكن.

ولكن توجد خيارات أخرى، مثل جعل الأقمار الاصطناعية نفسها أقل عاكسية. وقد جربت سبيس إكس استخدام طلاء جديد خاص بالأقمار الاصطناعية (باسم دارك سات) مع أحد أقمار ستارلينك في يناير، ولكنه لم ينجح في تخفيض سطوعه إلى درجة كافية. تقوم الشركة حالياً بتركيب درع شمسي متحرك باسم فايزورسات على أقمارها الاصطناعية من الآن فصاعداً، ولكن يوجد جدل بين العلماء حول مدى فعالية هذا الحل.

وفقاً لهول، فإن أحد أفضل الحلول لهذه المشكلة هو تعديل اتجاه القمر الاصطناعي بحيث يكون السطح العاكس غير مواجه للأرض، ما يخفف من اللمعان والسطوع الذي يؤثر على التلسكوبات الأرضية. يقول هول: “لقد شهدت فعالية هذا الحل بنفسي على بعض من أقمار سبيس إكس عندما كانت تجري تعديلات على اتجاهاتها في الفضاء. وفي ذلك الحين، كان بالإمكان رؤيتها وهي تمر، ولكن بالكاد. لقد كانت خافتة للغاية”.

ستكون ارتفاعات مجموعات الأقمار الاصطناعية أحد أكثر المسائل التي ستثير الخلافات بين مشغلي الأقمار الاصطناعية. فقد قال مؤسس ون ويب، جريج وايلر، إن مجموعة شركته ستكون على الأرجح الأقل تسبباً في التصادمات بين الأقمار الاصطناعية بسبب مدارها المرتفع، الذي يبعد عن الأرض 1,200 كيلومتر. وعلى حين أن بعض الشركات مثل ستارلينك تسعى إلى تغطية الكوكب بأكبر عدد ممكن من الأقمار الاصطناعية التي تدور على مسافة قريبة، فإن الأقمار الاصطناعية في المدارات المرتفعة تتمتع بأثر أكبر في الاتصالات، ما يعني أن كلاً منها يمكن أن يغطي مساحة أكبر من الأرض. وهو ما يمكن أن يخفض من إجمالي الأقمار الاصطناعية في السماء. 

ولكن من سوء الحظ -كما يشير بحث الجمعية الفلكية الأميركية- فإن زيادة ارتفاع المدار تعني أن القمر الاصطناعي سيبقى في حقل الرؤية لفترة أطول. وعلى الرغم من أن القمر الاصطناعي في هذه الحالة قد يكون أقل سطوعاً بعض الشيء، غير أنه من الناحية العملية لن يكون أقل إفساداً لعمليات الرصد الفلكي، وقد يبقى على هذه الحالة طوال الليل؛ ولهذا ينصح التقرير الشركات بالامتناع عن وضع مجموعاتها على ارتفاع أكبر من 600 كيلومتر.

من حسن الحظ أن جميع هذه الشركات راغبة بالمشاركة في إيجاد حل للمشكلة. وقد أورد تقرير الجمعية الفلكية الأميركية مساهمات مكثفة من سبيس إكس وون ويب. يقول هول: “نحن نعتقد أنهم يقومون بعمل رائع، وهم يعتقدون أننا نقوم بعمل رائع. ولهذا، فنحن نحاول التوصل إلى صيغة للتعايش”.

يتعين على الفلكيين أن يعتمدوا على حسن نية مشغلي الأقمار الاصطناعية؛ فلا يوجد أي عائق فني أو قانوني أمام إطلاق مجموعات من الأقمار الاصطناعية عالية السطوع التي يمكنها أن تصيب أغلب البرامج الفلكية بالشلل.

يخطط هول وزملاؤه للتغلب على هذه المشكلة القانونية، والتوصل إلى توصيات خلال جولة جديدة من ورشات العمل التي ستبدأ في الربيع المقبل. ويتوقعون أن تبدي سبيس إكس وغيرها من الشركات تعاوناً في هذا المجال أيضاً. فمن مصلحة مشغلي الأقمار الاصطناعية تجنب الفوضى التي يمكن أن تظهر في حال بقي المجال مفتوحاً أمام الجميع لإطلاق ما يشاؤون إلى الفضاء من دون حساب.

يقول هول: “إنها توصيات سياسية ينبغي تقديمها إلى الأمم المتحدة؛ لأنها مشكلة عالمية ويجب إيجاد حل لها تحت إشراف هيئة عالمية” ولكن، هل ستتبنى الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها هذه القواعد وتفرضها؟ إنه سؤال ينتظر إجابة شافية في الوقت الحالي.