Article image
مصدر الصورة: تيموثي هولاند، مختبر باسيفيك نورث ويست الوطني



تبين دراسة جديدة أن الإشعاع، حتى على مستويات إشعاع الخلفية، يكفي لإحداث ضرر فادح باستقرار عمليات الحوسبة الكمومية.

2020-08-29 16:25:42

29 أغسطس 2020

تستطيع الحوسبة الكمومية أن تتعامل مع المسائل المعقدة بسرعات خارقة؛ ويمكن تحقيق ذلك لأنها تعتمد على الكيوبتات -وهي عادة جسيمات تحت ذرية، مثل الإلكترونات- التي تمثل عدة تراكيب تتجاوز الصفر والواحد في البتات التقليدية، وذلك بفضل الخصائص الكمومية. عندما “تتشابك” أزواج الكيوبتات، يمكن أن تغير حالة بعضها البعض بطرق يمكن التنبؤ بها، حتى على مسافات بعيدة، ما يزيد من قدرة المعالجة.

غير أن هذه المزايا لا تأتي من دون ثمن؛ حيث إن الكيوبتات حساسة للغاية حتى لأقل التغيرات، وتتلاشى وتضمحل بسرعة في عملية تسمى زوال الترابط الكمي. ووفقاً لنتائج جديدة نُشرت في مجلة نيتشر مؤخراً، فإن الإشعاع الكوني هو أحد أسباب زوال الترابط، وهو ما يمكن أن يمثل مشكلة صعبة.

بُنيت الدراسة الجديدة على نوع من الحواسيب الكمومية يعتمد على المواد فائقة الناقلية لإنتاج الكيوبتات عبر أزواج مشحونة من الإلكترونات. تشير النتائج إلى أن الإشعاع الطبيعي الناتج عن المواد الطبيعية من حولنا (مثل البنى الإسمنتية) يكفي للحد من فترة بقاء هذا النوع من حالات الكيوبتات بحيث لا تتجاوز بضعة ميلي ثوانٍ، وهو ما يحد من التطبيقات العملية للحواسيب الكمومية. وبالتالي سيكون للأشعة الكونية أثر أكبر من ذلك.

تمثل هذه المسألة مشكلة حقيقية؛ لأنها تؤثر بشكل أساسي على أي نظام غير محاط بدرع رصاصي أو معزول تحت الأرض. وبالتالي، فإن أي موقع معرض للأشعة الكونية سيمثل مكاناً سيئاً لتشغيل هذه الأنظمة.

يقول برينت فان ديفيندر من مختبر باسيفيك نورث ويست الوطني في ريتشلاند بواشنطن: “يجب أن تؤخذ آثار الإشعاع بعين الاعتبار بشكل مباشر في أي حاسوب كمومي يعتمد على تكنولوجيا الكيوبتات فائقة الناقلية”.

يضر الإشعاع بالكيوبتات من خلال تقديم الطاقة إليها؛ حيث يكفي مقدار صغير للغاية من الطاقة لفصل أزواج الإلكترونات في النواقل الفائقة، وتتحول هذه الأزواج إلى إلكترونات حرة، ما قد يؤدي إلى تبادلات طاقوية تدمر الحالة الحساسة لنصف الناقل. وهو ما يؤدي بدوره إلى فقدان الكيوبتات لحالتها الكمومية وزوال الترابط، وبالتالي، القضاء على البنية الأساسية للحوسبة الكمومية.

قام الفريق -بقيادة أنتي فيبسالاينين، وهو باحث في الحوسبة الكمومية في جامعة إم آي تي- بتعريض الكيوبتات فائقة الناقلية إلى نحاس مُشعّع، واكتشفوا أن الكيوبتات المعرضة فقط إلى مستويات طبيعية من الإشعاع بقيت مستقرة لحوالي 4 ميلي ثانية. وعلى الرغم من أن هذه الفترة في الواقع أطول من المتوسط الحالي الذي نراه في تجارب الحوسبة الكمومية، والذي يبلغ حوالي 0.1 ميلي ثانية من الاستقرار، غير أنها ما تزال قصيرة للغاية بالنسبة للتطبيقات العملية. وتبين هذه التجربة أن الإشعاع وحده يكفي لجعل استخدام الحوسبة الكمومية صعباً للغاية، حتى لو تمكنا من إزالة جميع الأسباب الأخرى لزوال الارتباط، مثل الاهتزاز الفيزيائي أو التغيرات الحرارية.

يقول شيام شنكر، وهو باحث في الحوسبة الكمومية في جامعة تكساس في أوستن، ولم يشترك في هذه الدراسة، إن النتائج “ليست مفاجئة إلى هذه الدرجة”. ويضيف: “أعتقد أن الكثيرين توقعوا هذا الأمر، ولكننا لم نعرف مدى تأثير الإشعاع على الكيوبتات”. يعود هذا جزئياً إلى صعوبة إجراء هذه التجارب بشكل فعلي. ويقول: “من الجيد أن نرى نجاح الآخرين في إجراء التجربة والحصول على قياسات فعلية لهذه الظاهرة”.

ويقول فان ديفيندر: “والآن، حان الوقت لاستيعاب هذه الظاهرة والتعامل معها”. يستطيع مهندسو الحوسبة الكمومية تطبيق آليات تصحيح الأخطاء التي يمكن أن تساعد على التخفيف من هذه الآثار، ولكن في الوقت الحالي، فإن هذه الآليات بطيئة للغاية ولا تستطيع مجاراة زوال الترابط الناجم عن الإشعاع.

وبما أن المستويات المنخفضة من الإشعاع الكوني منتشرة في معظم الأماكن على سطح الكرة الأرضية، فإن أفضل طريقة للتخفيف من التشويش الإشعاعي قد تكون هي الأكثر سهولة أيضاً، وهي تدريع تجهيزات الكيوبتات لوقايتها من الإشعاع، وذلك باستخدام مواد مثل الرصاص، أو وضعها تحت الأرض. يعتقد فان ديفيندر أنه توجد على الأرجح حالة وسطى مثالية بين التدريع الخفيف والمواقع غير العميقة تحت الأرض. أي: “إذا قمت ببناء حاسوب كمومي، فضعه في أحد الأقبية”. يمكن للمهندسين في المستقبل أن يدرسوا أيضاً إمكانية تطوير كيوبتات أقل حساسية للإشعاع.

قد لا يمثل هذا البحث خبراً رائعاً بالنسبة لأوساط الحوسبة الكمومية، ولكن هناك ناحية مشرقة فيه. ويقول فان ديفيندر: “لقد تبين لنا أن الكيوبتات وما يشابهها يمكن أن تلعب دور حساسات رائعة للإشعاع. ونأمل في تحسين حساسيتها لاستخدامها في البحث عن المادة المظلمة، أو في التجارب التي قد تكشف عن أخطاء لطالما كنا نبحث عنها في نموذجنا المعياري لفيزياء الجسيمات”.