Article image
التلسكوب الكروي ذو الفتحة البالغ قطرها خمسمائة متر، الواقع في مقاطعة جيزهو الصينية.
مصدر الصورة: بوجن وانج، جينشين جيانج، كيشينج كوي



دراسات جديدة ترجِّح أن تكون النجوم المغناطيسية أحد مصادر الدفقات الراديوية السريعة، وهي إشارات فائقة الطاقة وقصيرة جداً تتنقل عبر الفضاء.

2020-11-08 03:50:01

07 نوفمبر 2020

تعد الدفقات الراديوية السريعة (FRBs) واحدة من بين أغرب الألغاز في علوم الفضاء. تدوم هذه النبضات أقل من 5 ملي ثانية، ولكنها تُطلق مقداراً من الطاقة يتجاوز ما تُطلقه الشمس خلال أيام أو أسابيع. ومنذ أن تم تسجيل الدفقات الراديوية السريعة لأول مرة في عام 2001 (وكُتب عنها في عام 2007)، تمكن العلماء من اكتشاف العشرات منها. وكان معظمها عبارة عن إشارات تحدث لمرة واحدة، ولكن القليل منها يتكرر، بما في ذلك واحدة تنبض بوتيرة منتظمة.

لكن لم يتمكن أحد من تحديد المنشأ الدقيق لهذه الدفقات. حتى يومنا هذا، تم تحديد مناطق محددة في الفضاء باعتبارها مصدراً لخمس دفقات فقط، وكان منشؤها جميعاً يقع في خارج مجرتنا. وعندما تأتي إشارة من مكان بعيد كهذا، يكون من الصعب للغاية العثور على الجسم المسؤول عن إنتاجها. وقد ركَّزت معظم النظريات على إرجاع منشأ هذه الدفقات إلى الاصطدامات الكونية أو النجوم النيترونية. ولا بدّ أن نذكر أن البعض أشار إلى إمكانية صدورها عن كائنات فضائية.

للأسف، سنفسد عليكم الاحتمال الأخير؛ لا تصدر هذه الإشارات عن كائنات فضائية. تقدِّم دراستان جديدتان منشورتان في مجلة نيتشر يوم 4 نوفمبر دلائل قوية على أن النجوم المغناطيسية -النجوم النيترونية عالية المَغنطة- هي أحد مصادر الدفقات الراديوية السريعة. تشير الدراستان أيضاً إلى أنه من المرجح أن تكون هذه الدفقات أكثر شيوعاً بكثير مما كنا نتخيله.

يقول دانييل ميشيلي، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة ماكجيل وأحد مؤلفي الدراسة الأولى المنشورة في مجلة نيتشر: “لا أعتقد أنه يمكننا استخلاص أن النجوم المغناطيسية هي مصدر جميع الدفقات الراديوية السريعة، ولكن يمكن القول بثقة إن هناك احتمالاً كبيراً جداً أن تشكِّل النجوم المغناطيسية أحد مصادر هذه الدفقات”. 

تركِّز النتائج الجديدة على دفقة راديوية سريعة تم اكتشافها في 28 أبريل باستخدام تلسكوبين: الأول هو شايم (CHIME) (التجربة الكندية لرسم خرائط كثافة الهيدروجين، ومقره في كولومبيا البريطانية)، والثاني هو ستير2 (STARE2) (مصفوفة من ثلاثة هوائيات راديوية صغيرة موزعة في أنحاء ولايتي كاليفورنيا ويوتا). وقد أطلقت الإشارة، المسماة (FRB 200428)، خلال ملي ثانية طاقة -في هيئة موجات راديوية- أكبر مما تطلقه الشمس من طاقة خلال 30 ثانية.

من المتوقع أن يتمكن تلسكوب شايم من التقاط دفقات راديوية سريعة؛ فقد نجح في العثور على العشرات منها، وقد يتمكن التلسكوب مستقبلاً من التقاط دفقة من هذا النوع كل يوم. في المقابل، وعلى الرغم من أن تلسكوب ستير2 قد تم تصميمه للبحث تحديداً عن الدفقات الراديوية السريعة داخل المجرة، إلا أن القليلين توقعوا له النجاح نظراً لتدني مستوى حساسية أجهزته مقارنة بالتلسكوبات الأخرى. وعندما بدأ تشغيله في العام الماضي، توقع الفريق احتمال نجاحه فعلاً في التقاط إشارة في مجرة درب التبانة بـ 10%. 

ثم حدث ما لم يكن متوقعاً؛ يقول كريستوفر بوشينيك، طالب الدراسات العليا في علم الفلك في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، والذي يقود مشروع ستير2 وهو المؤلف الرئيسي لدراسة نيتشر الثانية: “عندما نظرت إلى البيانات لأول مرة، اندهشت. لقد استغرق الأمر بضع دقائق لاستعادة تركيزي وإجراء مكالمة مع صديق للدراسة والتأكد من أن ما اكتشفته كان حقيقياً بالفعل”. تم رصد هذه الدفقة بواسطة خمسة تلسكوبات راديوية تشكل جزءاً من شايم أو ستير2 وموزَّعة في أرجاء أميركا الشمالية.

تزامنت عمليات الرصد هذه مع وميض شديد السطوع ينبعث من نجم نيتروني عالي المَغنطة -نجم مغناطيسي- يُدعى (SGR J1935 + 2154)، الذي يقع على بعد 30,000 سنة ضوئية من الأرض بالقرب من مركز مجرة درب التبانة.

يقوم هذا النجم المغناطيسي، الذي تبلغ كتلته حوالي 40 إلى 50 ضعفاً من كتلة الشمس، بإنتاج نوبات كثيفة من الإشعاعات الكهرومغناطيسية، بما فيها الأشعة السينية وأشعة جاما. وتبلغ مجالاته المغناطيسية درجة عالية من القوة، حتى أنها تدفع الذرات القريبة منه إلى التموضع في أشكال تشبه أقلام الرصاص. 

لطالما مثَّلت النجوم المغناطيسية أحد المصادر المحتملة للدفقات الراديوية السريعة، ولكن كان من الصعب على علماء الفيزياء الفلكية تأكيد ذلك؛ نظراً لقدوم جميع الإشارات الأخرى من خارج مجرة درب التبانة.

قارن الباحثون الموجات الراديوية لدفقة (FRB 200428) مع الأشعة السينية التي رصدوها بواسطة ستة تلسكوبات فضائية، بالإضافة إلى مراصد أرضية أخرى. وقد أشارت انبعاثات الأشعة السينية هذه إلى نجم (SGR J1935 + 2154)، الذي يصدر وميضاً أكثر سطوعاً بمقدار 3,000 مرة بالمقارنة مع أي نجم مغناطيسي آخر تم رصده.

استنتج فريق شايم وستير2 أن هذا النجم المغناطيسي بالتحديد كان مسؤولاً عن الحدث المليء بالطاقة الذي أنتج ليس فقط انبعاثات الأشعة السينية الساطعة ولكن أيضاً الدفقة الراديوية السريعة (FRB 200428). إنها المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف دفقة من هذا النوع داخل مجرة درب التبانة، وتُصدر هذه الدفقة الراديوية السريعة طاقة أكبر من الطاقة الصادرة عن أي مصدر آخر للموجات الراديوية تم اكتشافه في المجرة.

كانت قوة دفقة (FRB 200428) أضعف ب 30 مرة من قوة أضعف دفقة راديوية سريعة مسجلة وصادرة من خارج المجرة، وأضعف بألف مرة من متوسط قوة إشارات من هذا النوع؛ لذا فإن نجاح ستير2 في رصدها وتسجيلها بعد عام فقط من تشغيله يعتبر مؤشراً قوياً على أن هذه الإشارات ترتد حول المجرة بشكل متكرر أكثر مما كان يعتقد العلماء.

تأتي عملية رصد مناقضة لهذه النتائج الجديدة من فاست (FAST)، التلسكوب الكروي ذي الفتحة البالغ قطرها 500 متر، الواقع في جنوب غرب الصين. يُعد فاست أكبر تلسكوب راديوي ذا طبق واحد في العالم. ورغم عدم قدرته على رصد مساحات شاسعة من السماء، ولكنه يستطيع البحث بعمق في نطاقات ضيقة عن إشارات خافتة في أماكن بعيدة جداً.

قام فاست بدراسة نجم (SGR J1935 + 2154) لمدة إجمالية تبلغ ثماني ساعات عبر أربع جلسات رصد خلال الفترة بين 16 و29 أبريل، وفقاً لدراسة ثالثة منشورة في نيتشر. ولم يعثر على أي موجات راديوية تزامنت مع أي دفقات معروفة للأشعة السينية أو أشعة جاما حدثت خلال تلك الفترة.

غير أن هذا التقرير لا يلغي بالضرورة التفسير القائم على النجم المغناطيسي، خاصة وأن فاست لم يكن يجري عمليات الرصد في اللحظة التي تم فيها اكتشاف دفقة (FRB 200428). لكنه يشير إلى أن حَدَثاً مثل إصدارِ نجمٍ مغناطيسي لدفقة راديوية سريعة -إذا تم تأكيده- هو أمر نادر جداً، وإلى أنه حَدَثٌ يُنتج إشارات راديوية لم نقم بعد بتحديد خصائصها بشكل كامل.

قدَّم ساندرو ميريجيتي، عالم الفلك في المعهد الوطني للفيزياء الفلكية في ميلانو، مساعدتَه في قيادة اكتشافات الأشعة السينية الصادرة عن النجم المغناطيسي (SGR J1935 + 2154) التي تم إجراؤها بواسطة تلسكوب إنتيجرال (INTEGRAL) التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (المختبر الدولي للفيزياء الفلكية لأشعة جاما). ورغم اعتقاده أن هذا الاكتشاف “يعزز فئة النماذج التي تعزو مصدر الدفقات الراديوية السريعة إلى النجوم المغناطيسية”، إلا أنه يشير إلى أنه “لم يتم بعد حسم مسألة العمليات الفيزيائية الخاصة التي تؤدي إلى الدفقات الراديوية وانبعاثات الأشعة السينية القوية التي تم رصدها”. بعبارة أخرى، لا نعرف بالضبط ما يحدث داخل نجم مغناطيسي ويؤدي إلى إصداره لدفقات راديوية سريعة ترافقها أشعة سينية أو أشعة جاما.

ويختم  ميريجيتي: “لا يمكنني القول إنه قد تم حلّ لغز الدفقات الراديوية السريعة، لكن هذه الدراسات تشكِّل بالتأكيد خطوة كبيرة إلى الأمام من شأنها أن تفتح الباب أمام اكتشافات أخرى مماثلة”.