Article image
مصدر الصورة: القيادة الجوية الأميريكية
Article image مصدر الصورة: القيادة الجوية الأميريكية

البيئة

سيمكِّننا تطوير هذا من تغيير الطريقة التي تخطط بها الجهات المحلية لتلافي الفيضانات المفاجئة، ومن ثم إنقاذ الكثير من الأرواح.

تعتبر توقعات أحوال الطقس الحالية دقيقة إلى حد بعيد، وذلك لو نظرنا بعين الاعتبار إلى مدى التغير العشوائي والسريع الذي يمضي وفقه المناخ على الكرة الأرضية، ولذلك ليس من المستغرب في عصرنا أن تقرأ توقعات للأحوال الجوية في نطاق 10 أيام مقبلة وتجد نسبة صحتها معقولة إلى حد بعيد.

لكن تحقيقنا لقدر أكبر من الدقة يعد هدفاً بعيداً وما زال أمامنا الكثير للوصول إليه، وتتمثل إحدى التحديات التي تواجه خبراء الأرصاد الجوية في ضرورة تحسين “التنبؤ الآني بالأحوال الجوية”، التي تعني القدرة على توقع حالة الطقس في غضون الست ساعات المقبلة أو نحو ذلك، ضمن نطاق مكانيٍّ لا يتجاوز الكيلومتر المربع الواحد أو أقل منه.

مع العلم أن من الصعب جداً تحقيق هذه الميزة في المناطق التي يتغير فيها الطقس بوتيرة سريعة، كما أن هذه القدرة المتمثلة في “التنبؤ الآني بالأحوال الجوية” مهمة جداً لأن هناك الكثير من الأمور التي تعتمد عليها، فقد أصبحت الأنشطة الزراعية مثلاً تعتمد أكثر فأكثر على “التنبؤ الآني بالأحوال الجوية”، فضلاً عن الجهات المنظمة للأحداث الرياضية التي يحضرها آلاف البشر، فهي تتكأ أيضاً على هذه الميزة. إضافة إلى أن هناك الخطر المتمثل في أن يؤدي هطول الأمطار الغزيرة غير المتوقعة إلى فيضانات مفاجئة، وهي مشكلة بدأت تتفاقم بالفعل في العديد من المناطق بسبب العديد من العوامل، منها تغير المناخ والتوسع العمراني الحضري. كما أن هذه القدرة لها فوائد جمة ومنافع كبيرة في قطاع البنى التحتية، مثل تصميم وصيانة قنوات مياه المجاري، وضمان أمن المواطنين وسلامتهم بما أن الفيضانات تتسبب فعلاً في خسارة بعض الأرواح.

لكل هذا ولغيره، لا عجب في أن يرغب خبراء الأرصاد الجوية في اكتشاف طريقة أفضل لإجراء “تنبؤاتهم الآنية بالأحوال الجوية.

كما قامت بلاندين بيانكي (باحثة في المعهد الاتحادي السويسري للتكنولوجيا “EPFL” في لوزان بسويسرا) بالتعاون مع عدد من زملائها، لتطوير نموذج يدمج بين بيانات الأرصاد الجوية المستمدة من عدة مصادر لإنتاج “توقعات آنية بأحوال الطقس” مع درجة دقة محسَّنة. ويتمتع عملهم هذا بإمكانية توسيع فائدة هذه التوقعات الجوية لتشمل جميع الأشخاص، بدءاً من المزارعين ومحترفي البستنة، إلى الأطباء والممرضين في الطوارئ، وحتى مهندسي نُظم الصرف الصحي.

وإن التنبؤات الحالية للأحوال الجوية محدودةٌ؛ نظراً لنقص كمية البيانات المجموعة والمُعالجة وضيق نطاقها الجغرافي، وعلى سبيل المثال تتميز البيانات المستمدة من الأقمار الصناعية بدقة بيانات تتراوح من 50 إلى 100 كيلومتر، وتتيح هذه المعلومات لخبراء أرصاد الطقس تتبُّع كتل السحب الكبيرة على مقياس زمني يتراوح من ست إلى تسع ساعات.

ومن ناحية أخرى نجد أن بيانات أجهزة الرادار تُحدَّث كل خمس دقائق، مع تميزها بدقة نطاق جغرافي تصل حتى الكيلومتر الواحد، مما يتيح لخبراء الأرصاد توقع الحالة الجوية لفترة زمنية تتراوح من ساعة إلى ثلاث ساعات. ويتمثل المصدر الآخر للبيانات في تقنيات البث بموجات المايكروويف التي تستخدمها شركات الاتصالات، والتي غالباً ما يتدهور أداؤها عند هطول الأمطار.

وما من شك في أن أجهزة الرادار تُسدي خدمات جليلة لتوقعات الطقس الآنية، ولذلك خصَّص لها خبراء الأرصاد الجوية الكثير من الجهد والوقت لدراستها وتطويرها والاستفادة منها. وإن أبسط منهج يستخدمونه في ذلك يتمثل في أخذ لقطة من النمط الحالي لهطول الأمطار، مع معلومات بسرعتها واتجاهها، ومن ثم يُسقطون هذه البيانات على فضاء مكاني.

وتقول بيانكي وزملاؤها إن هذه الطريقة أثبتت فعاليتها في فترات زمنية قصيرة، وبدقة نطاق جغرافي تصل إلى حوالي أربعة كيلومترات، إلا أنه بعد 40 دقيقة أو نحو ذلك، يفقد خبير الأرصاد الجوية أي قدرة له على توقع الطقس باستخدام هذا النموذج. وعندما نرفع مستوى الدقة ليصل إلى حوالي كيلومتر مربع واحد، تقل الفترة الزمنية لتوقع الطقس حتى تصبح أقل من 15 دقيقة.

وتتمثل إحدى الطرق لتحسين هذه التوقعات في الدمج بين صور الرادار وقياسات هطول الأمطار المسجلة ميدانياً، حيث يوفر دفعة إضافية لرفع دقة النموذج الطقسي وتحسين التوقعات التي تستند إليه، وهذه هي التقنية الأساسية التي عملت الباحثة بيانكي وزملاؤها على تطويرها.

فقد قاموا بدمج البيانات المجموعة سنة 2009 من 14 مقياس مطر، و14 وصلة بث بموجات المايكروويف، والقياسات التي سجَّلها رادار المطر والمستمدة جميعها من هيئة توقعات الأرصاد الجوية ميتيو سويس (MeteoSwiss) في نطاق جغرافي مساحته 20×20 كيلومتراً على مشارف مدينة زيوريخ في سويسرا. وبعد ذلك استخدم الفريق البيانات التي تغطي مدة زمنية محددة لتوقع هطول الأمطار ضمن فترات زمنية لا تتجاوز ثلاثين دقيقة.

وبما أن بيانات ما حدث قبل ذلك مسجلة سابقاً، استطاع الفريق البحثي أن يقارن توقعاته بالنتائج الفعلية المسجلة لهطول الأمطار لمعرفة دقة نموذجهم الذي طوَّروه.

ولحسن الحظ أسفرت دراستهم عن نتائج واعدة؛ حيث تتمثل إحدى أهم الفرضيات التي وضعها الباحثون في التوقع بأن الغلاف الجوي سيستمر في تغيره بنفس الطريقة التي يمضي بها الآن، وهذا ما يسمى في المصطلحات العلمية بـ “الاستمرارية اللاغرانجية (Lagrangian persistence)”، وهي غالباً ما تكون صحيحة تماماً.

وتشير الباحثة بيانكي وزملاؤها إلى أن هذا الافتراض عندما يكون صحيحاً، ينتج نموذجهم توقعات صحيحة لفترة زمنية تفوق عشرين دقيقة مستقبلاً، وعلى نطاق جغرافي صغير لا يتجاوز خمسمئة متر مربع. وهذا أمر مثير للإعجاب حقاً؛ لأن هذا النموذج سيكون له تطبيقات واستخدامات كثيرة جداً، مثل إدارة جريان المياه في شبكات الصرف الصحي في المناطق الحضرية والأنشطة الزراعية، في الوقت الحقيقي.

لكن فرضية “الاستمرارية اللاغرانجية” ليست صحيحة دوماً؛ لأن الغلاف الجوي في بعض الأحيان يمر بتغيرات غير متوقعة، مثل الارتفاع المفاجئ لدرجات الحرارة الذي يتسبب في تيارات الحمل الحراري، فعندما يحدث ذلك تنخفض دقة توقعات الأرصاد الجوية إلى أدنى مستوياتها، ولذلك تقول الباحثة بيانكي وزملاؤها: “في حالات وقوع حوادث الحمل الحراري، ينخفض أداء خوارزمية التوقع الآني للأحوال الجوية بسرعة بعد خمسة عشر دقيقة فقط، نظراً للتطور السريع وحركة تكتلات سحب الأمطار”.

وهذا ما يرسم حدوداً لما يمكن لهذا النموذج من التوقع الطقسي الآني أن يفعله. ومع ذلك فإن بيانكي وزملاءها يرون أن مجرد القدرة على تحديد درجة الشك في نموذج معين للتوقع الطقسي الآني تعد تطوراً معتبراً في هذا المجال.

وما من شك في أنه لا يزال أمامنا بذل المزيد من الجهود، لكن التوصل إلى توقعات جوية على نطاق مئات الأمتار المربعة -في بعض المجالات والقطاعات- يعد هدفاً يضعه خبراء الأرصاد الجوية نُصب أعينهم.

المرجع: arxiv.org/abs/1810.11811
التنبؤ الآني بهطول الأمطار من خلال البيانات المجمعة من أجهزة الرادار، ووصلات البث بالميكروويف ومقاييس المطر

المزيد من المقالات حول البيئة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!