Article image




إنابل هي واحدة من عدد من الشركات الجديدة التي توفِّر لأصحاب العمل أدوات لمراقبة موظفيهم، لكن المنتقدين يخشون أن يؤدي هذا النوع من المراقبة إلى تقويض الثقة.

2020-06-08 12:06:43

08 يونيو 2020

في الأشهر القليلة الماضية، انقطع ملايين الأشخاص حول العالم عن الذهاب إلى المكاتب وبدؤوا في أداء وظائفهم من منازلهم. وعلى الرغم من بُعد هؤلاء العمال عن أنظار المدراء، لكنهم في بالهم على الدوام. فقد تَرافق الاضطراب الحالي مع ارتفاع ملحوظ في استخدام برامج المراقبة التي تتيح لأصحاب العمل تتبُّع قيام الموظفين بمهامهم والمدة التي يقضونها في تأديتها.

طلبت الشركات من العاملين عن بعد تركيب مجموعة كاملة من أدوات المراقبة؛ فهناك هبستاف (Hubstaff)، وهو برنامج يسجل ضربات المستخدمين على لوحة المفاتيح وحركات الفأرة ومواقع الويب التي يزورونها. بينما يذهب برنامج تايم دوكتور (Time Doctor) إلى أبعد من ذلك؛ حيث يلتقط مقاطع فيديو لشاشات المستخدمين، كما يستطيع التقاط صورة عبر كاميرا الويب كل 10 دقائق للتأكد من تواجد الموظفين أمام حواسيبهم. أما برنامج إيزاك (Isaak)، وهو أداة صنعتها شركة ستاتوس توداي (Status Today) في المملكة المتحدة، فيراقب التفاعلات بين الموظفين لتحديد من يتعاون أكثر من غيره، وتجمع هذه البيانات مع معلومات من ملفات الموظفين لتحديد الأفراد “صانعي التغيير”.

واليوم، تسعى إحدى الشركات إلى توسيع المراقبة أكثر من ذلك من خلال تطوير برنامج تعلم آلي لقياس مدى سرعة إتمام الموظفين للمهام المختلفة واقتراح طرق لتسريعها. كما تمنح هذه الأداة كل شخص درجة إنتاجية، يستطيع المدراء استخدامها لتحديد الموظفين الذين يستحقون الاحتفاظ بهم أكثر من غيرهم وأولئك الذين لا يستحقون البقاء في العمل. 

سيعتمد ما تشعر به حيال هذا الأمر على كيفية نظرتك للميثاق الذي يحكم العلاقة بين صاحب العمل والموظف: هل تقبل أن يقوم الآخرون بالتجسس عليك لأنهم يدفعون لك راتبك؟ هل أنت مدين لصاحب العمل بأن تحقق أعلى مستوى ممكن من الإنتاجية بغض النظر عن أي شيء آخر؟

يرى المنتقدون أن المراقبة في مكان العمل تقوّض الثقة وتضرّ بالروح المعنوية. وتقول جماعات حقوق العمال إنه ينبغي عدم تركيب هذه الأنظمة إلا بعد استشارة الموظفين؛ حيث تقول كوري كرايدر، وهي محامية مقيمة في المملكة المتحدة وشريكة مؤسِّسة في شركة فوكس جلوف (Foxglove)، وهي شركة خدمات قانونية غير ربحية تعمل على منع الحكومات والشركات الكبرى من إساءة استخدام التكنولوجيا: “يمكن أن يسبب هذا الأمر اختلالاً كبيراً في ميزان القوى بين العمال والإدارة، وقد يؤدي إلى إضعاف قدرة العمال على مساءلة الإدارة”.

مهما كان رأيك، فإن هذا النوع من البرامج سيستمر في المستقبل، ويعود ذلك جزئياً إلى أن أسلوب العمل عن بعد يجعل استخدامها أمراً طبيعياً. ويقول تومي وير، الرئيس التنفيذي لشركة إنابل (Enaible)، وهي شركة ناشئة مقرها في بوسطن وتقوم بتطوير برنامج المراقبة الجديد: “أعتقد أن المراقبة في مكان العمل ستصبح سائدة، وفي غضون الستة إلى الاثني عشر شهراً القادمة، سيتم استخدامها على نطاق واسع جداً لدرجة أنها ستصبح مدمجة في بيئة العمل”.

ويعتقد وير أن معظم الأدوات في السوق لا توفر درجة كافية من المراقبة، ويقول: “تخيل أنك تتولى إدارة مجموعة من الأشخاص وتستطيع مشاهدتهم طوال اليوم وتقديم توصيات لهم حول كيفية أداء عملهم بشكل أفضل، هذا ما نحاول القيام به، وهذا ما قمنا ببنائه”.

قام وير بتأسيس شركة إنابل في عام 2018 بعد عمله لمدة 20 عاماً في تدريب المدراء التنفيذيين. وقد بدأت الشركة تقدّم برنامجها بالفعل إلى العديد من الشركات الكبيرة حول العالم، بما في ذلك وكالة جمارك دبي ومجموعة أومنيكوم ميديا، وهي شركة تسويق واتصالات متعددة الجنسيات. وعلاوة على ذلك، يزعم وير أيضاً أنه قد بلغ مرحلة متقدمة من المحادثات مع دلتا إيرلاينز (Delta Airlines) وسي في إس هيلث (CVS Health)، وهما شركة رعاية صحية أميركية وسلسلة صيدليات مصنفة في المرتبة الخامسة ضمن قائمة فورتشن 500. ولم تعلّق أي من الشركتين على ما إذا كانتا تستعدان لاستخدام هذا النظام أو موعد قيامهما بذلك.

يقول وير إن عدد الاستفسارات التي يتلقاها قد ارتفع بمعدل أربعة أضعاف منذ أن تسبب الوباء في إغلاق مكاتب الشركات، ويضيف: “لم أشهد ارتفاعاً كهذا من قبل”.

فما سبب هذا الارتفاع المفاجئ في الاهتمام ببرامج المراقبة؟ تقول كريدر: “منذ ما قبل استخدام الحواسيب، كان المدراء يسعون إلى اعتصار كل إنتاجية وجهد ممكن حتى آخر قطرة عرق من عمالهم، لكن المراقبة المتوفرة الآن قد بلغت درجة عالية من الدقة لم نشهد مثيلاً لها من قبل على الإطلاق”.

ليس من المستغرب أن يكون هذا المستوى من الدقة جذاباً لأصحاب العمل، وخاصة أولئك الذين يتطلعون إلى مراقبة القوى العاملة التي انتقلت مؤخراً إلى العمل عن بعد. لكن برنامج إنابل الجديد -الذي تطلق عليه اسم: منصة الإنتاجية المستندة إلى الذكاء الاصطناعي- يتيح مزايا أكثر بكثير من مجرد تتبع أشياء مثل البريد الإلكتروني أو سلاك أو زوم أو عمليات بحث الويب. حيث يقول وير إن تتبع أي من هذه الأشياء لا يوفر صورة كاملة عما يقوم به العامل، إنما تتحقق فقط مما إذا كان يعمل أو لا.

بمجرد إعداد البرنامج، يتم تشغيله في الخلفية طوال الوقت ليراقب أي مسار بيانات يمكن أن تقدمه الشركة لكل من موظفيها. وباستخدام خوارزمية تسمى: البدء – المهمة – الوقت، يتعرف النظام على التدفق النموذجي للعمل لدى العاملين المختلفين؛ حيث يحدد عوامل البدء، مثل رسالة بريد إلكتروني أو مكالمة هاتفية، التي تقود إلى مهام محددة، والمدة التي يستغرقها إنجاز هذه المهام.

وما أن يكتشف البرنامج نمطاً نموذجياً لسلوك الموظف، فإنه يمنح هذا الشخص “درجة إنتاجية” تتراوح بين 0 و100. وفقاً لوير، فإن برنامج الذكاء الاصطناعي متوافق مع أنواع مختلفة من المهام؛ فمن الناحية النظرية، يمكن مقارنة العاملين في مختلف أقسام الشركة من خلال درجاتهم، حتى لو كانوا يقومون بوظائف مختلفة. وتعكس درجة الإنتاجية أيضاً كيفية تأثير عملك على رفع أو إنقاص إنتاجية الأشخاص الآخرين في فريقك. وهناك قيود واضحة على هذا النهج؛ إذ يعمل النظام بشكل أفضل مع الموظفين الذين يؤدون الكثير من المهام المتكررة في أماكن مثل مراكز الاتصال أو أقسام خدمة العملاء، ويعمل بمستوى أقل مع أولئك الذين يقومون بأدوار أكثر تعقيداً أو إبداعاً.

لكن تكمن الفكرة في أنه يمكن للمدراء استخدام هذه النتائج لمعرفة كيفية أداء موظفيهم لعملهم، ومكافأتهم إذا أصبحوا أسرع في إنجاز عملهم أو التواصل معهم عند تراجع الأداء. كما يتضمن برنامج إنابل خوارزمية تسمى مُقدِّم التوصيات للقيادة لمساعدة العاملين؛ حيث تكتشف نقاطاً محددة في سير عمل الموظف، التي يمكن رفع فعالية تنفيذها.

وبمعنى آخر، قد يؤدي ذلك في بعض المهام إلى أتمتة كاملة لدورة العمل وإزالة العامل البشري منها؛ ففي أحد الأمثلة، وجدت الأداة أن أتمتة إحدى مهام فحص الجودة التي تستغرق 40 ثانية وكان يقوم بها عمال خدمة العملاء 186,000 مرة في السنة سيوفر عليهم 5,200 ساعة. ويرى وير أن ذلك يعني إتاحة المجال للموظفين البشريين لتكريس المزيد من الاهتمام لأعمال أكثر قيمة وتحسين أوقات استجابة خدمة العملاء.

العمل كالمعتاد

لطالما كان الحديث عن خفض التكاليف وتوفير الوقت يمثل تلاعباً بالألفاظ يُقصد به تسريح الموظفين. ومع تباطؤ الاقتصاد، تقوم إنابل بالترويج لبرنامجها باعتباره وسيلة تتيح للشركات تحديد الموظفين الذين يجب الاحتفاظ بهم -“أولئك الذين يُحدِثون فرقاً كبيراً في تحقيق أهداف الشركة وزيادة الأرباح”- والحفاظ على حماسهم وتركيزهم أثناء متابعة عملهم من المنزل.

أما الجانب الآخر، بطبيعة الحال، فهو إمكانية استخدام المدراء للبرنامج في اختيار الموظفين الذين ينبغي طردهم. يقول وير: “ستقوم الشركات بتسريح الأشخاص من الخدمة، ولطالما قامت الشركات بذلك. لكن يمكنك أن تكون موضوعياً أو متحيزاً في كيفية القيام بذلك”.

تنظر كريدر إلى الأمر بطريقة مختلفة؛ حيث يقول: “الشيء الخبيث للغاية في هذه الأنظمة هو وجود قشرة من الموضوعية حولها؛ فهي تعطيك رقماً على الحاسوب، كيف يمكن الشك في موضوعيتها؟ ولكن من خلال تحليل بسيط يمكن التوصل إلى حقيقة وجود قيم حول ما يجب منحه الأولوية في الغالبية العظمى من هذه الأنظمة”.

وبالإضافة إلى ذلك، تنطوي خوارزميات التعلم الآلي على تحيز مستتر في البيانات التي يتم تدريبها عليها. ومن الصعب الكشف عن هذا التحيز عندما يكون مخبأً داخل نظام مؤتمت. فإذا تم استخدام هذه الخوارزميات لتقييم أداء الموظفين، فقد يكون من الصعب الطعن في تقييم أو فصل غير عادل من العمل.

وفي عرض تقديمي، تدعي أنابل أن وكالة جمارك دبي تقوم بنشر برنامجها في جميع أقسام الوكالة مستهدفة توفير 75 مليون دولار في “كتلة الرواتب” على مدى العامين المقبلين. ونُقل عن المدير العام للوكالة قوله: “لقد فصلنا بشكل أساسي معدل نمونا عن كتلة رواتبنا”. كما تُعرب أومنيكوم ميديا جروب عن رضاها عن مساعدة إنابل لها في رفع إنتاجية موظفيها؛ حيث يقول رئيسها التنفيذي نديم سمارة: “يحتاج فريقنا العالمي إلى أدوات يمكنها رفع الإنتاجية عندما يتعلق الأمر ببناء قدرتنا الداخلية من دون زيادة عدد موظفينا”. وبعبارة أخرى، استخلاص إنتاجية أكبر من الموظفين الحاليين.

تُصرّ كريدر على وجود طرق أفضل لتشجيع الناس على العمل، وتقول: “ما نشهده هو محاولة لتحويل الإنسان إلى آلة قبل أن تحل الآلة محله. علينا أن نخلق بيئة يشعر فيها الناس بالثقة في القيام بعملهم، ولا يمكن تحقيق ذلك من خلال مراقبتهم”.