Article image
رائد الفضاء جريجوري هاربو أثناء عمله على التلسكوب الفضائي هابل في إطار بعثة الصيانة لعام 1997.
مصدر الصورة: ناسا



دخل التلسكوب البالغ من العمر 31 عاماً في وضعية الأمان مرة أخرى، ويمثل هذا تذكيراً بأن حياته قاربت على الانتهاء.

2021-03-14 17:57:25

14 مارس 2021

أعلنت ناسا منذ فترة وجيزة أن التلسكوب الفضائي هابل دخل في وضعية الأمان مرة أخرى؛ وذلك “بسبب خطأ في النظام البرمجي العامل على متنه”. لم تتأثر الأنظمة العلمية للتلسكوب على الإطلاق بهذه المشكلة، ولكن تم تعليق جميع العمليات العلمية حتى انتهاء الطواقم الأرضية من حل المشكلة. لم تعلن الوكالة عن أي تفاصيل إضافية عن طبيعة هذا الخطأ البرمجي، أو ما تسبب فيه، أو الإجراءات المتخذة للتعامل معه.

لا شيء يدعو للقلق على الأرجح؛ حيث إن المركبات الفضائية مثل هابل تدخل في وضعية الأمان عند ظهور أي شيء غير طبيعي. وتعني وضعية الأمان أن التلسكوب يتوقف عن توجيه نفسه نحو الأهداف وجمع البيانات، ويكتفي فقط بالحفاظ على ألواحه الشمسية في وضعية جيدة للتزود بالطاقة، وهو ما يساعد على جعل عملية كشف الأخطاء ومعالجتها أكثر بساطة وسلاسة، خصوصاً بالنسبة لمشكلة برمجية يمكن أن تؤثر على عدة أجزاء. وُضِع هابل في وضعية الأمان آخر مرة قبل الآن في 2018، عندما ظهرت مشكلة في اثنين من جيروسكوباته المستخدمة للحفاظ على توجه مناسب ضمن المدار. وعاد التلسكوب إلى العمل بعد ثلاثة أسابيع دون أي مشاكل معلقة. يُفترض أن تكون هذه المشكلة الجديدة قابلة للإصلاح.

غير أن هذا الإعلان يمثل تذكيراً جديداً بأن هابل أصبح قديماً؛ فقد دامت خدمته لثلاثة عقود، وبشكل يتجاوز توقعات الجميع بكثير، ما يعني أنه أصبح في الرمق الأخير.

كم سيصمد هذا المرصد فعلياً، وماذا سيحدث عندما تنتهي خدمته أخيراً؟

تمت صيانة العتاد الصلب المتهالك لهابل بصورة مباشرة لآخر مرة في 2009 من قِبل رواد المكوك الفضائي، وقد قدر المهندسون حينها أنه سيدوم حتى 2016 تقريباً. يقول توم براون، مدير مكتب بعثة التلسكوب الفضائي هابل في معهد علوم التلسكوب في بالتيمور: “بعد بضع سنوات من التحليق مع جميع التجديدات والإصلاحات، أعاد المهندسون تقييم العمر المتوقع والموثوقية للأجهزة والأدوات، وبدأت تقديراتهم تتزايد إلى حد كبير. وتقول أحدث التقديرات إنه يوجد احتمال كبير بأننا سنواصل العمل العلمي كما نقوم به حالياً حتى 2026 على الأقل، بل ربما حتى نهاية العقد. ويبدو الوضع جيداً جداً في الوقت الحالي”. 

لقد استُخدم هابل عملياً في جميع أنواع الدراسات الفلكية: دراسة الكواكب والأقمار في نظامنا الشمسي، ورصد النجوم والمجرات والمستعرات العظمى والسديمات وغيرها من الظواهر الفيزيائية الفلكية البعيدة، ودراسة أصل وتمدد الكون.

كما أن عمله في علوم الكواكب الخارجية في العقد المنصرم كان مفاجئاً على وجه الخصوص؛ فقد تم إطلاق التلسكوب عام 1990 عندما كنا على بعد خمس سنوات من اكتشاف أول كوكب خارجي يدور حول نجم شبيه بالشمس. ولكن من الجدير بالذكر أن هابل ليس مفيداً في اكتشاف الكواكب نفسها، بل بالأحرى في عمليات الرصد اللاحقة لتحديد صفات الكواكب ودراسة الغلاف الجوي الخاص بها بعد اكتشافها. عندما يتم إطلاق التلسكوب الفضائي جيمس ويب في وقت لاحق من هذا العام، سيتمكن العلماء أخيراً من استخدام المرصدين معاً لكشف عالم شبيه بالأرض ويستطيع احتواء الحياة بشكل حقيقي.

غالباً ما يوصف التلسكوب الفضائي جيمس ويب بأنه خليفة هابل، ولكن هذا ليس صحيحاً تماماً؛ حيث إن هابل يستطيع رصد الكون في الأطوال الموجية المرئية وفوق البنفسجية، على حين يركز جيمس ويب على الرصد في المجال تحت الأحمر، الذي يساعدنا في دراسة الأجسام التي تعود إلى بداية الكون وتوصيف التركيب الكيميائي للعوالم الأخرى. ونظراً لوجوده في الفضاء، لا يتعرض هابل إلى أي مشاكل بسبب التداخل الناجم عن الغلاف الجوي للأرض، الذي يمثل مشكلة كبيرة على وجه الخصوص بالنسبة لعمليات الرصد في المجال فوق البنفسجي، حيث تحجب طبقة الأوزون معظم الإشعاعات فوق البنفسجية.

وهو أمر هام عندما نريد إجراء عمليات رصد مرئية لدراسة الظواهر الغامضة. لنأخذ مثالاً اكتشافَ الأمواج الثقالية الناجمة عن تصادم نجمين نيوترونيين في 2017. فقد تمكن هابل من رصد نتيجة الحدث، وقدم بيانات من خارج الطيف تحت الأحمر، وقد استُخدمت هذه البيانات لتحديد شكل وتطور هذا الاندماج بتفاصيل واضحة.

حالياً، توجد أربع أدوات علمية رئيسية نشطة على متن هابل، وبالتالي سيبقى التلسكوب قادراً على تقديم الكثير من المعلومات العلمية حتى لو تعطلت أداة أو أداتان. كما أن التلسكوب يحتوي على الكثير من الأنظمة والقطع الاحتياطية، أي أن عطلاً واحداً يصيب البرمجيات أو العتاد الصلب لن يؤدي بالضرورة إلى توقف بعض الأدوات عن العمل.

ولكن على الرغم من كل هذا، لا توجد أي خطط لإطلاق بعثة صيانة جديدة. وإذا وقع عطل كارثي أدى إلى تعطيل هابل بشكل نهائي، فليس من المتوقع أن نشهد قيام ناسا بإطلاق بعثة إصلاح لمرصد يفوق عمره ثلاثة عقود.

إذن، ما الذي سيحل محل هابل عندما يُحال على التقاعد في نهاية المطاف؟

يقول براون إنه توجد خطط أولية لدى بلدان أخرى لوضع بعثات أخرى في المدار لإجراء عمليات الرصد في المجالين المرئي وفوق البنفسجي، التي يقوم بها هابل حالياً. حيث يقوم التلسكوب الفضائي الهندي أستروسات حالياً بإجراء عمليات رصد في المجال فوق البنفسجي من الفضاء، ولكن بفتحة عدسة أصغر بكثير. أما الصين فتتطلع قدماً نحو إطلاق تلسكوب فضائي يحمل اسم شونتيان في 2024، وتقول وسائل الإعلام الحكومية إنه سيتمكن من رصد منطقة من الفضاء تفوق مساحتها مساحة المنطقة التي يمكن لهابل أن يرصدها بمقدار 300 ضعف.

قد يكون الخليفة الفعلي هو التلسكوب الفضائي لوفوار (نظام المسح الكبير المرئي وتحت الأحمر وفوق البنفسجي) الذي اقترحته ناسا، وهو مرصد للاستخدامات العامة وقادر على إجراء الرصد وفق عدة أطوال موجية (بما فيها الأمواج تحت الحمراء والمرئية وفوق البنفسجية). ولكن، وحتى لو حصل لوفوار على التمويل اللازم، فلن يتم إطلاقه قبل 2039 على أقل تقدير.

من الممكن أن يبقى هابل صامداً حتى يظهر البديل الفعلي، ولكن معظم الفلكيين أخذوا يستعدون للتكيف مع الفجوة المعرفية الكبيرة التي سيسببها غيابه عندما يتوقف عن العمل في نهاية المطاف. يقول براون: “يمثل هابل الخيار الأفضل دون شك لإجراء عمليات الرصد المرئية وفوق البنفسجية”. ويتعلق جزء كبير من العمل الفلكي -لا سيما فهم درجات الحرارة والتركيب الكيميائي في الفضاء الخارجي- بالمعلومات التي يمكنك أن تحصل عليها منه. وأخشى أن أوساط علماء الفضاء ستشعر بخسارة فادحة عندما يتوقف هابل عن العمل في نهاية المطاف”.