Article image
مصدر الصورة: إم إس تك | الصورة الأصلية: ويكيميديا كومونز



وجود دليل على أن عمليات البحث الكمومية هي إحدى السمات العادية لسلوك الإلكترون، قد يفسر تشكل الشفرة الوراثية التي تمثل أحد أعظم الألغاز في علم الأحياء.

في العام 1996، نشر أحد علماء فيزياء الكم في مختبرات بل بولاية نيوجيرسي طريقة جديدة للبحث ضمن قاعدة بيانات يبلغ عدد مدخلاتها N. ولطالما عرف علماء الحاسوب أن هذه العملية تتطلب نحو N خطوة؛ لأنه -في أسوأ الحالات- قد يكون العنصر المهم هو العنصر الأخير فيها.

لكن هذا الفيزيائي، وهو لوف جروفر، أظهر كيف أن القواعد الغريبة لميكانيك الكم قد سمحت بإجراء البحث باستخدام عدد من الخطوات يعادل الجذر التربيعي للعدد N.

وكان هذا الأمر في غاية الأهمية؛ حيث يُعد البحث في قواعد البيانات إحدى المهام الأساسية في علم الحاسوب، فهي تُستخدم في كل شيء، بدءاً بالعثور على أرقام الهواتف وصولاً إلى فك النصوص المشفرة. لذا فإن تحقيق أي نوع من التسريع يُعد تقدماً في غاية الأهمية.

فتح ميكانيك الكم المجالَ أما توفير ميزة إضافية. ففي ذلك الوقت، لم تكن طريقة جروفر سوى الخوارزمية الكمومية الثانية التي ثبت أنها أسرع من نظيراتها الكلاسيكية؛ حيث كانت الأولى هي خوارزمية بيتر شور الخاصة بتحليل الأعداد إلى عواملها الأولية، وهي التي اكتشفها عام 1994. وقد لعب عمل جروفر دوراً مهماً في تمهيد الطريق أمام ثورة الحوسبة الكمومية التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

وعلى الرغم من الاهتمام بالأمر، إلا أن تنجيز خوارزمية جروفر استغرق وقتاً طويلاً نتيجة التحديات التقنية الكبيرة التي كانت تكتنفها؛ حيث ظهر أول حاسوب كمومي قادر على تنفيذها عام 1998، ولكن لم تظهر أول نسخة قابلة للتطوير حتى عام 2017، وحتى حينها تم التنفيذ باستخدام 3 كيوبتات فقط. لذا فإن هناك حاجةً ماسة لابتكار طرق جديدة لتنفيذ الخوارزمية.

واليوم، يقول ستيفن جيليت وزملاؤه في جامعة تولون بفرنسا إن هذا ربما يكون أسهل مما يتوقعه أي شخص. حيث يرون أن لديهم دليلاً على أن خوارزمية البحث عند جروفر تمثل ظاهرة تحدث بصورة طبيعية، ويقولون: “نحن نقدم الدليل الأول على أنه في ظروف معينة، قد تتصرف الإلكترونات بشكل طبيعي مثلما تتصرف خوارزمية البحث عند جروفر، حيث تبحث عن عيوب في المادة”.

هذا الأمر له آثار واضحة على الحوسبة الكمومية، لكن معناه الحقيقي قد يكون أكثر عمقاً بكثير. فمنذ فترة، ناقش الباحثون النظريون ما إذا كان بإمكان البحث الكمومي أن يفسر أحد أعظم الألغاز المتعلقة بأصل الحياة، وهذه الفكرة (القائلة بأن عمليات البحث عند جروفر تجري في الطبيعة) قد تُقدم حلاً لهذا اللغز في نهاية المطاف. ولنتطرق أولاً إلى بعض المعلومات الأساسية.

بسبب الأهمية الجوهرية لخوارزمية البحث عند جروفر، فإن من الممكن إعادة صياغتها بطرق متعددة. وإحدى هذه الطرق هي السير الكمومي عبر سطح معين، وهي الطريقة التي يتحرك بها جسيم كمومي بشكل عشوائي من نقطة إلى أخرى.

ومن الواضح أن هذه العملية تمثل نوعاً من البحث في فضاء ثنائي الأبعاد، ولكن نظراً لأن الجسيم الكمومي يمكنه استكشاف العديد من المسارات في الوقت نفسه، فإن البحث يجري أسرع بكثير من البحث الكلاسيكي.

وتؤثر طبيعة السطح تأثيراً هاماً على عملية البحث. على سبيل المثال: يتكون أحد أنواع السطوح من شبكة مربعة، حيث يمتلك الجسيم الكمومي 4 حركات ممكنة عند كل رأس من رؤوس الخلية المربعة.

ولكن هناك العديد من الشبكات الأخرى الممكنة؛ نذكر منها الشبكة المثلثية على سبيل المثال، حيث يكون لدى الجسيم الكمومي 3 خيارات عند كل رأس من رؤوس الخلية المثلثة. يقول جيليت وزملاؤه: “تحظى الشبكة المثلثية بأهمية خاصة، بسبب تشابهها مع العديد من المواد الشبيهة بالبلورات التي تتواجد في الطبيعة”.

وقد ركز الفريق على محاكاة الطريقة التي يعمل بها بحث جروفر للإلكترونات التي تستكشف شبكات مثلثية أو مربعة، ولكنهم قاموا أيضاً بإدخال تأثيرات واقعية من الناحية الفيزيائية، كوجود عيوب في الشبكة على شكل ثقوب، وخصائص كمومية مثل تأثيرات التداخل.

كانت النتيجة مثيرة للدهشة! فالسؤال الذي يطرحونه هو: كيف يمكن للإلكترون أن يعثر بسرعة على ثقب في الشبكة؟ ويتمثل الإنجاز الكبير الذي حققه الفريق في إظهار أن عمليات المحاكاة هذه تقلد الطريقة التي تتصرف وفقها الإلكترونات الحقيقية في المواد الحقيقية.

بعبارة أخرى، يشكل هذا دليلاً على أن الإلكترونات الحرة تنفذ بشكل طبيعي خوارزمية البحث التي طرحها جروفر عندما تتحرك عبر سطوح أنواع معينة من البلورات.

هذا العمل له آثار فورية على الحوسبة الكمومية. يقول الفريق: “قد يكون هذا العمل هو السبيل إلى تحقيق طفرة تقنية؛ حيث سيتخطى العلماء التجريبيون الحاجة إلى وجود حاسوب كمومي كامل قابل للتطوير وقادر على تصحيح الأخطاء، ويسلكون طريقاً مختصراً يتضمن البحث عن ‘تجليات طبيعية’ بديلة لخوارزمية جروفر”.

كما أن هذا العمل له آثاره على تفكيرنا بشأن الشفرة الوراثية وأصل الحياة. فكل كائن حي على سطح الأرض يستخدم نفس الشفرة، حيث يقوم الحمض النووي بتخزين المعلومات باستخدام 4 أسس نكليوتيدية. ويقوم تسلسل النكليوتيدات بترميز المعلومات لبناء البروتينات من أبجدية مكونة من 20 حمضاً أمينياً.

ولكن لماذا هذه الأرقام (4 و 20) دوناً عن غيرها؟ بالعودة إلى العام 2000، وبعد بضع سنوات فقط من نشر جروفر لعمله، أظهر أبورفا باتل في المعهد الهندي للعلوم في بنغالور كيف يمكن لخوارزمية جروفر أن تفسر هذه الأرقام.

ترتبط فكرة باتل بالطريقة التي يتم بها تجميع الحمض النووي داخل الخلايا. وفي هذه الحالة، يتعين على الآلية الجزيئية داخل الخلية الواحدة أن تبحث عبر “الحساء الجزيئي” للأسس النكليوتيدية للعثور على الأساس الصحيح. وإن كان هناك 4 خيارات، فإن البحث الكلاسيكي يتطلب القيام بأربع خطوات وسطياً. وبالتالي سيتعين على الآلية أن تجرب 4 أسس مختلفة خلال خطوة التجميع الواحدة.

أما البحث الكمومي باستخدام خوارزمية جروفر، فإنه يجري أسرع بكثير؛ فقد أظهر باتل أنه عند وجود 4 خيارات، يمكن للبحث الكمومي أن يميز بين البدائل الأربعة بخطوة واحدة. وفي الواقع، فإن الرقم 4 هو العدد الأمثل.

ويمكن لهذا التفكير أن يفسر أيضاً سبب وجود 20 حمضاً أمينياً؛ ففي الحمض النووي، تحدد كل مجموعة مكونة من 3 نكليوتيدات حمضاً أمينياً واحداً، وبالتالي فإن تسلسل الثلاثيات في الحمض النووي يحدد تسلسل الأحماض الأمينية في البروتين.

إلا أنه أثناء تجميع البروتين، يجب اختيار كل حمض أميني من حساء يضم 20 خياراً مختلفاً. وتفسر خوارزمية جروفر هذه الأرقام، حيث تقول إن من الممكن لعملية بحث كمومية من 3 خطوات أن تعثر على غرض في قاعدة بيانات تضم ما يصل إلى 20 نوعاً من المدخلات. ومرة أخرى، نجد أن الرقم 20 هو العدد المثالي.

بمعنى آخر، إذا كانت عمليات البحث اللازمة لتجميع الحمض النووي والبروتينات فعالة إلى أبعد حد ممكن، فإن عدد الأسس يجب أن يكون 4، وعدد الأحماض الأمينية يجب أن يكون 20، كما تم التوصل إليه تماماً. ويبقى التحفظ الوحيد هو أنه يتعين على عمليات البحث في الطبيعة أن تكون كمومية.

عندما نشر باتل فكرته، سخر منها علماء الفيزياء الكمومية على الفور. وفي ذلك الوقت، عجزوا عن التقدم في محاولاتهم الخاصة للتحكم في العمليات الكمومية، التي لم يتمكنوا من القيام بها إلا من خلال عزل الجسيمات الكمومية في ظروف بيئية قاسية مثل وضعها في درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق (273.15 درجة مئوية تحت الصفر).

المشكلة الواضحة، حسب قولهم، هي أن الكائنات الحية تعمل في بيئة تتسم بالدفء وبالفوضوية، حيث تتعرض فيها الحالات الكمومية إلى الانهيار على الفور.

وقد كان علماء الأحياء رافضين على حد سواء، قائلين إنه يستحيل على العمليات الكمومية أن تجري داخل الكائنات الحية.

ومنذ ذلك الحين، برزت مجموعة متزايدة من الأدلة على أن العمليات الكمومية تلعب دوراً هاماً في عدد من الآليات البيولوجية؛ حيث يُعتقد الآن أن التركيب الضوئي مثلاً هو عملية كمومية من الناحية الجوهرية.

ولا شك في أن عمل جيليت وزملائه يثير وجهة نظر جديدة بشأن كل هذا؛ فهو لا يشير إلى أن خوارزمية جروفر قابلة للتحقق في بعض المواد فحسب، بل يبدو أنها تمثل خاصية من خواص الطبيعة أيضاً. وإذا كان هذا صحيحاً، فستبدأ الاعتراضات الموجهة إلى أفكار باتل عندئذ بالتداعي.

وقد تكون الحياة مجرد مثال عملي عن البحث الكمومي الذي طرحه جروفر، وقد تكون هذه الخوارزمية بحد ذاتها خاصية أساسية من خواص الطبيعة. إنها فكرة عظيمة إن تمكنا من إثباتها يوماً ما.

المرجع: arxiv.org/abs/1908.11213:
بحث جروفر كظاهرة تحدث بصورة طبيعية


شارك