Article image

Article image

عالم الفضاء حب

أصبح لدينا الآن، بفضل توأم من رواد الفضاء أول دليل علمي مُحكم على كيفية تجاوب الجسد الإنساني مع رحلات الفضاء طويلة الأمد، مع ذلك لا زالت هناك ألغاز تنتظر الحلّ.

منذ ثلاثة سنوات خلت، عاد رائد الفضاء الأمريكي سكوت كيلي إلى الأرض. حيث اختتمت هذه العودة من محطة الفضاء الدولية التي جرت أول مارس العام 2016 مسيرته في تسجيل الرقم القياسي للولايات المتحدة حيث قضى سكوت 340 يوماً في الفضاء تحت المراقبة الطبية الوثيقة. على الجانب الآخر، كان شقيقه التوأم، مارك كيلي (الذي كان أيضاً رائد فضاء) يخضع لتدقيق طبيّ مماثل على سطح الأرض. تعد دراسة هذا التوأم من الإخوة في ذات الوقت فرصة ممتازة فريدة من نوعها أتاحت للعلماء معرفة المزيد عن كيفية تجاوب الجسد البشري مع الفترات الطويلة في الفضاء، الأمر الذي منحنا نحن البشر لمحةً عما يمكن أن يحدث للبشر أثناء الرحلات الطويلة للمريخ مثلاً.

وبفضل مجموعة من العلماء، تمكنا نحن البشر الآن بعد ثلاثة سنوات، من تشكيل صورة شاملة وواضحة عن آثار الجاذبية الصُغريَّة والإشعاعات والبيئة الفضائية على جسد رائد الفضاء سكوت. في هذا السياق، فتحت النتائج الأولى، التي نُشرت ضمن بحث علمي في مجلة ساينس (Science) اليوم، شارك في إعداده عشرات الباحثين من جميع أنحاء العالم، باب أمل واعد أمام البشرية لخلق مستقبل يسكن فيه الإنسانُ الفضاءَ. من جانبه، يقول كريس ماسون، الباحث الرئيسي للدراسة المنشورة عن رواد الفضاء التوأم التي تشرف عليها ناسا، “أن نتائج الدراسة تعتبر أنباء طيبة للمهتمين بقطاع الرحلات الفضائية ولأولئك الذين يريدون الالتحاق بكوكبة رواد الفضاء؛ ومع أن الجسد الإنساني يمر بعدد كبير من التغيرات في الفضاء، إلا أنه يظهر مرونة غير عادية في العودة للحالة الأرضية الطبيعية”.

تناولت الدراسة عدداً من العلامات الحيوية، بدءاً بالجهاز المناعي (الذي كان يعمل بنفس الطريقة التي يعمل بها على سطح الأرض) إلى شكل مُقلة العين (حيث لوحظ أن عصب شبكية عين سكوت أصبح أكثر سماكة). ومع أن هذا كله رائع ومفيد، إلا أن نقطتين من النتائج البارزة أتت من إلقاء نظرة فاحصة على الحمض النووي والتعبير الجيني لرائد الفضاء.

مصدر الصورة: ناسا

في هذا الجانب، تمحور عمل سوزان بايلي وزملائها من جامعة ولاية كولورادو حول مراقبة طول تيلوميرات الحمض النووي للرائد سكوت كيلي، والإنزيم المتعلق بتلك التيلوميرات والذي يدعى التيلوميراز (telomerase). تقع التيلوميرات في الأطراف النهائية للحمض النووي، وغالباً ما يدلّ طولها على العمر والصحة. وهي تتأثر بعدة عوامل مثل الشيخوخة والضغط العصبي والإشعاع حيث تجعلها هذه العوامل أقصر طولاً.

وبما أن الرحلات الفضائية تعرّض البشر لكل من الضغط العصبي والإشعاعات، توقع العلماء أن يجدوا تيلوميرات رائد الفضاء سكوت أقصر طولاً. “لكن ما وجدناه هو العكس تماماً” تقول الباحثة بايلي، وتضيف: “ذلك أنه بمجرد أن حصلنا على العينات الأولى أثناء رحلته، التي أُخذت بعد أسبوعين تقريباً من صعوده للمحطة، لاحظنا أن تيلوميرات سكوت أطول بكثير مما كانت عليه قبل صعوده للفضاء“.

الأمر الآخر أن هذا الطول استمر طوال فترة مكوث الرائد كيلي سكوت على متن المحطة الفضائية. وبعد التحليل، اكتشف الباحثون أن تيلوميرات كيلي سكوت استطالتَ إجمالاً بنحو 14.5%.

لكن ما الذي يعنيه هذا؟ أولاً وقبل كل شيء لا تتسرع ويخطرنّ في بالك أننا وجدنا للتو إكسير الشباب وينبوع الحياة الذي لا ينضب. ذلك أنه وفي غضون أسبوع واحد فقط بعد عودته للأرض، تقلصت تيلوميرات الحمض النووي لسكوت بشكل كبير. بهذا الصدد، تقول بايلي “أن هذه التغيرات كانت متعلقة بشكل خاص وحصري بالرحلات الفضائية، كما أنها كانت سريعة الوتيرة جداً، لدرجة أنها حيرتنا وجعلتنا نحك رؤوسنا ونقول: بحقّ السماء ما سبب حدوث هذا؟”. وبعد ستة أشهر من عودته، عادت تيلوميرات الحمض النووي لرائد الفضاء سكوت كيلي إلى طولها الطبيعي، إلا أن عدداً كبيراً من التيلوميرات المنكمشة التي تشكلت أثناء عودته للأرض ظلت موجودة في جسده.

ويعود جهلنا بسبب حدوث هذا إلى فقداننا جزءاً حاسماً من البيانات. حيث أن البيانات عن التيلوميراز، الإنزيم المتعلق بطول التيلوميرات، لم تصل للمختبر الأرضي. ذلك أنه ومع أن العينات المُستخرجة من جسد كيلي سكوت وهو في الفضاء وصلت لأيدي الباحثين في غضون 48 ساعة، إلا أن رحلتها من متن المحطة إلى المختبر لم تكن مضبوطة علمياً بما يكفي لمنع ضياع نشاط الإنزيم تيلوميراز. والسبب في ذلك أن عودة العينات إلى الأرض في مركبة سويوز (Soyuz) لا يضاهي البيئة العلمية المثالية للمختبرات.

أما التغيير الكبير الآخر فقد رُصد في التعبير الجيني في الحمض النووي لكيلي سكوت، ويعني التعبير الجيني الطريقة التي يدير بها الحمض النووي الخلايا لصنع مختلف المكونات، مثل البروتينات على سبيل المثال.

لاحظ الباحثون أن العديد من الجينات تتوقف عن العمل ثم تشرع في العمل مرة أخرى أثناء الرحلة الفضائية، وقد وجدوا أن معظم تلك الجينات تتعلق بالدورة الدموية والجهاز المناعي. ويفترض الباحثون أن هذه التغيرات تشير إلى محاولات تأقلم الجسد البشري مع بيئة الفضاء.

بهذا الصدد، يقول ماسون أنه وخلال النصف الأول من فترة إقامة سكوت الفضائية، لاحظوا أن حوالي 1,500 جينٍ تغيّر تعبيرها الوراثي. وفي النصف الأخير من الرحلة، ارتفع عدد الجينات التي تغير تعبيرها الوراثي إلى ستة أضعاف. وهذا ما يشير إلى أن جسم الإنسان يخضع للتغيرات طوال فترة مكوثه في الفضاء، وليس فقط عند وصوله هناك.

على غرار ما حدث مع التيلوميرات، عادت معظم الجينات إلى تعبيرها الوراثي الطبيعي بعد عودة سكوت كيلي إلى الأرض. مع ذلك، لاحظ العلماء أن عدة مئات من الجينات يبدو أنها تتذكر وقتها في الفضاء واستمرت في التوقف ثم استئناف العمل (بشكل نوبات عمل واستراحة) كما كانت تفعل في الأعلى.

أما فيما يخص ضرر بقاء هذا السلوك من عدمه -والآثار المباشرة التي قد يخلفها على الصحة- فلازلنا لا نعرف حتى الآن. الأمر الآخر أن معظم الأرقام التي ضمها البحث العلمي، لا تتضمن نقطة مقارنة نرتكز عليها أو نعود إليها لنستخلص نتائج مفيدة. ويعلق ماسون على هذه النقطة بقوله أن ” الأمر يشبه عندما قاس البشر لأول مرة ضغط الدم، فوقتئذ لم نكن نعرف الأرقام المرجعية التي يجب المقارنة بها، إلا بعد أن شرعنا في قياس ضغط دم المزيد من الأشخاص.

في هذا الجانب، ومع أن رائد الفضاء كيلي سكوت يمتلك كميات هائلة من البيانات حول صحته أكثر مما يحلم به معظم الناس، إلا أنه أدلى بتصريح لإم آي تي تكنولوجي ريفيو مفاده أنه لا يفكر باتخاذ أي إجراءات معينة بناءً على تلك البيانات. صحيح أن الرائد كيلي شعر بتوعك فور هبوطه إلى الأرض، تماماً مثلما يشعر معظم رواد الفضاء، إلا أنه يحسّ الآن أنه معافى، ويقول “أشعر بصحتي الآن أقل قليلاً مما كانت عليه قبل الصعود للفضاء، لكن لعله السّن، فقد مرت أربع سنوات على الرحلة”.

أما بالنسبة للباحثة بايلي وزملائها، فالخطوات القادمة تتمثل في محاولة إنشاء أساليب اختبار أكثر جودة لمراقبة نشاط إنزيم التيلوميراز، سواءً في محطة الفضاء الدولية أو على الأرض. كذلك يطمحُ ماسون ببصره تجاه التقنية بهدف إزالة تأثير وقت نقل العينات من المحطة للأرض. في هذا السياق، قام فريق ماسون بإجراء أول تحليل للحمض النووي في محطة الفضاء الدولية، وحالياً يخطط هو وفريقه للمضي قدماً في هذا المسعى. أما بقية الفرق العلمية الأخرى فهي تأمل الحصول على كميات أكبر من العينات، وإن سمحت الظروف: إجراء اختبارات أطول فترة.

إن اختبار رائد فضاء واحد لا يتيح للعلماء استخلاص نتائج علمية نهائية وحاسمة، لذلك يريد الباحثون مثل ماسون دراسة العديد من رواد الفضاء الآخرين خلال اختبارات تتراوح مُددها من شهرين إلى ستة أشهر وحتى عام. مع ذلك وحتى إن أتيحت هذه الاختبارات فلن تكون لها ميزة وجود رائدَي فضاء توأم واحد في الأعلى وواحد في الأسفل لإجراء المقارنات.

بهذا الصدد يقول كيلي “أن من حق رواد الفضاء رفض أو قبول أن يكونوا موضوعاً للتجربة العلمية. ذلك أنك بصفتك رائد فضاء حرّ فيما ترغب بفعله وما لا ترغب بفعله ضمن البحوث. إلا أن المشكلة هي أن عدد البشر الذين يصعدون للفضاء قليل جداً، ومعظمهم يصعد هناك من أجل العلوم أصلاً. بالتالي أعتقد أنه يقع على عاتق رواد الفضاء واجبٌ أخلاقي يحتم عليهم المشاركة بإرادتهم في هذه الأنشطة العلمية”.

المزيد من المقالات حول البيئة

  1. Article image
  2. Article image
  3. Article image
error: Content is protected !!