Article image
مصدر الصورة: جيتي



من شأن صيغ جديدة وأساليب تبريد لا تحتاج إلى كهرباء أن تساعد في إيصال لقاحات الرنا المرسال إلى مناطق أكثر حول العالم.

2021-03-31 18:12:11

31 مارس 2021

حتى نتمكن من القضاء المبرم على الوباء، سيكون من الضروري أن ننجح في إيصال اللقاحات إلى كافة أصقاع العالم. وينطوي الجزء الأول من هذا التحدي على تعزيز عمليات توريد اللقاح وتأمين ما يكفي منها للجميع. ولكن حتى لو تمكنا من توفير ما يكفي من اللقاحات، فإننا سنواجه بعد ذلك عقبتين، هما: التخزين والتوزيع. وهذا يعني توريد بعض لقاحات فيروس كورونا عبر ما يعرف باسم “سلسلة التبريد”؛ أي نقلها في تسلسل من الأوساط المبردة جيداً -الطائرات والقوارب والشاحنات وحتى الصناديق المبردة بالنيتروجين السائل- لضمان عدم تلف الجرعات قبل أن تصل إلى الأشخاص الذين يحتاجون إليها. في الوقت الحالي، يجب الاحتفاظ بلقاح شركة فايزر عند درجة حرارة -80 درجة مئوية ولقاح مودرنا عند -20 درجة مئوية من أجل تخزينهما لفترة طويلة. وللمقارنة، تجدر الإشارة إلى أن الثلاجات المنزلية تحافظ على درجات حرارة تتراوح بين 2 و4 درجات مئوية.

“لا شكّ أنها متطلبات صعبة التحقيق”، وفقاً لقول داريك كارتر، كبير المسؤولين العلميين في إتش دي تي بيو (HDT Bio)، وهي شركة تكنولوجيا حيوية مقرها في سياتل وتعمل على تطوير العلاجات المناعية لصالح المناطق المحرومة في العالم.

في حين أن بعض اللقاحات، مثل جونسون آند جونسون وأسترازينيكا، تحافظ على صلاحيتها بالفعل في درجات الحرارة القياسية التي توفرها الثلاجات، فإن لقاحات الرنا المرسال (mRNA) مثل تلك التي تنتجها شركتا فايزر ومودرنا، والتي أثبتت أنها أكثر فاعلية وسيكون تعديلها أسهل بكثير لمحاربة السلالات الجديدة من الفيروس، لا تتجاوز فترة صلاحيتها بضع ساعات بمجرد إخراجها من درجات الحرارة شديدة البرودة.

تمثل متطلبات الحفاظ على اللقاحات عند درجة الحرارة هذه مشكلةً في الأماكن التي يصعب فيها الوصول إلى الثلاجات شديدة البرودة أو حتى الكهرباء، ولكن الحفاظ على برودة اللقاحات قد يشكل تحدياً حتى في البلدان الغنية مثل الولايات المتحدة.

للتغلب على هذه المشكلات، ينظر العلماء والمهندسون إلى مسارين مختلفين: تغيير أجزاء من سلسلة التبريد، أو تغيير اللقاحات نفسها.

كيف تتيح درجات الحرارة الباردة حماية اللقاحات الحساسة؟

الرنا المرسال هو عبارة عن سلاسل من الأحماض النووية التي تعطي تعليمات للخلايا حول ماهية البروتينات التي يجب أن تصنعها. وإذ ما تم إجراء التعديلات الصحيحة على هذه الأحماض، فإنها ستتمكن من إعطاء إرشادات للجسم حول كيفية مقاومة الأمراض بما فيها كوفيد-19. وتمثل هذه السلاسل مكونات أساسية للقاحات مثل فايزر ومودرنا لكنها حساسة؛ إذ إنها سرعان ما تتحلل إذا لم تكن محمية بنوع من التغليف الواقي. لمنع وقوع هذا الضرر، يقوم صانعو اللقاح بوضعها في فقاعات آمنة لحمايتها. 

حالياً، ليست هذه الفقاعات إلا جسيمات نانوية دهنية؛ أي إنها بشكل أساسي عبارة عن قطرة صغيرة جداً من الدهون. بالنسبة إلى درو ويسمان، أحد رواد تقنية لقاحات الرنا المرسال، فقد استغرق الأمر أكثر من 10 سنوات وحوالي 40 صيغة مختلفة لاكتشاف أن الجسيمات النانوية الدهنية توفر أفضل طريقة لحماية هذه الأحماض النووية. ولا يقتصر دور هذه الجسيمات على منع سلاسل الرنا المرسال من التحلل فحسب، بل تساهم أيضاً في تعزيز استجابة الجهاز المناعي.

قبل حوالي ست سنوات، عندما بدأ ويسمان وزملاؤه يختبرون لقاحات الرنا المرسال، يقول إنه كان من الواضح أن الجسيمات النانوية الدهنية تتطلب تخزيناً فائق البرودة؛ نظراً لكون تجميد الدهون يتطلب طاقة أكبر من تجميد الماء على سبيل المثال. ويوضح ويسمان: “كانت فكرة التخزين تنطوي على تجميد القطرات الدهنية حتى لا تتحلل أو تتجمع أو تندمج معاً، ومن هنا جاءت الحاجة إلى التخزين عند حرارة -80 درجة مئوية”.

عكفت شركات الأدوية على اختبار درجات حرارة مختلفة للتخزين، على أمل أن تنجح في رفعها قليلاً. وعلى سبيل المثال، قامت مودرنا باختبار مدى قدرة لقاحها على التعامل مع حرارة عند -20 درجة مئوية للتخزين طويل الأمد ووجدت أنه يبقى مستقراً حتى تاريخ انتهاء صلاحية الجرعة. ورغم أن شركتي فايزر وبيو إن تك لم تدرسا إمكانيات تخزين اللقاحات عند -20 درجة مئوية حتى وقت قريب، ولكن في أواخر فبراير، وافقت الإدارة الأميركية للغذاء والدواء على تخزين لقاحاتهما في درجة الحرارة تلك لمدة تصل إلى أسبوعين.

فقاعات أقوى تعني لقاحات أكثر استقراراً

يجرب العلماء الآن طرقاً أخرى لجعل لقاحات الرنا المرسال أكثر استقراراً من حيث تحمل درجات حرارة أعلى. 

يقول بات لينون، الذي يقود فريق سلسلة التبريد في باث (PATH)، وهي منظمة صحية عالمية تعمل على تحسين العدالة الصحية: “كلما كان [اللقاح أو المنتج الدوائي] أكثر استقراراً من حيث تحمله لتبدل درجات الحرارة، كان ذلك أفضل؛ لأن ذلك يتيح تخفيف المتطلبات عن سلسلة التبريد”.

يطرح وايسمان مثالاً على الطرق الجديدة ويقول إن بعض مطوري اللقاحات يغيرون تركيز السكريات في الصيغ التي يستخدمونها؛ حيث تستطيع السكريات أن تغلف قطرات الدهون -بالطريقة التي يمكن للدقيق أن يغطي بها عجينة الخبز- وتمنع الجسيمات النانوية الدهنية من الالتصاق ببعضها البعض، ما يحافظ على استقرار الجرعات وقابليتها للاستخدام لفترة أطول.

أما شركة إتش دي تي بيو، شركة التكنولوجيا الحيوية في سياتل، فتعمل على حل بديل آخر. وبالتعاون مع ديبورا فولر، عالمة الأحياء الدقيقة بجامعة واشنطن، فإن هذه الشركة تعمل على تطوير طريقة رائدة لاستخدام نوع مختلف من الفقاعات الواقية للرنا المرسال. وإذا ما كُتب لها النجاح، ستوفر إمكانية الحفاظ على استقرار لقاحات الرنا المرسال ضمن ثلاجة عادية لمدة شهر على الأقل، أو ضمن درجة حرارة الغرفة لمدة تصل إلى ثلاثة أسابيع.

“لطالما كانت سلسلة التبريد تمثل مشكلة بالنسبة لتوزيع اللقاحات، وقد جرى تضخيمها اليوم في خضم الوباء”.

ديبورا فولر

فما هي طريقتهم؟ بدلاً من تغليف الرنا المرسال في جسيمات نانوية دهنية، قاموا بتصميم جزيئات تسمى الجسيمات النانوية الدهنية اللاعضوية أو ليونز (LIONs). الجزء اللاعضوي من هذه الجسيمات هو عبارة عن جسيم معدني موجب الشحنة، وهو أكسيد الحديد في تجاربهم حتى الآن. يقوم الجسيم المعدني موجب الشحنة بالارتباط بالرنا المرسال سالب الشحنة، الذي يلتف حول الجسيمات النانوية الدهنية اللاعضوية (ليونز). وبالنتيجة، نحصل على جسيمات صلبة، ما يوفر مزيداً من الاستقرار ويقلل من الاعتماد على التبريد.

 

في بادئ الأمر، قامت إتش دي تي بيو بتطوير جسيمات ليونز بهدف علاج سرطان الكبد والأورام في الرأس والرقبة، ولكن عندما تفشى الوباء، انتقلوا إلى تجربة استخدام هذه الجسيمات مع لقاحات الرنا المرسال. أظهرت التجارب قبل السريرية المبكرة على حيوانات من الرئيسيات غير البشرية أن جسيمات ليونز تحقق الغاية المطلوبة عند جمعها مع لقاحات الرنا المرسال المضادة لكوفيد-19.

يقول كارتر من إتش دي تي بيو إنه في الوضع المثالي يمكن إرسال جسيمات ليونز إلى العيادات في جميع أنحاء العالم بشكل مسبق، ليتم تخزينها في درجة حرارة الغرفة أو في الثلاجة العادية قبل خلطها مع عبوات اللقاح في العيادات، أو يمكن -بدلاً من ذلك- خلط الاثنين مسبقاً في منشأة تصنيع. وفي كلتا الحالتين، فإن هذه الطريقة ستحافظ على استقرار الجرعات لمدة شهر على الأقل في الثلاجة العادية.

تقول فولر إن بعض العلماء انتقدوا الحاجة إلى قارورتين، واحدة من أجل جسيمات ليونز والأخرى للقاحات الرنا المرسال قبل أن يتم مزجهما معاً، “لكنني أعتقد أن إيجابيات توافر منتج فعال أكثر قابلية للتوزيع في جميع أنحاء العالم تفوق تلك السلبيات”، على حدّ تعبيره.

تقوم شركة إتش دي تي بيو بالإعداد للتقدم بطلب ترخيص لبدء التجارب السريرية البشرية في الولايات المتحدة، وتستعد لإطلاق التجارب السريرية في الهند هذا الربيع. في الولايات المتحدة، تواجه الشركة بعض التحديات الفريدة التي تفرضها اللوائح التنظيمية لإدارة الغذاء والدواء؛ إذ  سيتم اعتبار جزيئات ليونز دواء منفصلاً عن اللقاح. يقول كارتر إن الجهات التنظيمية في البرازيل والصين وجنوب أفريقيا والهند -حيث تأمل شركة إتش دي تي بيو في إطلاق منتجها- لا تعد جسيمات ليونز دواءً لأنه ليس المكون النشط؛ ما يعني أن الشركة ستتخلص من إحدى مراحل التنظيم هناك مقارنة بالولايات المتحدة.

في الوقت الراهن، لا تزال هذه التكنولوجيا في مرحلة مبكرة جداً، كما يقول مايكل ميتشل، مهندس بيولوجيا في جامعة بنسلفانيا يعمل على أنظمة توصيل الأدوية. ويؤكد أن إجراء المزيد من الأبحاث سيكشف ما إذا كان أكسيد الحديد يتسبب في أية آثار جانبية.

الحفاظ على البرودة المناسبة في سلسلة التبريد

في حين أن إجراء التغييرات على اللقاحات نفسها قد يستغرق وقتاً، فقد تم الشروع فعلاً في استكشاف طرق أخرى لإدارة سلسلة التبريد، خاصة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل حيث يصعب توفير الكهرباء والتبريد.

طورت باث، المنظمة الصحية العالمية، طرقاً لتتبع درجات الحرارة أثناء توزيع اللقاح منذ جيل مضى من خلال تصميم ملصقات تغير لونها عند ارتفاع درجة الحرارة آخذة بعين الاعتبار تعرض القارورة التراكمي لدرجات حرارة خارج نطاق التبريد المطلوب. تساعد هذه المعلومات في تقليل التلف والجرعات الفاسدة. وعلى سبيل المثال، إذا توقفت ثلاجة عن العمل، فلن يضطر الطاقم الطبي إلى افتراض أن اللقاحات قد تلفت.

لقد ساعد أكثر من 9 مليارات من هذه الملصقات في التوزيع الناجح للقاحات المختلفة في جميع أنحاء العالم. ومع طرح لقاحات فيروس كورونا في بلدان أكثر، ستشكل هذه الملصقات طريقة إضافية لضمان الحفاظ على الجرعات ضمن درجات الحرارة المناسبة.

هناك طريقة أخرى تتعلق بالثلاجات نفسها.

في عام 2009، بدأ المهندسون في مؤسسة بيل وميلندا جيتس في سياتل يصممون ثلاجة لا تحتاج لشبكة كهربائية بهدف استخدامها في الأماكن التي تكون البنية التحتية لسلسلة التبريد فيها ضعيفة أو معدومة.

وفي المحصلة، طور المهندسون أركتيك (Arktek)، وهو عبوة حافظة للحرارة وكبيرة بحجم برميل تهدف إلى تبريد اللقاحات أو العينات البيولوجية الأخرى. ويمكن استخدام مؤثرات مختلفة لتخزين المواد في درجات حرارة مختلفة؛ حيث يمكن للثلج الجاف الاحتفاظ بالعينات عند -80 درجة مئوية، بينما يمكن لمزيج من الماء والإيثانول ضبط درجة الحرارة عند حوالي -20 درجة مئوية. يقول دانييل ليبرمان، مخترع أركتيك في جي إتش لابز (GHLabs)، وهي مؤسسة غير ربحية أنشأتها مؤسسة جيتس، إنه إذا كانت أركتيك تحتوي على 450 قارورة، فإنها ستحافظ على برودتها لمدة ثلاثة إلى أربعة أسابيع، في حين يمكنها الحفاظ على برودة 750 قارورة لمدة أسبوعين على الأكثر. ونظراً لعدم احتواء الجهاز على أية مكونات كهربائية، فإنه من الصعب للغاية كسره. ولن يغدو عديم الفائدة إلا إذا تمكن شخص ما من ثقب غطاء تفريغ الهواء.

وقد جرى اختبار هذا الجهاز لأول مرة في عام 2014، عندما اجتاح فيروس إيبولا عدة قرى في غرب أفريقيا. تطلب اللقاح المتوفر في حينه، الذي طورته شركة ميرك (Merck)، التبريدَ عند -80 درجة مئوية. وعندما تم نشر جهاز أركتيك في الميدان في عام 2015، ساهم في تطعيم 8,000 شخص وساعد في وقف تفشي فيروس إيبولا.

منذ ذلك الحين، بقي ما يقرب من 3,000 وحدة من الجهاز في عدة بلدان أفريقية، كما يقول ليبرمان، ويتم استخدامها لتخزين اللقاحات الروتينية لأمراض مثل الحصبة وشلل الأطفال وجدري الماء والتهاب الكبد. وتقوم منظمات دولية مختلفة، مثل اليونيسف وأطباء بلا حدود، بشراء أجهزة أركتيك لصالح البلدان التي تحتاجها. ووفقاً لشودا لي، المدير العام لشركة أوكما (Aucma) المصنعة للجهاز ومقرها في الصين، فقد تم تصنيع حوالي 1,000 وحدة جديدة للتعامل -على وجه الخصوص- مع توزيع لقاحات كوفيد-19. ويقول لي إنه سيتم إرسال هذه الوحدات الجديدة إلى جنوب وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وبعض البلدان في أميركا اللاتينية.

هناك أسلوب تجريبي آخر قيد التطوير، أسلوب من شأنه -كما يقول وايسمان- تجنب الخوض في مشاكل سلسلة التبريد كلياً؛ حيث قام بعض المطورين بتجفيف لقاحات كوفيد الحالية، ويشير وايسمان إلى إن التجفيف سيحافظ على استقرار الجرعة في درجة حرارة الغرفة إلى أجل غير مسمى حتى تتم إعادة تكوينها قبل الاستخدام مباشرة. تكمن المشكلة في هذا الأسلوب في أنه سيزيد من صعوبة إنتاج اللقاح؛ فالتجفيف يعني إضافة مرحلة معالجة أخرى، ما سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التصنيع بصورة كبيرة. ومع ذلك، تقول شركة فايزر إنها قد تكون جاهزة لاستخدام هذا الأسلوب بحلول عام 2022.

بالنسبة للقاحات الرنا المرسال، فإن من شأن التخزين الموثوق في درجة حرارة الغرفة أن يغير قواعد اللعبة، ويزيل عقبة قائمة منذ أمد طويل أمام توفير اللقاحات للجميع.

تقول فولر: “لطالما كانت سلسلة التبريد تمثل مشكلة بالنسبة لتوزيع اللقاحات، ولم يتم تضخيمها إلا في حالة تفشي وباء؛ عندما يغدو من المهم للغاية تلقيح الناس في جميع أنحاء العالم بأسرع ما يمكن”.

هذه المقالة جزء من مشروع تكنولوجيا الوباء، الذي تدعمه مؤسسة روكفلر.