Article image
علماء أحياء في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية يدرسون أشجار المانجروف.
مصدر الصورة: كاوست



كل فدان من أشجار المانجروف في البحر الأحمر يخزن 5.5 طناً تقريباً من ثاني أكسيد الكربون كل عام، بزيادة قدرها 23 ضعفاً عن التقديرات السابقة.

بقلم

2020-12-16 18:06:44

16 ديسمبر 2020

أشجار المانجروف تكبح جماح تغير المناخ

توصلت دراسة أجرتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية “كاوست” إلى أن المستويات العالية من كربونات الكالسيوم الذائبة، الموجودة داخل الجذور الهوائية لأشجار المانجروف في البحر الأحمر، تشير إلى أن هذه الأشجار قادرة على إزالة الكربون من الغلاف الجوي بكميات أكبر مما كان يُعتقد سابقاً. كما أن انحلال هذه الكربونات يرفع نسبة القلوية الكلية لمياه البحر؛ ما يساهم في عكس ظاهرة ارتفاع حموضة المحيطات، ويساعد في نهاية المطاف على ضبط درجة حرارة الأرض.

وتسلط نتائج الدراسة -التي أجراها فريق من الباحثين من بينهم كارلوس دوارتي أستاذ العلوم البحرية في مركز أبحاث البحر الأحمر في كاوست- الضوءَ على القدرة العالية لأشجار المانجروف على عزل واحتجاز وتخزين ثاني أكسيد الكربون باعتبارها آلية مهمة للتخفيف من تبعات تغيّر المناخ، وتشير إلى ضرورة وضعها ضمن الأنظمة البيئية المهددة التي يجب حمايتها.

تراجع الأنظمة الإيكولوجية للكربون الأزرق

توضح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية أن أشجار المانجروف قادرة على امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وعزله بمعدل يزيد 30 مرة عن غابات المناطق الشمالية والاستوائية والمعتدلة، إلا أن أهم ما يميز أشجار المانجروف هو قدرتها على “دفن” هذا الغاز المحتجز والطحالب الدقيقة والمواد العضوية الميتة الأخرى داخل جذورها الهوائية في طبقات من الرواسب الغنية، لمدة قد تصل إلى آلاف السنين.

وتضيف أن المواد العضوية المكونة من الكربون لا تتحلل بسهولة في البحر كما هو الحال على اليابسة؛ بسبب نقص الأكسجين في تربة المانجروف، لذا فإنها تتحول بمرور الوقت إلى مخزون كربوني كثيف مدفون في الرواسب البحرية يُطلق عليه مصطلح الكربون الأزرق.

أشجار المانجروف تكافح تغير المناخ

أشجار المانجروف على سواحل المملكة العربية السعودية.
مصدر الصورة: كاوست

غير أن الأنظمة الإيكولوجية للكربون الأزرق -التي تغطي مساحة تصل إلى 49 مليون هكتار (حوالي 117 مليون فدان) من سطح الأرض- تتناقص حالياً بمعدلات تتراوح بين 340 ألف هكتار (810 ألف فدان) و980 ألف هكتار (2,333 فدان) سنوياً؛ ما يجعلها من الأنظمة الإيكولوجية المعرضة لأكبر تهديد في العالم.

قياس كمية كربونات الكالسيوم

تنمو أشجار المانجروف في البحر الأحمر ومعظم المناطق الاستوائية على رواسب كربونات الكالسيوم (الحجر الجيري)، التي تكونت من أصداف وهياكل عظمية لكائنات بحرية يعود تاريخها إلى العصر الجليدي. ويُعد انحلال كربونات الكالسيوم في مياه البحر مصدراً للقلوية الكلية، ما يزيد من قدرة المحيطات على تخزين ثاني أكسيد الكربون.

وكانت دراسات سابقة قد وجدت أن أشجار المانجروف الصغيرة نسبياً الموجودة في البحر الأحمر تدفن في رواسبها كميات من الكربون العضوي أقل بعشر مرات من المتوسط ​​العالمي لأشجار المانجروف. ومع ذلك، لم تفحص هذه الدراسات كربونات الكالسيوم الذائبة باعتبارها “بالوعة للكربون”، وهو مصطلح تم افتراضه سابقًا ولكن لم يتم قياسه كمياً حتى الآن.

وتنتشر أشجار المانجروف على مساحة أكثر من 90 هكتاراً (حوالي 214 فدان) في محطة أبحاث ومحمية ابن سينا بالمملكة العربية السعودية. وقام الفريق بقياس معدلات انبعاث القلوية الكلية الموجودة في مستنقع المانجروف، وقارنوا هذه القياسات بتلك التي تم إجراؤها في بحيرة قريبة لا يوجد بها غطاء نباتي.

ووجد الفريق أن القلوية الكلية كانت أعلى بكثير في مستنقع المانجروف بالمقارنة مع البحيرة، كما أن معدلات الانبعاثات القلوية كانت أكبر من تلك التي أشارت إليها دراسات سابقة أجُريت على أشجار المانجروف في أستراليا.

ويقدر الباحثون أن كل هكتار في مستنقع المانجروف يخزن 13 طناً (أي: 5.5 طن في الفدان تقريباً) من ثاني أكسيد الكربون كل عام، بزيادة قدرها 23 ضعفاً عن التقديرات السابقة التي ركزت فقط على دفن الكربون العضوي في التربة.

المساهمة في برنامج الاقتصاد الدائري للكربون

كما يشير بحث أجراه الدكتور فينسينت ساديرني، عالم الأحياء البحرية في كاوست، إلى أن غابات المانجروف في البحر الأحمر تعمل على إذابة الكربونات في تربتها بمعدل ستة أضعاف غابات المانجروف في أجزاء أخرى من العالم، الأمر الذي يرفع من القلوية الكلية لمياه البحر، ويخفف من ظاهرة ارتفاع حموضة المحيطات وظاهرة الاحتباس الحراري، ويساهم في التخفيف من أضرار تغير المناخ.

ويرى كارلوس دوارتي أن نتائج هذه الدراسة “تشير إلى أن أشجار المانجروف الموجودة في البحر الأحمر -وربما تلك الموجودة في الأحواض الكربونية الأخرى- باعتبارها حلاً فعالاً للتخفيف من تغير المناخ”، موضحا أنها “تساهم في البرنامج الوطني للاقتصاد الدائري للكربون (الذي تتبناه) المملكة العربية السعودية، من خلال تحديد خيار مهم لإزالة ثاني أكسيد الكربون”.


شارك