Article image
مصدر الصورة: سام موي/ صور جيتي



أثبتت الحرائق البرية مدى حساسية البِنى التحتية العصرية، ولكن توجد مشاريع جارية لدعم التجمعات السكانية المعزولة عند انقطاع الكهرباء والاتصالات.

تلقت إليانور ليمبريكت أولَ إنذار حول الحريق البري على شكل رسالة نصية صباح اليوم الأخير من عام 2019، وقد كانت في زيارة لعائلتها بمناسبة عيد الميلاد في ناراوالي على الساحل الجنوبي لنيو ساوث ويلز، وهي من الوجهات السياحية المفضلة. عندما تلقت الإشعار، أدارت التلفاز للحصول على المزيد من المعلومات، ولكن الكهرباء انقطعت بعد دقائق. حاولت بعد ذلك أن تتفقد تطبيق الحرائق البرية على هاتفها، ولكنها فقدت الإشارة فجأة. في هذه الأثناء، تحولت السماء إلى اللون الأحمر الدامي بفعل الحرائق المقتربة. وهي تحكي قائلة: “لقد شعرت بالقلق من دون شك، ولكنني كنت أحاول الحفاظ على هدوء أعصابي”. كان زوجها قد غادر المنزل في السيارة مع حماتها قبل وصول الإشعار بفترة قصيرة، وذلك لتفقد أحد عقارات العائلة في مكان قريب. تضيف ليمبريكت: “مرّت فترة ساعة أو ساعتين من دون طاقة كهربائية أو اتصالات، ولم أعرف أين كانا”.

في نهاية المطاف، تنفست الصعداء عندما عادا بأمان. أحضرت حماتها مذياعاً قديماً يعمل بالبطارية بحيث تستطيع العائلة سماع بيانات الطوارئ من خدمة شركة البث الأسترالية المحلية، أما جميع الجيران حولهم فقد كانوا جالسين في سياراتهم على الشارع لاستخدام المذياع من أجل سماع نفس البث.

تقول ليمبريكت إن الأيام القليلة التالية كانت أقرب إلى الخيال، فقد كانت البلدة حالكة الظلام باستثناء بضعة متاجر تحوي مولدات كهربائية. ظهرت الطوابير أمام محطات الوقود، وأخذ الناس يشترون كل ما يمكن من المصابيح الكهربائية والبطاريات والحليب والخبز. اضطرت المتاجر إلى إعادة استخدام الأجهزة القديمة للبطاقات الائتمانية حتى تستطيع تلقي الدفعات المالية، فقد كانت الصرّافات الآلية معطلة تماماً من دون وجود للكهرباء أو الاتصالات. تقول ليمبريكت: “لقد شعر العجائز جميعاً بالسعادة، لأنهم كانوا ما زالوا يحتفظون بأغراضهم القديمة التي تعمل بالبطاريات، إضافة إلى أموالهم النقدية المخبأة تحت مرتبات الأسرّة”.

ركزت معظم التغطية الإعلامية لحرائق أستراليا البرية الكارثية على الامتداد الهائل للحرائق والأضرار التي تسببت فيها، التي تشمل احتراق حوالي 26 مليون ونصف فدان، ومقتل ما يُقدر بمليار حيوان بري، ووفاة 27 شخصاً على الأقل. وقد كان منزلنا في بلو ماونتنز على شفا الاحتراق؛ لم نكن متواجدين هناك، فقد أخلينا المنطقة قبل عدة أيام. ولكنني أمضيت هذه الأيام وأنا أتنقل بين عدة مصادر مختلفة للمعلومات في محاولة يائسة لمعرفة ما حدث في بلدتنا، وكانت جميع تلك المصادر تعتمد على توافر الكهرباء أو الإنترنت أو إشارة الهاتف الخليوي.

لم يحالف الحظ الكثيرين في الحصول على الطاقة الكهربائية والمعلومات. وبالنسبة للآلاف من الناس، كانت تجربتهم في هذا الحريق مماثلة لبداية فيلم سنمائي حديث من أفلام الكوارث. فعندما تفشل جميع البِنى التحتية العصرية للاتصالات والكهرباء، يمكن أن نرى بسهولة مدى ضعفنا واعتمادنا عليها.

“علينا أن نبني كل هذه الأنظمة مرة أخرى. لنبنها بشكل صحيح. لنبنها مقاوِمة للحرائق”.

خلال هذه الحرائق، عانت مناطق كثيرة من انقطاع الكهرباء والاتصالات، وفي أغلب الأحيان، حدث هذا في اللحظة الحَرِجة عندما كانت الحرائق تقترب. ففي أمسية رأس السنة، كانت منطقة بطول 177 كيلومتراً من ساحل نيو ساوث ويلز محرومة تماماً من الطاقة الكهربائية والاتصالات، مما أثر على عشرات الآلاف من المواطنين والسياح، كما حدث تماماً للآلاف في فيكتوريا وساوث أستراليا أيضاً.

 

يمكن أن يؤدي هذا الفشل إلى آثار مدمرة؛ حيث إن الكهرباء ضرورية للغاية خلال الحرائق البرية، خصوصاً في التجمعات السكانية البعيدة التي تعتمد عليها لتشغيل مضخات المياه للإطفاء ومياه الشرب. كما أنها تقدم الطاقة اللازمة للبنى التحتية للاتصالات والبث لتزويد الناس بالمعلومات والحفاظ على تواصلهم. ومن دونها، يمكن أن يعلق الناس في أماكنهم، ويصابوا بالذعر، ويتعرضوا لظروف سريعة التغير دون أي دعم إضافي.

إذن، كيف تحمي أنظمة التزويد بالطاقة، والخدمات التي تساعد في الحفاظ على الأرواح خلال الحرائق، عندما تشتد المشاكل؟

تحت الأرض أو خارج الشبكة
تتلخص إحدى الطرق بدفن كل شيء. فبعد الحرائق البرية المدمرة في فيكتوريا يوم السبت الأسود في 2009، أوصت لجنة استقصائية بنقل خطوط التيار الكهربائي في المناطق عالية الخطر إلى ما تحت الأرض. وأعلنت حكومة فيكتوريا برنامجاً لهذا بقيمة مليار دولار أسترالي (700 مليون دولار أميركي). ويقول منطق العمل إن دفن خطوط الكهرباء لا يحافظ على تدفق الكهرباء إلى المنازل خلال الكوارث وحسب، بل يمنع الحرائق من الحدوث في المقام الأول أيضاً. وفي الواقع، تُعزى بعض أسوأ الحرائق الكارثية إلى خطوط نقل الطاقة الكهربائية؛ ففي كاليفورنيا، اعترفت شركات الخدمات المحلية أن خطوط الكهرباء كانت السبب في عدة حرائق كبيرة في السنوات الأخيرة. والآن، تم دفن الكابلات والأسلاك في بعض أخطر المناطق في فيكتوريا.

غير أن دفن كل شيء تحت الأرض عملية مكلفة للغاية، وذلك كما تقول جيل كايني، المدير العام للشبكات في إينيرجي نيتووركس أستراليا، وهي الهيئة الصناعية الوطنية لشبكات نقل وتوزيع الطاقة الكهربائية. بل إن التكاليف أعلى بسبب المساحات الشاسعة التي تمتد عليها هذه الشبكات في أستراليا، وهي من أكثر البلدان تبعثراً في التجمعات السكانية في العالم. كما أن خطوط التغذية الطويلة التي تصل حالياً بين المناطق المعزولة والشبكة المركزية معرضة إلى حد كبير إلى الحرائق البرية، ويمكن أن تطول فترات انقطاع التيار الكهربائي أثناء إجراء الإصلاحات اللازمة.

لهذا، يدرس بعض مزودي الطاقة إمكانية فصل بعض المناطق البعيدة عن الشبكة كلياً؛ فقد كانت ويسترن باور -وهي شركة خدمات حكومية في ويست أستراليا- تعمل على اختبار أنظمة طاقة مستقلة للتجمعات السكانية النائية والمعزولة. وتعتمد هذه الأنظمة على تركيبة من الألواح الشمسية والبطاريات والمولدات الاحتياطية. وبعد تجربة على مدى 12 شهر، اكتشف المشرفون أن الأنظمة المستقلة أدت إلى تفادي أكثر من 200 ساعة من انقطاع الكهرباء، مقارنة مع المنازل التي ما زالت متصلة بالشبكة المركزية.

يمكن أن تؤدي “الشبكات الميكروية” أيضاً إلى تحسين استقرار التيار الكهربائي في التجمعات السكانية الأصغر والأكثر عرضة للحرائق البرية؛ حيث تستطيع أن تلعب دور نظام احتياطي يبدأ بالعمل لدى ظهور خطر الحريق، وتسمح لهذه التجمعات باستجرار الطاقة من الشبكة المركزية بقية الوقت. تقول كايني: “إنها متصلة معظم الوقت، ولكن عندما نعرف بقدوم طقس عاصف واحتمال التعرض للمشاكل، يمكن الاستعداد للانفصال عن الشبكة”. يمكن أن يحدث هذا قبل وصول الخطر، أو يتم إطلاقه في حال انقطاع الاتصال مع الشبكة المركزية.

ولكن هذا الأسلوب ليس خالياً من التعقيدات؛ حيث إن الحلول المستقلة عن الشبكة -التي تعتمد على الطاقة الشمسية- معرضة للمشاكل بسبب تأثير الدخان على عمل الألواح الشمسية. وقد وجد أحد التحليلات أن خرج الخلايا الضوئية الفولتية على سطوح المنازل في منطقة كانبيرا انخفض بنسبة 45% يوم رأس السنة بسبب الدخان الكثيف الناتج عن الحرائق، والذي انطلقت كميات هائلة منه نحو الجو، إلى درجة أن ناسا أعلنت مؤخراً أن دخان هذه الحرائق التف بالكامل حول الكوكب.

المناطق المرتفعة
ليس فقدان الخدمات الهامة أثناء الحرائق البرية بالأمر الجديد في أستراليا. وفي الواقع، فقد كان أمراً متوقعاً بالنسبة للكثيرين ممن تنبؤوا بأن هذا الموسم سيكون كارثياً، وذلك وفقاً لكورماك فاريل، وهو عالم بيئي مختص بالحماية من الحرائق البرية في مؤسسة الاستشارات البيئية أومويلت. ويقول: “لقد كان حدوث درجة ما من الأضرار أمراً شبه محتم؛ ويعود ذلك ببساطة إلى مشاكل الطبيعة الجغرافية”.

يضيف فاريل أن أبراج الاتصالات تمثل على الأرجح أكبر مشكلة تصميمية فيما يتعلق بالأنظمة المقاومة للحرائق البرية؛ لأنها يجب أن توضع على أماكن مرتفعة: “يجب أن تضعها مثلاً على قمة أحد التلال، لأنك ستحصل على أفضل استقبال وأفضل تغطية. وفي نفس الوقت، فإن قمة التل هي أسوأ مكان في الحريق”.

يقول فاريل إن أكبر مشكلتين في أبراج الاتصالات هما الكابلات البلاستيكية وغرفة المحطة القاعدية. ويمكن حماية الكابلات عن طريق لفها بكميات كبيرة من المواد العازلة غير القابلة للاشتعال. أما المشكلة الثانية فتحتاج إلى حل جذري، مثل وضع المحطات القاعدية تحت الأرض، أو حمايتها بالأحجار أو الإسمنت بدلاً من المعدن، أو وضعها ضمن التضاريس بشكل يقلل من تعرضها المباشر إلى النيران.

“يجب أن تضعها (أبراج الاتصالات) مثلاً على قمة أحد التلال، لأنك ستحصل على أفضل استقبال وأفضل تغطية. وفي نفس الوقت، فإن قمة التل هي أسوأ مكان للتواجد فيه أثناء الحريق”.

ولكن لا يمكننا القول بأن تأثير الحرائق البرية لم يؤخذ بعين الاعتبار على الإطلاق؛ فحالياً، يجب أن توجد حول هذه البنى التحتية منطقة حماية خالية من النباتات والمواد القابلة للاشتعال. ولكن فاريل يقول إن هذا المعيار مبني على معلومات قديمة حول الحرائق البرية، ولم يتم تحديثه حتى يأخذ بعين الاعتبار أثر التغير المناخي على تكرار الحرائق وشدتها ومدتها: “هذه هي المشكلة الأساسية: إن المناخ يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على التصميم، وقدرتنا على توقع هذه الحرائق ونمذجتها مع تصاعد احتمالاتها”. غير أنه ينظر إلى تجربة هذه الحرائق المدمرة على أنها فرصة للتعلم وتحسين الأداء، ويقول: “كيف يمكن أن نقوم بتفكيك بعض تلك المنشآت المتضررة والمدمرة، ونفهم سبب فشلها؟ يجب أن نبني كل هذه الأنظمة مرة أخرى. لِنبنِها بشكل صحيح. لِنبنِها مقاوِمة للحرائق”.

 

خدمات الطوارئ
في هذه الأثناء، يعمل مزودو الحدمة على إيجاد وسائل للحفاظ على استمرار الاتصالات. ووفقاً للمزود الوطني للحزمة العريضة إن بي إن، فإن معظم خدمات الحزمة العريضة توقفت في مناطق الحرائق بسبب انقطاع التيار الكهربائي، لا بسبب ضرر مباشر أصاب التجهيزات.

وللتعامل مع هذه المشكلة، قامت إن بي إن بنصب عدد من أطباق الأقمار الاصطناعية، لإتاحة الوصول إلى خدمات الحزمة العريضة بالأقمار الاصطناعية في 20 مركز من مراكز إخلاء الحرائق البرية عبر نيو ساوث ويلز وفيكتوريا وساوث أستراليا. تقول رايتشل ماكنتاير، المدير العام المحلي لإن بي إن: “تساعد هذه الخدمات بالأقمار الاصطناعية على تحقيق الاتصال بين العائلات والأصدقاء، وتقدم خدمات اتصال حيوية للمناطق التي قد تكون محرومة من جميع أشكال الاتصالات الأخرى”.

أيضاً، قامت شركة تيلسترا، المزود الوطني للاتصالات، بتطبيق بعض الإجراءات المؤقتة، مثل خلية متنقلة بالأقمار الاصطناعية للوصول إلى الإنترنت، ومركز تحويل خليوي متنقل للمناطق المتأثرة بالحرائق. كما جعلت الاتصال مجانياً من القمرات الهاتفية الثابتة في البلدات التي تأثرت بالحرائق مثل ناراوالي.

قدمت الطوابير الطويلة من الناس الذين يريدون استخدام هذه القمرات الهاتفية شيئاً من المرح في خضم هذا الجو من الخوف والشكوك. فقد كان أولاد ليمبريكت، الذين أصابهم الارتباك بسبب انقطاع إشارة الواي فاي، يشعرون بالمزيد من الحيرة إزاء الطوابير المتجهة نحو تلك الصناديق المعدنية الغريبة. وتستذكر ليمبريكت ضاحكة: “لقد أخذ أولادي يتساءلون: ما هذا الشيء؟”.