Article image
مصدر الصورة: مكتبة الكونجرس



لا تشير أرقام البطالة القياسية سوى إلى الأزمة التي تواجه الكثيرين ممن هم بلا عمل.

2020-04-15 21:12:06

30 مارس 2020

إن إغلاق قسم كبير من اقتصاد الخدمات -كالمطاعم والفنادق ومتاجر البيع بالتجزئة- في محاولة لإبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد يدفع الولايات المتحدة نحو ركود عميق. والسؤال الآن ليس عن إمكانية حدوثه، بل عن مدى عمقه، ومدة استمراره، وربما الأهم: من سيكون الأشد تضرراً من هذا الانكماش المدمر؟

أعلنت وزارة العمل الأميركية هذا الأسبوع أن عدداً هائلاً يبلغ 3.3 مليون شخص قدموا طلبات إعانة البطالة، وكان الرقم القياسي الأسبوعي السابق، الذي تم تسجيله عام 1982، يبلغ 695 ألف شخص. وعلى الرغم من سوء هذا الرقم، إلا أنه يقلل من الأزمة إلى حد كبير، لأنه لا يأخذ في الاعتبار الكثير من العاملين بدوام جزئي والعاملين لحسابهم الخاص والعاملين بنظام التعاقد الحر الذين خسروا أعمالهم أيضاً.

وقدر الاقتصاديون عدد الوظائف المفقودة بحلول الصيف بنحو 5 ملايين وظيفة؛ وذلك استناداً إلى تقديرات تشير إلى أن الاقتصاد سينكمش بنسبة صاعقة تصل إلى 25% في الربع الثاني، الذي ينتهي في شهر يونيو. ويتوقع رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي في مدينة سانت لويس وصول معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى 30% وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50% بحلول الصيف. ولكن بطبيعة الحال، لا أحد يعرف حقاً، وهو ما يرجع جزئياً إلى أننا لم نواجه أزمة مماثلة قط في ذاكرة أي شخص.

يقول ديفيد أوتور، الخبير الاقتصادي في جامعة إم آي تي وأحد أبرز خبراء اقتصاديات العمل على مستوى العالم: “من المستحيل معرفة كيف يتغير العالم. فهذا ليس مثل أي شيء شاهدناه في غضون مائة عام”. ففي أي حالة ركود أو كساد سابقة، كان الحل الاقتصادي يتلخص دائماً في تحفيز الطلب على العمالة؛ من أجل إعادة العمال إلى وظائفهم. ولكن في هذه الحالة، نحن نوقف النشاط الاقتصادي عمداً ونطلب من الناس أن يبقوا في المنزل. يقول أوتور: “الأمر لا يتعلق فقط بعمق الركود، بل باختلافه نوعياً”.

ويعني الانخفاض المفاجئ في الناتج المحلي الإجمالي حدوث ركود مع فقدان الكثير من الوظائف، لكن أوتور قلق أيضاً بشأن الشركات الصغيرة، حيث توقفت تدفقاتها النقدية، مع بقاء الفواتير المستحقة عليها قائمة، وستفشل الكثير منها دون مساعدة من الحكومة. ومثل هذا الاضطراب من شأنه أن يزيد من صعوبة إعادة دوران عجلة الاقتصاد بمجرد السيطرة على تفشي المرض. ثم إن هناك حالة من عدم اليقين بشأن الوقت الذي ستستغرقه هزيمة المرض، ودائماً ما يكون عدم اليقين سيئاً للأعمال.

أحد أكبر المخاوف بشأن الركود القادم هو أن أقل الفئات قدرة على تحمل الانكماش، ستكون هي الأكثر تضرراً، ومن بين تلك الفئات عمال الخدمات ذوي الأجور المنخفضة في المطاعم والفنادق، والعدد المتزايد من العاملين في قطاع الاقتصاد التعاقدي الحر. فعلى مدى العقدين الماضيين، أصبح عمال الخدمات جزءاً متزايد الحجم من الاقتصاد الأميركي. ويقول أوتور إن الأشخاص الذين لا يحملون شهادة جامعية يعملون بشكل متزايد في هذا القطاع؛ لأن العديد من الوظائف المكتبية والصناعية التي تتطلب عمالة ماهرة وشبه ماهرة قد نضبت. إن الأشخاص الذين يعملون في هذه الوظائف الخدمية -والذين يتقاضون بالفعل أجوراً منخفضة وغالباً ما يحصلون على القليل من المزايا الصحية وغيرها من المزايا- هم من سيعانون بشكل أكبر.

يقول أوتور: “في اليوم الجيد يكونون عُرضة للخطر، وفي اليوم السيئ يكونون أكثر عرضة للخطر، وهذا يوم سيئ للغاية”. 

وهو يرى أن إغلاق اقتصاد الخدمات “مناسب للغاية”، وقطعاً يجب تنفيذه لإبطاء تفشي المرض، إلا أن هذا يعني أننا في حاجة إلى أن نوفر للعمال والشركات المتضررة الوسائلَ اللازمة لتجاوز الإغلاق، واستئناف دوران عجلة الاقتصاد بمجرد السيطرة على التفشي. 

وقد تم إدراج بعض الآليات اللازمة لتحقيق هذه الغاية في حزمة التحفيز التي تبلغ قيمتها 2 تريليون دولار، والتي من المتوقع أن يوافق عليها الكونجرس هذا الأسبوع [وافق الكونجرس بالفعل منذ 3 أيام على حزمة تبلغ قيمتها 2.2 تريليون دولار]. وسوف يرسل التشريع 1200 دولار لكل أميركي يكسب أقل من 75 ألف دولار، كما سيوسع إعانات البطالة للمرة الأولى لتشمل العاملين بنظام التعاقد الحر والعاملين لحسابهم الخاص، وسينفق أيضاً مئات المليارات لمساعدة الشركات على الصمود.

ويقول أريندراجيت دوبي، الخبير الاقتصادي بجامعة ماساتشوستس في أمهرست، إن هذا التشريع ليس مثالياً، إلا أن زيادة التأمين ضد البطالة وتوسيع نطاق الأهلية سيساعد الملايين الذين سيفقدون وظائفهم، ومن هذا المنطلق، فإن الخطة تمثل «تحسناً كبيراً عن الوضع الراهن». 

ومن المؤكد أن الإغلاق سيضرب أجزاء من البلاد بشكل أقوى من غيرها. ووفقاً للأرقام التي نشرها معهد بروكينجز، فإن مدناً مثل لاس فيجاس وأورلاندو، التي تعتمد على الفنادق والسياح، ستتأثر بشدة. وتشمل المناطق الأقل عرضة للخطر القائمة المعتادة المؤلفة من المدن المزدهرة التي تعتمد على التكنولوجيا الفائقة، مثل سان خوسيه بولاية كاليفورنيا وبروفو بولاية يوتا. ويقول مارك مورو، المؤلف المشارك في التقرير، إن المناطق الأشد تضرراً ستكون هي “الأماكن المعتمدة على اقتصادات الضيافة الترفيهية العملاقة”، لكن مجموعة واسعة من المناطق ذات الاقتصادات الخدمية الكبيرة ستتعرض لضربة قوية.

ويرى مورو وزملاؤه أن توفير المساعدات المحلية لهذه المناطق يجب أن يكون على رأس الأولويات. ويشير إلى أن العديد من هذه الأماكن لم تتعافَ قط من الأزمة المالية التي حدثت عام 2008. ويقول إن عدم مساعدتها الآن “يشكل وصفة للمزيد من الأضرار الدائمة”، موضحاً أن “حكومات الولايات والحكومات المحلية ستشعر بالكثير من الأذى”.

ووفقاً لمورو، فإن المساعدات التي ينص عليها مشروع قانون التحفيز للمناطق “ليست كبيرة بالقدر الكافي، أو مرنة بالقدر الكافي، أو موجهة إقليمياً بالقدر الكافي”. ويقول إن ما تحتاجه الولايات والبلديات هو تمويل غير مقيد، وهو ما يوازي الأموال المُقدمة للأفراد. ويجب أن يكون الدعم الحكومي الفدرالي موجهاً بشكل أكبر للأماكن المضطربة للغاية، بما فيها تلك المناطق التي لم تتعافَ قط من الركود الأخير.


شارك