أجرينا في إم آي تي تكنولوجي ريفيو مقابلة مع الجراح اللبناني حيدر ناصر، وسألناه عن كيفية القيام بالعمليات الجراحية بظل تفشي فيروس كورونا.

2020-04-15 19:23:57

06 أبريل 2020
Article image
مصدر الصورة: أنسبلاش

بعد تفشي جائحة كورونا، باتت المستشفيات مكاناً غير آمن؛ فقد نشر فيروس كورونا حالة ذعر بين الطواقم الطبية وفرض قواعد وشروطاً جديدة على العمليات الجراحية داخل المستشفيات. وتستقبل معظم مستشفيات العالم حالياً أعداداً هائلة من المصابين، كما لجأت عدة مستشفيات إلى تحويل الأروقة الداخلية فيها إلى أماكن مجهزة بأسِرَّة لاستقبال المزيد من المصابين.

حالة الطوارئ التي تشهدها المستشفيات جعلت العمل الجراحي على المحك؛ إذ يتخوف أطباء الجراحة من تفشّي فيروس كورونا إلى الغرف المخصصة للجراحة، الأمر الذي دفع كليات ومنظمات عالمية تُعنى بالعمل الجراحي إلى إصدار توصيات تحظر على الجراحين إجراء عمليات جراحية غير ضرورية.

في 31 مارس الماضي، أصدرت الكلية الأميركية للجراحين مبادئ توجيهية لكيفية إجراء العمليات الجراحية بظل تفشي فيروس كورونا المستجد، كذلك أصدرت فرنسا مبادئ توجيهية حذرت فيها الأطباء من القيام بعمليات جراحية معيّنة، بالإضافة إلى إرشادات يجب أن يلتزم بها الجراحون خلال العمليات الجراحية.

وكان لإم آي تي تكنولوجي ريفيو حديث مع عضو الجمعية العالمية لجراحي المنظار، الدكتور اللبناني حيدر ناصر، لمعرفة المزيد عن المستجدات الطبية في العمل الجراحي. 

حصل الطبيب حيدر ناصر على درجة ممتاز من جامعة هارفارد الأميركية بعد أن أنجز بحثاً عن بيولوجيا الأورام السرطانية وسبل علاجها، وتخصص في جراحة الأورام الخبيثة عبر التقنيات الروبوتية، كما أنه يشارك في مؤتمرات طبية دولية، وينشر بين الحين والآخر عملياته الجراحية عبر منصات التواصل الاجتماعي.

هل لك أن تشرح لنا أهميّة التوصيات الجراحية الصادرة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية؟

في ظل جائحة كورونا، وزيادة الضغط على الطواقم الطبية والحاجة إلى تأمين أعداد كبيرة من الأسِرَّة للمصابين بفيروس كورونا، أصدرت عدة كليات طبية مرموقة قرارات تُلزم الجراحين بإجراء عمليات جراحية فقط في حالة الضرورة القصوى، بما معناه: إذا جاء مريض يعاني من ألم طفيف في الزائدة ومريض آخر يعاني من ألم مبرح في الزائدة، فسنجري العملية الجراحية للأخير لأن حالته الصحية تتطلب الإنقاذ.

هل تُجري عملية جراحية لمصاب بفيروس كورونا؟

بكل تأكيد. كما هو معروف فإن المصابين بفيروس كورونا إما تحدث لهم عوارض صحية خفيفة أو متوسطة أو شديدة، وفي حال كان الوضع الصحي للمريض يسمح بإجراء عملية جراحية فسنقوم بها.

كيف تُجري عملية جراحية لمصاب بفيروس كورونا؟

نتخذ أقصى درجات الوقاية عندما يكون لدينا عملية جراحية لمصاب بفيروس كورونا. أولاً يجب أن تتم العملية بتقنية المنظار فقط لا غير. وفي الوقت الحالي، حين نقوم بأي عملية جراحية علينا أن نرتدي ثلاث طبقات من الملابس، الطبقة الأولى هي الملابس العادية التي يجب أن تكون معقمة، ثم نرتدي الزي الرسمي للجراحين، وفي النهاية نرتدي ثوب “Overall PPE”.

كذلك نرتدي القناع الواقي الأول من صنف “N95”، ومن ثم نرتدي قناعاً آخر شفافاً يحمي كامل الوجه، ويجب أن تحدث العملية الجراحية في غرفة طبية نطلق عليها اسم “غرفة سلبية الضغط”؛ لأن الضغط السلبي يمنع انتشار الفيروسات والبكتيريا، وعندما ننتهي من العملية نذهب إلى غرفة مجهزة لخلع الملابس، وفي كل مرة نخلع فيها ثوباً يتم رشنا بالمعقمات، وهكذا دواليك.

هل تخاف من الإصابة بفيروس كورونا أثناء العمليات الجراحية؟ 

الوقاية خير من قنطار علاج؛ فإذا كانت العملية الجراحية في المَعِدَة لا ألمس أي منطقة أخرى من جسد المريض، كذلك تسمح لنا تقنية المنظار والتقنيات الروبوتية الحديثة بالابتعاد عن جسد المريض، وأحاول قدر المستطاع أن أنجز العملية الجراحية بسرعة كي لا أسبِّب أي مشكلة لرئتي المريض، ولكن أخاف على الفريق الطبي الذي يشاركني العملية، خصوصاً طبيب التخدير؛ لأنه يكون على تماسّ مباشر مع الأعضاء التنفسية.

ما العمليات الجراحية المحظورة حالياً؟

بداية الأمر علينا أن نركز على مسألة مهمة، هي أن عدد الأسِرَّة في كل مستشفيات العالم ليس كافياً لاستيعاب عدد الذين قد يصابون بفيروس كورونا؛ فحين يحدث ظرف طبي خطير كانتشار جائحة فيروسية، هذا يعني أن عدد الإصابات سيكون كبيراً جداً وبالتالي سنحتاج إلى كمية كبيرة من الأسِرَّة، لذلك هل من الأخلاقي أن أحجز سريراً لشخص يريد إجراء عملية جراحية لتصغير المعدة؟ كلا!

لذلك ففي الوقت الراهن، يمنع إجراء عمليات تصغير للمعدة أو عمليات تجميل، ولا نقوم بعملية جراحية لشخص مصاب بفتق في المعدة إلا في حال كان الفتق قد سبَّب اختناقاً في الأمعاء، بينما وفي المقابل قد نُجري عملية جراحية للقلب؛ لأن المريض إذا ما لم يخضع للعملية فسيكون معرضاً للذبحات القلبية.

ألا يشكل التمييز بين المرضى أزمة أخلاقية لكم؟ 

كلا، لقد فرضت علينا جائحة كورونا العمل في ظروف أشبه بالحرب، لذلك علينا تشخيص كل حالة بشكل دقيق. وهنا سأطرح عليكم سؤالاً: في حال جاء مريض يعاني من كسر في يده، وفي المقابل لدينا مريضة سرطان لديها كتلة سرطانية بحجم 1 سنتيمتر، والكتلة من نوع سرطان “الأقنية الغازية”، وتبيّن عبر الخزعة أن الكتلة “Grade 1″، لمن سأجري العملية؟ 

بطبيعة الحال سيقول الناس إن من واجبي الأخلاقي إجراء عملية جراحية لمريضة السرطان؛ لأن اسم المرض يسبب الهلع، ولكن من واجبي الطبي حالياً أن أجري عملية جراحية للمصاب بكسر في معصمه. أولاً، لأن عدم معالجة الكسر سيؤدي بعد أيام قليلة إلى إلتهابات حادة قد ينجم عنها مضاعفات سلبية جداً، بينما في المقابل أظهر تشخيصنا لمريضة السرطان، أن الورم قليل العدوانية، وبإمكاننا تأجيل العملية لفترة وجيزة.

تنشر على منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات عمليات الجراحية لسرطان القولون. فهل تُجرِي حالياً عملية جراحية لمصاب بسرطان القولون؟ 

في حالة سرطان القولون، لا نستأصل الورم كما كنا نفعل في السابق، بل نلجأ إلى العلاج الكيميائي أو العلاج بالأشعة، ولكن في حال كان المريض يعاني من صعوبة في التبرز فإننا نقوم بعملية جراحية عبر تقنية المنظار كي نصنع للمريض مخرجاً اصطناعياً.

ألا تعتقد أن تغيير أساليب العلاج فد يخيف مرضى السرطان؟

هناك كتل سرطانية يمكننا التعامل معها بالعلاج عبر الجرعات الكيميائية أو العلاج بالأشعة، بدلاً من خيار العملية الجراحية، وثمة خيارات أخرى أيضاً؛ ففي حالة سرطان المريء مثلاً نستخدم العلاجَ عبر الأشعة بدلاً من العملية الجراحية، حيث أثبت فعاليته في تفكيك أورام المريء.

لنفترض أن لديكَ مصاباً بسرطان الكبد، ومصابة بسرطان الثدي من نوع “السرطان الفصيصي الغزوي”، من ستختار لإجراء العملية الجراحية؟

هناك أربعة خيارات لمعالجة سرطان الكبد دون الحاجة إلى إجراء عملية جراحية، من بينها العلاج الكيميائي، أو معالجته عبر تقنية “الحرق بالتبريد”، أو عبر “الانصهار الإشعاعي”. بينما سنُجري العملية الجراحية للمصابة بسرطان الثدي الفصيصي الغزوي.

ما سبب اختيارك للمصابة بسرطان الثدي؟

سأخبركم قصة، قبل أسبوع زارتني مريضة لديها كتلة سرطانية من نوع “الفُصيصي الغزوي”، وكانت المريضة قد أجرت الصورة المقطعية، وتبيّن أن حجم الورم 1.5 سنتيمتر، ولكن عبر خبرتي الطبية، أعلم أن الصورة المقطعية تفشل في رصد سرطان الفصيصات الغزوية لأنه يتمتع بالقدرة على التخفي؛ إذ تعجز الصورة المقطعية عن رصده، والوسيلة الوحيدة لمعرفة حجمه الحقيقي هي صورة “MRI”، بينما لم يكن متاحاً لنا إجراء الصورة بسبب الضغط الطبي على أجهزة التصوير، لذلك أخذت قرار إجراء العملية لأكتشف بعد شقّ الثدي أن حجم الكتلة هو 8 سنتيمترات؛ فقمت باستئصال الثدي بالكامل بعد أن كان خياري -بحسب نتائج الصورة المقطعية- إزالة جزء منه فقط، بالإضافة إلى تأجيل العملية.

في ظل تفشي جائحة كورونا، ما أهمية الروبوتات في العمل الجراحي؟

يعد فيروس كورونا نقطة تحول مفصلية ستدفع المزيد من التقنيات الروبوتية إلى العمل الطبي؛ فالجراحة بالمنظار تندرج في خانة التقنيات الروبوتية. هذا النوع من الجراحة تُوصي به معظم المحافل الطبية العالمية لأنه يقلص نسبة انتقال الفيروسات إلى جسم المريض أو من المريض إلى الطاقم الطبي. ومن بين التوصيات الصادرة مؤخراً لعمليات المنظار في منطقة المعدة، ألّا يقوم الطبيب بتنفيس المبزلة (trocar) لسحب الدخان الموجود داخل المعدة.

يؤثر الدخان الموجود في المعدة على جودة صورة الكاميرا، فمن عادة الجراحين أن يقوموا بتنفيس المبزلة، ولكن حالياً سيؤدي تنفيسها إلى انتشار الفيروسات.

هل تريد أن تقول كلمة أخيرة؟

نحن نواجه معركة أولويات. عندما كنت تلميذاً في أوروبا، شاركت في عملية جراحية لشخص مصاب بمرض في معدته، وتوقف قلبه خلال العملية، مما اضطرنا إلى لمس صدر المريض، حين انتهينا من إنعاشه قالت زميلة لنا إن ما قمنا به لا يتوافق مع أصول التعقيم لأننا لمسنا مكاناً غير معقم. قال لها الطبيب الذي يرأس الفريق إن الخطوط الحمراء تسقط أمام حالة يجب إنقاذها من الموت.

حالياً، إذا كان شخص لديه ورمٌ حميد في رأسه، وفي أمسّ الحاجة إلى عملية جراحية، بينما في المقابل لدينا شخص لديه ورم سرطاني ونعلم أن وضعه يسمح له بالانتظار، فإننا نجري العملية لمن لديه الورم الحميد. إنها مسألة أولويات وتشخيص.