Article image
مصدر الصورة: إم إس تك| جيتي، إينفاتو



يرى الخبراء أنه من شبه المستحيل محاولة إيقاف السلالات الجديدة من كوفيد-19 دون توفر بيانات أفضل.

2021-04-13 06:11:56

12 أبريل 2021
  • الكونجرس يضخ التمويل إلى المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، والحكومة، والمراقبة الجينية المحلية.
  • تنجح بعض الولايات في تحقيق عتبة فحص 5% من الاختبارات الإيجابية للسلالات الجديدة.
  • لكن معظم الفوائد ستكون طويلة الأجل، كما أن قواعد الرعاية الصحية في الولايات المتحدة تجعل تتبع كل مريض مهمة شبه مستحيلة.

بعد فترة وجيزة من تنصيب الرئيس بايدن، كان لدى جيف زينتس -الرجل الذي تسلم زمام قيادة الاستجابة للوباء- رسالة حول ما يتعين على أميركا القيام به؛ حيث قال أثناء مؤتمر صحفي في يناير: “نحن في المركز 43 عالمياً في مجال إجراء التسلسل الجيني، وهذا موقع غير مقبول أبداً”. 

ورأى زينتس أن الحل يكمن في “إجراء القدر المناسب من التسلسل الجيني الذي سيسمح لنا بالاكتشاف المبكر للسلالات الجديدة، وهي أفضل طريقة للتعامل مع أي سلالات محتملة”.

عكف العلماء على إجراء التسلسل الجيني لعينات كوفيد-19 منذ اكتشاف أول حالة في ووهان. وقد تم تطوير لقاحات الرنا المرسال الأولى بسرعة غير مسبوقة بالاستناد إلى الشيفرة الوراثية التي نشرها العلماء الصينيون وأتاحوها للعموم في يناير. وفي منتصف ديسمبر، كان قد تم بالفعل تحليل شيفرة 51,000 جينوم من كوفيد-19 في الولايات المتحدة وجرى نشرها على أنظمة التخزين العامة. ويمثل هذا الرقم سبعة أضعاف عدد عينات الأنفلونزا التي تقوم المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها بكشف تسلسلها الجيني في العام الواحد.

لقد تم إجراء الغالبية العظمى من التسلسل الجيني لكوفيد-19 في مراكز أكاديمية أميركية. ويعود ذلك في الغالب إلى أنه -حتى وقت قريب- كان يُنظر إلى تتبع التغييرات في فيروس -يعتقد على نطاق واسع أنه يتطور ببطء وثبات- على أنه مسعى أكاديمي بحت.

حتى في نوفمبر وديسمبر، عندما أعلنت كل من المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا عن اكتشاف سلالات أكثر قابلية للتفشي وعندما وقالت الدنمارك إنها ستقتل 15 مليون من حيوانات المنك لاحتواء إحدى الطفرات، استبعد العديد من العلماء ومنظمات الصحة العامة أن ينجح الفيروس في الإفلات من المناعة التي يولدها اللقاح.

وبالرغم من ذلك، وفي الوقت الذي كانت فيه عناوين الصحف تحذر من تفشي “طفرات جديدة لفيروس كورونا بشكل يخرج عن نطاق السيطرة“، طالب السياسيون والجمهور بمعرفة ما إذا كانت هناك “سلالات مثيرة للقلق” تنتشر في محيطهم القريب.

جاءت الإجابة من المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها في بيان نُشر على الإنترنت: “نظراً لضآلة عدد حالات العدوى في الولايات المتحدة التي أُجرِيَ تسلسلٌ جيني لها، فإن السلالات الجديدة قد تكون موجودة بالفعل في الولايات المتحدة ولم يتم اكتشافها بعد”.

سرعان ما أصبحت عبارة “أميركا تحلق على عماها” لازمة متكررة، ليس فقط للعلماء الذين يسعون للحصول على دعم لعملهم، ولكن أيضاً لمنتقدي استجابة الولايات المتحدة الذين يبحثون عن مشكلة قابلة للحل. كانت رسائل التواصل غير الدقيقة مع الجمهور بلا شك أحد الدوافع وراء بعض الإحباط؛ ففي 22 ديسمبر -على سبيل المثال- ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنه منذ 1 ديسمبر، تم إجراء التسلسل الجيني لأقل من 40 جينوم كوفيد-19 في الولايات المتحدة. بينما في الحقيقة، كانت المختبرات الأميركية قد أنجزت ما يقرب من 10,000 تسلسل جديد وأودعتها في أنظمة التخزين العامة خلال تلك الفترة.

حددت المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها ومنظمة الصحة العالمية هدفاً يتمثل في إجراء التسلسل الجيني لـ 5% من الحالات الإيجابية لكوفيد-19 من أجل تتبع انتشار السلالات الجديدة. وسرعان ما حققت الولايات المتحدة هذا الهدف عن طريق الدفع لمختبرات الاختبار الخاصة لإجراء التسلسل الجيني لعدد صغير من العينات الإيجابية.

سرعان ما تدفق الدعم المالي والسياسي في ظل الإدارة الجديدة؛ حيث حصلت المراكز الأميركية على دفعة أولى بقيمة 200 مليون دولار مخصصة لجهود إجراء التسلسل الجيني. بعد ذلك، تم تمرير مشروع قانون الإغاثة في مارس، الذي خصص مبلغ 1.75 مليار دولار لدعم برامج الصحة العامة على مستوى البلاد في إجراء التسلسل الجيني “للأمراض أو الأوبئة، بما في ذلك كوفيد-19”.

 

حددت المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها ومنظمة الصحة العالمية هدفاً يتمثل في إجراء التسلسل الجيني لـ 5% من الحالات الإيجابية لكوفيد-19 من أجل تتبع انتشار السلالات الجديدة، وتم تحديد هذه النسبة بالاستناد إلى دراسة أولية أجرتها شركة إلومينا، الشركة المصنعة الرئيسية لمعدات التسلسل الخاصة بكوفيد-19.

وسرعان ما حققت الولايات المتحدة هذا الهدف عن طريق الدفع لمختبرات الاختبار الخاصة لإجراء التسلسل الجيني لعدد صغير من العينات الإيجابية. في الأسبوع الأخير من شهر مارس، عندما تم تسجيل 450,000 حالة إصابة جديدة، قامت المختبرات الاميركية، بما فيها المختبرات الأكاديمية الممولة من برامج أخرى، بتقديم 16,143 تسلسلاً منزوع الهوية إلى قاعدة البيانات الحيوية العالمية “جيزايد” (GISAID)، و6,811 تسلسل إلى المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية (NCBI). 

(شهدت تلك الفترة واحدة من أدنى معدلات الحالات خلال ستة أشهر، ومع ذلك، لو توجب على المختبرات الأميركية إجراء تسلسل 5% خلال ذروة يناير، لاضطرت إلى إنفاق أكثر من مليون دولار يومياً حتى تجري التسلسل الجيني لعدد عينات يبلغ 5 أضعاف عددها في مارس).

من المفترض أن تمثل أميركا مكاناً ممتازاً لدراسة التطور الجيني لفيروس كورونا؛ حيث تنتشر فيها العدوى على نطاق واسع، وتضم تنوعاً وراثياً بين سكانها، وفيها أكبر عدد من الأفراد الذين تم تلقيحهم في العالم. ولكن على الرغم من الزيادة في التسلسل الجيني، فإن بعض خبراء الصحة العامة والعلماء يتساءلون الآن حول ما الذي يتم فعله بكل هذه المعلومات، ومدى إمكانية تحقيق أهداف هذا المجال.

تقول المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها على موقعها في وصف المراقبة الجينية، إن إجراء التسلسل الجيني من شأنه أن يسمح بتتبع ما إذا كانت السلالات الجديدة قد تعلمت الإفلات من اللقاحات أو العلاجات. لكن برنامج إجراء التسلسل بغرض المراقبة التابع للمراكز لا يربط أياً من التسلسلات بالأشخاص الذين أخذت منهم العينات، ولا يكشف ما إذا جرى تطعيمهم أو مدى اشتداد المرض عليهم.

وفي الوقت نفسه، فإن أهم حجج استخدام هذا النوع من تسلسل “المراقبة” منزوع الهوية تتمثل في أنه يعطي المسؤولين إنذاراً مبكراً بشأن التغييرات المحتملة في معدلات الحالات. ولكن مع توارد الأخبار حول تفشي المزيد من السلالات سريعة الانتقال في أميركا، كانت الولايات تخفف من إلزامية ارتداء الكمامة وتسمح بإعادة فتح المطاعم.

تحدثنا إلى عدد من خبراء التسلسل الجيني الذين مارسوا عملهم خلال الوباء وسمعنا الكلام نفسه من العديد منهم: هناك الكثير من العقبات القانونية والسياسية وصعوبات تقنية في الولايات المتحدة تحول دون الاستفادة من بيانات المراقبة واستخلاص معلومات منها، وبعض هذه العقبات لا يمكن تجاوزه.

ستتضاءل فوائد المراقبة الجينية ومن المرجح أن تهدر الكثير من الإمكانات التي توفرها إذا لم يسأل العلماء وصانعو السياسات عن سبب رغبتهم في الحصول على تسلسلات كوفيد-19 وعن أفضل طريقة لاستخدام هذه البيانات.

تقول لين ورمبرود، كبيرة المحللين في مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي: “من الصعب جداً القيام بذلك على النحو السليم في الولايات المتحدة، سأشعر بخيبة أمل كبيرة إذا تم إنفاق كل هذه الأموال فقط للحصول على مجموعة كاملة من تسلسلات فيروس كورونا، ولم يتم التفكير في الاستفادة المستدامة منها”.

ما لا يمكن لتسلسل المراقبة تحقيقه

لا شك أن التسلسل الجيني كان أمراً ثورياً في مجال الصحة العامة لعدة أسباب ليس أقلها تطوير لقاحات الرنا المرسال باستخدام تسلسل تم الإعلان عنه بعد شهر واحد فقط من دخول رجل إلى مستشفى في ووهان مصاباً بمرض غريب.

ينطوي تسلسل المراقبة على تحديد الشيفرة الجينية لجزء من الاختبارات الإيجابية وتتبع التغييرات فيها بمرور الوقت، ومن شأنه أن يساعد الباحثين في تتبع تطور الفيروس. فإذا تزايدت إحدى السلالات بشكل أسرع من غيرها، حينئذ سيصب الباحثون تركيزهم عليها لإجراء المزيد من الأبحاث حولها.

يقول دونكان ماكانيل، كبير المسؤولين العلميين في مكتب الاكتشاف الجزيئي المتقدم (OAMD) التابع للمراكز الأميركية (CDC) والمسؤول عن توسيع جهود التسلسل الوطنية: “رغم أن مراقبتنا ليست كاملة، لكننا قادرون على معرفة زمان ومكان انتقال العدوى في منطقة ما، وتحديد أنماط التغيير واسعة النطاق”.

عادة ما تبرر السلطات أهمية تسلسل المراقبة بالقول إنه قد يساعد في تتبع سلوك سلالة ما في العالم الحقيقي. بيد أن ذلك التبرير يخلط بين أمرين: أخذ عينات من الاختبارات الإيجابية منزوعة الهوية، واستخدام التحليل الاستهدافي لفهم حالات معينة يمكن تحديد هوية أصحابها.

وعلى سبيل المثال، يرد على صفحة المراكز الأميركية الخاصة بتسلسل مراقبة سلالات كوفيد أن “التحليل الروتيني لبيانات التسلسل الجيني” يمكن أن يساعد في اكتشاف السلالات التي تتمتع “بالقدرة على الإفلات من المناعة الطبيعية أو المناعة التي يولدها اللقاح” و”تسبب إما حالات متوسطة من المرض أو إصابات خطيرة وأكثر حدة”.

“هل يعني رصد أحد السلالات أكثر من غيرها أنها أكثر قابلية للانتقال؟ ربما. نحن في حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث العلمية لفهم ما إذا كانت تلك السلالة تتسم بخصائص مثيرة للقلق”.

من شأن تحديد الوقت الذي تتعلم فيه السلالات الجديدة الإفلات من جهاز المناعة أن يساعد العلماء على معرفة ما إذا كانوا في حاجة إلى تغيير تركيبات اللقاحات. لكن التسلسلات الجينية لن تكشف عن هذه الأمور ما لم تكن مرتبطة بمعلومات حول الأشخاص الذين أخذت العينات منهم. وفي ظل اللوائح التنظيمية الأميركية، غالباً ما يكون ذلك مستحيلاً.

 

“هل يعني رصد أحد السلالات أكثر من غيرها أنها أكثر قابلية للانتقال؟ ربما”، كما يقول بريان كروجر، المدير الفني للبحث والتطوير في لاب كورب (LabCorp)، إحدى الشركات المتعاقدة مع المراكز الأميركية لإجراء التسلسل الجيني لكوفيد-19. ويضيف: “نحن في حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث العلمية لفهم ما إذا كانت تلك السلالة تتسم بخصائص مثيرة للقلق”.

يمثل عقد لاب كورب هذا جزءاً من برنامج مكتب (OAMD) للتسلسل الأولي، الذي يدفع لمختبرات الاختبار الكبيرة في جميع أنحاء البلاد لقاء إجراء التسلسل الجيني للآلاف من اختبارات كوفيد-19 الإيجابية. يركز المشروع بشكل أساسي على البحث عن “سلالات مثيرة للقلق”؛ أي سلالات يُشتبه بالفعل في أنها تسبب أعراضاً أسوأ أو تنتشر بوتيرة أسرع. كما ينطوي المشروع على تتبع متى وأين تنتشر الفروع المختلفة لشجرة عائلة كوفيد-19 من السلالات والتغيرات الجينية التي تظهر بشكل متكرر. فإذا نما أحد فروع الفيروس بشكل أسرع من غيره، أو إذا تكرر ظهور طفرة واحدة في عائلات مختلفة، فيمكن تحديدها لإجراء المزيد من الأبحاث حولها.

في الوقت نفسه، يجمع مكتب (OAMD) العينات الخام من مختبرات الصحة العامة في جميع أنحاء البلاد لدراستها في المختبر عن طريق تنمية العينات الفيروسية في الأطباق وتعريضها للمواد العلاجية والأجسام المضادة المأخوذة من المرضى. تعد دراسات أنبوب الاختبار هذه مصدر أحدث العناوين الإخبارية حول السلالات التي تنجح في الإفلات من الحماية التي تمنحها اللقاحات. كما أنها تميل إلى التقليل بشكل كبير من قدرة الحماية المناعية ضد المرض، التي تتضمن العديد من الآليات المتداخلة.

ولكن نظراً لاعتبارات خصوصية المرضى والمتطلبات الأخرى التي يفرضها الإشراف والتنظيم، يتم نزع الهوية من جميع هذه العينات، بالإضافة إلى جميع التسلسلات التي تجمعها من المختبرات، وبالتالي لا تتضمن أي صلة بالمريض المعني.

معلومات عامة دون تفاصيل مفيدة

وفقاً لماكانيل، ليس لدى مكتب (OAMD) أي نية للاستفادة من بياناته منزوعة الهوية ضمن سياق يترافق مع المعلومات السريرية.

يقول ماكانيل: “تم إعداد هذه العقود لمنحنا رؤية عامة جداً دون أن توفر معلومات تفصيلية دقيقة”.

حتى لو أرادت الوكالة دمج تسلسل المراقبة مع معلومات المريض في تحليلاتها، فإنها ستخوض معركة حامية الوطيس. في الولايات المتحدة، تتناثر معظم سجلات المرضى (نتائج الاختبارات، ومعلومات التطعيم، وسجلات المستشفيات) عبر العديد من قواعد البيانات غير المتصلة ببعضها البعض. سواء أكان مالكو هذه البيانات مهتمين بتسليم المعلومات إلى الحكومة أم لا، فإن جمعها يتطلب عادةً الحصول على موافقة من كل فرد منهم، وهي مهمة مضنية.

بدلاً من محاولة العمل على حل هذه المسائل على المستوى الوطني، تسمح عقود التسلسل لوكالات الصحة العامة المنفردة بطلب أسماء ومعلومات الاتصال الخاصة بالأشخاص الذين ثبتت إصابتهم بسلالات مثيرة للقلق. لكن اتباع هذا الأسلوب لا يحل مشاكل ملكية البيانات وإنما يلقي بها على عاتق جهات أخرى.

يقول براين كروجر من لاب كورب: “بعض الولايات تبلي بلاء حسناً وتريد معرفة الكثير عن السلالات المتفشية بين سكانها، وهناك ولايات أخرى لا تهتم بنفس القدر لهذا الأمر”.

غالباً ما تكون خبرة علماء أوبئة الصحة العامة محدودة في مجال المعلوماتية الحيوية التي تتضمن استخدام البرامج لتحليل مجموعات البيانات الكبيرة مثل التسلسلات الجينية. وقلة فقط من الوكالات تمتلك برامج تسلسل قائمة مسبقاً. وحتى لو كان لديهم مثل هذه البرامج، فإن قيام كل ولاية قضائية بتحليل شريحة صغيرة فقط من مجموعة البيانات يقوض مقدار المعرفة التي يمكن استخلاصها حول سلوك السلالات في العالم الحقيقي.

ومع ذلك، فإن التغلب على هذه المشكلات -أي تسهيل الربط على نطاق واسع بين التسلسلات والبيانات الوصفية السريرية- يتطلب أكثر من مجرد إصلاح شامل وكامل للوائح الخصوصية. قد يستدعي ذلك إعادة تنظيم أنظمة الرعاية الصحية بأكملها في الولايات المتحدة؛ حيث تعمل كل وكالة من وكالات الصحة العامة البالغ عددها 64 كإقطاعيات مستقلة، ولا يوجد تركيز للمعلومات أو السلطة بأيدي جهة واحدة.

يقول جوناثان كويك، العضو المنتدب للاستجابة الوبائية والتأهب والوقاية في مؤسسة روكفيلر: “تمثل البيانات الوصفية أكبرمشكلة لم تحل بعد”. (تساعد مؤسسة روكفيلر في تمويل التغطية في إم آي تي تكنولوجي ريفيو، على الرغم من عدم تمتعها بإشراف تحريري) وبما أنه من الصعب للغاية على خبراء الصحة العامة أن يقوموا بتجميع مجموعات بيانات كبيرة بما يكفي لفهم سلوك السلالات الجديدة في العالم الحقيقي، يرى كويك أننا ينبغي أن تعتمد على مصنعي اللقاحات والمستشفيات التي تضيف التسلسل إلى تجاربها السريرية الخاصة.

ويعتبر أنه من المخيب للآمال وجود الكثير من مجموعات البيانات الضخمة من المعلومات المفيدة في السجلات الطبية الإلكترونية وسجلات اللقاحات ومصادر أخرى، ولكن لا يمكن استخدامها بسهولة.

يقول كويك: “هناك الكثير من المعلومات الإضافية التي يمكن استخلاصها بسرعة والاستفادة منها لولا القيود التي نضعها على استخدام تلك البيانات، لا يمكننا الاكتفاء بالاعتماد على شركات اللقاحات لإجراء المراقبة”.

تعزيز المعلوماتية الحيوية على مستوى الولايات

إذا كنا ننتظر من مختبرات الصحة العامة أن تقوم منفردة بالتركيز بشكل أكبر على تتبع السلالات وفهمها، فإنها ستحتاج إلى كل المساعدة التي يمكنها الحصول عليها. إن القيام بشيء ما بشأن السلالات على مستوى كل حالة على حدة يندرج في نهاية المطاف ضمن مهام صحة عامة، بينما القيام بشيء ما بشأن السلالات على مستوى السياسات يندرج ضمن مهام صانعي السياسات.

تستخدم مختبرات الصحة العامة علم الجينات بشكل عام لكشف المعلومات المخفية عن حالات تفشي المرض، أو كجزء من جهود التتبع والتعقب. في الماضي، تم استخدام التسلسل الجيني لربط فاشيات الإشريكية القولونية بمزارع معينة، وتحديد سلاسل انتقال فيروس نقص المناعة البشرية وقطعها، وعزل حالات الإيبولا في الولايات المتحدة، وتتبع أنماط الأنفلونزا السنوية.

حتى أولئك الذين يمتلكون برامج راسخة يميلون إلى استخدام علم الجينوم بحذر شديد. ورغم أن تكلفة إجراء التسلسل الجيني قد انخفضت بشكل كبير خلال العقد الماضي، لكن العملية لا تزال مكلفة، خاصة بالنسبة لإدارات الصحة الحكومية والمحلية التي تعاني أساساً من ضائقة مالية. يكلف شراء الأجهزة وحدها مئات الآلاف من الدولارات، وأكثر من ذلك لتشغيلها؛ إذ تقول إلومينا، وهي واحدة من أكبر صانعي معدات التسلسل الجيني، إن المختبرات تنفق في المتوسط 1.2 مليون دولار سنوياً على الإمدادات لكل من أجهزتها.

“سنفتقد الكثير من الفرص إذا منحنا الأموال لإدارات الصحة لغرض إعداد البرامج فقط دون امتلاك إستراتيجية فدرالية تتيح لجميع الجهات الاطلاع على ما تقوم به هذه الإدارات”.

لا تحتاج وكالات الصحة إلى المال فقط، بل تحتاج أيضاً إلى الخبرة. فالمراقبة تتطلب عمل خبراء بيولوجيين مدربين تدريباً عالياً لتحويل السلاسل الطويلة من المحارف في التسلسل إلى معلومات مفيدة، كما تتطلب أشخاصاً لشرح النتائج للمسؤولين وإقناعهم بتحويل أي دروس مستفادة إلى سياسات.

 

لحسن الحظ ، كان مكتب (OAMD) يعمل على دعم الإدارات الصحية المحلية وعلى مستوى الولايات أثناء محاولتهم فهم بيانات التسلسل الخاصة بهم، وتوظيف خبراء المعلوماتية الحيوية في المناطق لتقديم المشورة إلى مسؤولي الصحة العامة وتسهيل جهود الوكالات الرامية إلى مشاركة خبراتهم.

كما أنها تضخ مئات الملايين في بناء ودعم برامج التسلسل الخاصة بتلك الوكالات، ليس فقط على تلك المتعلقة بالفيروس، ولكن لجميع مسببات الأمراض.

لكن العديد من هذه الوكالات تواجه ضغوطاً لإجراء التسلسل لأكبر عدد ممكن من جينات الفيروس. ومن دون إستراتيجية متسقة لجمع البيانات وتحليلها، تبقى فائدة هذه البرامج غامضة.

يقول ورمبرود: “سنفتقد الكثير من الفرص إذا منحنا الأموال لإدارات الصحة لإعداد البرامج فقط دون امتلاك إستراتيجية فدرالية تتيح لجميع الجهات الاطلاع على ما تقوم به هذه الإدارات”.

رؤى أولية مستلبة

يشغل مارك باندوري منصب مدير مختبر الصحة العامة بولاية نيفادا، وهو أحد البرامج التي يدعمها مكتب (OAMD). لطالما كان باندوري مناصراً قوياً للمراقبة الجينية على امتداد سنوات. وقبل الانتقال إلى رينو، كان يدير مختبر الصحة العامة في مقاطعة ألاميدا، كاليفورنيا؛ حيث ساعد في ريادة برنامج يستخدم التسلسل الجيني لتتبع كيفية انتقال العدوى في جميع أقسام المستشفيات. 

يقول باندوري إن تحويل التسلسلات إلى بيانات قابلة للاستخدام يشكل التحدي الأكبر أمام برامج الصحة العامة الخاصة بالتسلسل الجيني.

ويضيف: “يمكن لمراكز السيطرة على الأمراض أن تقول: ’اشترِ مجموعة من معدات التسلسل، وقم بإجراء مجموعة كاملة من التسلسلات’، لكنها لن تحقق شيئاً ما لم يعرف مستهلكو تلك البيانات كيفية استخدامها وكيفية تطبيقها. أنا أتحدث هنا عن الروبوتات التي نحتاجها لإجراء التسلسلات كل يوم، لكن ما تحتاجه الإدارات الصحية هو طريقة بسيطة لمعرفة ما إذا كانت الحالات مرتبطة ببعضها”.

عندما يتعلق الأمر بالسلالات الجديدة، فإن مختبرات الصحة العامة تخضع للعديد من الضغوط نفسها التي تواجهها مراكز السيطرة على الأمراض؛ حيث يريد الجميع معرفة السلالات المنتشرة بين الناس سواء كان بإمكانهم فعل أي شيء باستخدام المعلومات أو لا.

أطلق باندوري برنامجه لتسلسلات كوفيد-19 الجينية على أمل تقليل العمالة اللازمة للتحقيق في التفشيات المحتملة للفيروس وتحديد ما إذا كانت الحالات التي تم اكتشافها في أماكن متقاربة هي مرتبطة جينياً أو أنها كانت مجرد مصادفة.

وكان مختبره هو الأول في أميركا الشمالية الذي يكتشف مريضاً مصاباً بكوفيد-19، واكتشف لاحقاً سلالة (B.1.351) لدى رجل دخل المستشفى وكان قد عاد لتوه من جنوب أفريقيا. ومن خلال التتبع السريع لمخالطيه، تمكنت إدارة الصحة من منع انتشارها.

لكن إدارات الصحة بالمقاطعة حولت أولوياتها بعيداً عن تلك التحقيقات الميدانية استجابةً لتركيز الجمهور على مراقبة السلالات المعروفة المثيرة للقلق، كما يقول باندوري. ويشكك في صحة هذا التغيير في الأولويات.

ويقول: “كانت رؤيتي الأولية تقوم على استخدام التسلسل الجيني كأداة للتحقيق في الأمراض الوبائية، لكن تلك الرؤية قد تم استلابها عندما تم استخدامه كأداة لمسح السلالات الجديدة. إنها نوع من المرحلة الجديدة في الاختبارات المعملية. أعتقد أننا انتقلنا من عدم وجود اختبارات كافية إلى عدم وجود تسلسل جيني كافٍ، هذا ما يقوله الناس الآن على أية حال”.

(لم يكن باندوري هو الشخص الوحيد الذي تعرضت اهتماماته البحثية للتأجيل إثر التركيز على المراقبة. فقد قام كروجر من لاب كورب أيضاً ببناء برنامج الشركة الخاص بتسلسل كوفيد-19 على أمل دراسة كيفية تطور السلالات داخل المرضى الفرديين. ويقول: “يبدو أن العملة الرائجة هذه الأيام هي: كم عدد التسلسلات الجينية الكاملة التي يمكنك تقديمها إلى قواعد البيانات المختلفة؟”).

يرسل مختبر باندوري الـ 40 عينة المطلوبة شهرياً إلى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. يقوم الفريق أيضاً بإجراء التسلسل الجيني لـ 64 عينة من عيناتهم الخاصة يومياً. وعندما لا تتوافر لديهم عينات حديثة كافية، فإنهم يبحثون في الأرشيف، وقد وصلوا في بحثهم حتى الآن إلى عينات من شهر نوفمبر. 

أما بالنسبة لتسلسل 5% من حالات نيفادا، فإن غالبية الاختبارات في الولاية تجريها مختبرات خاصة تتخلى بشكل عام عن العينات قبل أن يتم إجراء التسلسل الجيني عليها. يقول باندوري: “إن العينات التي يتم اختبارها من قبل المختبرات الخاصة، أو اختبار المستضدات، هي عينات نخسرها لصالح المراقبة”.

يقول باندوري إنه لم يتلق أي شيء من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أو وزارة الصحة العامة حول بيانات السلالات الجديدة الصادرة عن برنامج المختبرات التابع للمراكز.

الدافع هو البحث عن جواب لسؤالك

قد تواجه الولايات المتحدة صعوبات فريدة في ربط التسلسلات الجينية للسلالات الجديدة بسلوكها في العالم الحقيقي، لكن كل نظام يواجه تحدياته الخاصة. حتى البلدان التي تتمتع بأنظمة رعاية صحية وطنية متطورة تعاني في جمع الكميات الهائلة من البيانات اللازمة لفهم ما تفعله هذه التغييرات الجينية حقاً.

في الواقع، هناك عدد قليل من الحكومات التي تقوم بهذا العمل، وربما واحدة فقط تنجح فيه على نطاق واسع.

“الدافع هو البحث عن جواب لسؤالك، فإذا لم تكن تلك حالك، فالرجاء التوقف عن استخدام جميع كواشف إلومينا الخاصة بنا. لقد تدهورت أوضاع سلاسل التوريد لدينا منذ أن أعلنت الولايات المتحدة أنها ستعمل على زيادة قدرات التسلسل الجيني”.

كوج-يو كي (COG-UK)، هو تجمع مختبرات أكاديمية وحكومية في بريطانيا، وقام بتنظيم أول جهد رئيسي لإجراء التسلسل الجيني لكوفيد-19 في العالم، ويعد على نطاق واسع النجمَ الساطع في هذا المجال. لم يقم علماء البرنامج بإجراء التسلسل لما يقرب من ضعف عدد العينات في الولايات المتحدة فحسب، ولكنهم كانوا أيضاً أول من ينجح في تحديد ووصف خصائص سلالة جديدة تتسم بقدرة أكبر على الانتقال.

 

لقد نجحوا في كل ذلك بأقل من 50 مليون جنيه إسترليني (69 مليون دولار)، وفقاً لقول لي جاكسون، مدير المشروع العلمي في التجمع. ويقول: “إنه لمن دواعي سروري مقارنة تكاليفنا بما يفرضه القطاع الخاص مقابل هذه الأنواع من الخدمات”، مشيراً إلى أن معظم العمالة أتت من المختبرات الأكاديمية، التي تفرض عليها رسوماً مقابل المواد اللازمة للتسلسل بشكل رئيسي.

ويضيف: “سيكون الهدف الأول بلا شك هو تطوير فهمنا للطفرات القادرة على الإفلات من اللقاح في العالم الحقيقي، ذلك واقع بلا ريب. وينبغي أن نتمكن من اكتشافها بسرعة كبيرة نظراً للقدرات والتغطية الواسعة التي نمتلكها الآن”.

لقد كان إنجاز هذا العمل ممكناً نظراً لكون كل من الصحة العامة والطب في المملكة المتحدة مؤمم، وبالتالي يتم ربط سجلات الاختبارات واللقاحات مع رقم الخدمات الصحية الوطنية (NHS) الفريد لكل مريض. وكل ما يحتاجه تجمع (COG-UK) هو عدد قليل من اتفاقيات مشاركة البيانات لربط جميع العينات التي تم إجراء التسلسل الجيني عليها، والبالغ عددها 400,000، بقوائم اللقاحات وبيانات المستشفيات عالية المستوى. هذا لا يعني أن دمج مجموعات البيانات هذه أمر سهل؛ حيث تقوم المجموعة حالياً ببناء نظام مبسط لربط جميع الأنظمة الأخرى غير المتصلة مع بعضها البعض وأتمتة رفع البيانات الجديدة وتسهيل وصول الشركاء إليها.

يسعد جاكسون لسماع الأنباء عن توسيع برامج التسلسل الجيني جيدة التصميم، لكن اعتراضه ينصب على إجراء التسلسل الجيني الشامل دون أهداف محددة بوضوح.

ويقول: “لا تقم بهذا الأمر لأنه سيكسبك أصواتاً في الانتخابات، أو لأنه يبدو من المناسب القيام به، أو لأنه يسعد الجمهور. بل قم بهذا الأمر للعثور على إجابة لسؤال ما. فإذا لم تكن تلك حالك، فالرجاء التوقف عن استخدام جميع كواشف إلومينا الخاصة بنا. لقد تدهورت أوضاع سلاسل التوريد لدينا منذ أن أعلنت الولايات المتحدة أنها ستعمل على زيادة قدرات التسلسل الجيني”.

الانتقال من العينة إلى ’ماذا نفعل بها؟’

في مجال الصحة العامة -وخلافاً لمجال الأبحاث الأساسية- تكون المعرفة قوة فقط إذا رافقها اتخاذ الإجراءات المناسبة. هذا ما يسميه كويك من مؤسسة روكفيلر “الانتقال من العينة إلى ’ماذا نفعل بها’”.

ينبغي ربط التسلسلات الجينية ببيانات التلقيح على نطاق واسع حتى نتمكن من التقييم الحقيقي لفعالية اللقاح. وينبغي على صانعي القرار الاستجابة للسلالات الجديدة إذا كنا نرغب في الاستفادة من إجراء التسلسلات الجينية عليها. (في الوقت الحالي، تعيد العديد من الولايات الأميركية فتح دور السينما والمطاعم على الرغم من الأدلة الواضحة على أن المزيد من السلالات سريعة الانتقال تؤدي إلى زيادة أعداد الحالات في جميع أنحاء البلاد).

تأمل ورمبرود من جونز هوبكنز أن تتم الاستفادة من هذه الأموال بشكل استباقي مع التركيز على المستقبل، بدلاً من استخدامها بأسلوب انفعالي.

وتقول: “عندما أعود وألقي نظرة على الأوراق البحثية التي يبلغ عمرها ست أو سبع سنوات، أقول لنفسي ’يا إلهي، لقد كنا على علم بهذه المشكلة بالضبط منذ سنوات ولم نحرك ساكناً. ومهما كانت الأدوات والبنية التحتية التي نبنيها الآن، فإنه يمكن استخدامها في مجالات وجوانب أوسع بكثير من مجرد التعامل مع فيروس كورونا”.

يراود ماكونيل الشعور نفسه؛ إذ يقول: “يتجسد دورنا الحقيقي في معرفة كيفية توسيع المراقبة الجينية عبر نظام الصحة العامة في الولايات المتحدة بطرق لا تقتصر على فيروس كورونا فقط. نريد أن نتعلم الدروس ونطبقها على نطاق واسع”.

سيكون في مصلحة الجميع أن يتم استخدام هذا الضخ الضخم من الأموال ليس في الاستجابة لأزمة واحدة فحسب، وإنما في التحضير لمواجهة الأزمة التالية. إنه يوفر فرصة حقيقية لإصلاح التصدعات في نظام الصحة العامة لدينا، وبناء مؤسسات مستقرة تعمل على سد التفاوتات في مجال الصحة، والاستجابة الحازمة للتهديدات المحتملة، ومواصلة العمل في خضم الأزمات.

في الوقت نفسه، إذا كانت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ترغب في تحقيق أقصى استفادة من دورها كوكالة وطنية للصحة العامة، فيجب عليها استخدام جميع الموارد المتاحة -بما في ذلك هذا المخزون الضخم من التسلسلات الجينية لسلالات منتشرة في العالم الحقيقي- واستغلالها في تتبع سلوك السلالات على أرض الواقع مثل الإفلات من المناعة التي يولدها اللقاح.

إن الفشل في القيام بذلك قد يفضي إلى عواقب مهلكة.

يقول كويك: “نحن بصدد تطعيم الكوكب بأكمله، وأنا قلق جداً. ينبغي علينا مشاركة هذه البيانات حتى لا نستثمر قدراً هائلاً من الوقت والجهد في تحصين أكبر عدد ممكن من الأشخاص فقط لنكتشف لاحقاً أنها كانت أقل فاعلية بكثير مما اعتقدنا. وهذا يعني خسارة المزيد من الأرواح وفقدان المزيد من مصداقية فعالية اللقاحات”.

تمثل هذه المقالة جزءاً من مشروع تكنولوجيا الجائحة، الذي تدعمه مؤسسة روكفيلر.