Article image
مصدر الصورة: شركة باراماونت للأفلام وشركة وارنر براذرز للأفلام



أثبت أحد علماء ناسا أن إمكانية السكن قرب الثقب الأسود غير ممكنة على الأرجح، على العكس مما ظهر في الأفلام السينمائية.

يحتل فيلم إنترستيلر Interstellar مكانة خاصة لدى عشاق الخيال العلمي؛ فقد كان الفيزيائي كيب ثورن الفائز بجائزة نوبل منتجاً تنفيذياً في هذا الفيلم، إضافة إلى كونه المستشار العلمي للإنتاج، وقد تعهد أن الفيلم لن يتضمن أي انتهاك لقوانين الفيزياء، وأن أية فرضيات غريبة ستكون علمية المنشأ.

في هذا الفيلم، تتحول الأرض بالتدريج إلى مكان غير صالح للسكن، ويتوجب على البشر أن يعثروا على مكان آخر للعيش. وبصدفة سعيدة، يكتشف بعض الفلكيين ثقباً دودياً قرب زحل يلعب دور نفق يخترق الزمكان نحو ثقب أسود هائل وبعيد يسمى جارجانتوان. وبوجود عدة كواكب تدور حول جارجانتوان، ترسل ناسا عدة بعثات لاستكشاف هذه الكواكب على أمل العثور على كوكب صالح للسكن بينها.

نال الفيلم نصيباً وافراً من الكتابات التي تصدح في أغلبها بعبارات المديح والثناء حول دقته العلمية، وتصويره للثقوب السوداء، وغير ذلك. وقد قال الفيزيائي ميتشيو كاكو إن هذا الفيلم يمثل المعيار الذهبي الذي يجب أن تقاس أفلام الخيال العلمي وفقه في المستقبل.

ولكن هناك سؤال واحد ما زال بلا إجابة: هل من الممكن على الإطلاق أن يدور كوكب صالح للسكن حول ثقب أسود هائل؟ سنحصل على الإجابة اليوم، وذلك بفضل عمل جيريمي شنيتمان في مركز جودارد للتحليق الفضائي التابع لناسا في جرينبيلت، ماريلاند.

قرر شنيتمان أن يتعامل مع السؤال بشكل مباشر ودون تعقيدات، وقام بحساب إمكانية وجود الظروف الصالحة للحياة على كوكب يدور قرب ثقب أسود هائل، وقد توصل إلى نتائج مفاجئة.

لنبدأ أولاً ببعض الأساسيات. فلطالما خاض أخصائيو البيولوجيا الفلكية نقاشات طويلة حول الظروف اللازمة للحياة الشبيهة بالحياة على الأرض. وقد ظهر اتفاق واسع النطاق على أن الماء السائل هو أحد المتطلبات الأساسية، وهو ما يضع حدوداً واضحة حول درجة الحرارة للكواكب الصالحة للسكن.

تقوم طريقة شنيتمان على دراسة أنواع مصادر الطاقة القادرة على توليد حرارة كهذه على كوكب يدور حول ثقب أسود؛ حيث إن مصدر الطاقة هذا يختلف بلا شك عن مصدر الطاقة الذي تعتمد عليه الأرض.

تنتج الحرارة في الغلاف الجوي هنا عن التوازن بين الطاقة القادمة من الشمس (التي تؤدي إلى تسخين الغلاف الجوي) والطاقة الخارجة منه، وقد تبين أن هذه العلاقة فائقة التعقيد، إلى درجة أدت إلى ظهور اختصاص كامل يدور حولها باسم علم المناخ. ولكن من دون الشمس، سيختفي الضوء القادم منها، مما يؤدي إلى إزالة كامل الطاقة اللازمة للحياة على الأرض تقريباً، كما يقول شنيتمان: “من دون التدفق الحراري المستمر، من المرجح أن تتجمد المحيطات خلال أيام وحسب”.

أما بالنسبة للثقوب السوداء الكبيرة، فهي تحوي مصادر طاقة أخرى يمكن أن تستفيد منها الكواكب التي تدور حولها، وأكثرها وضوحاً يتلخص في كون الثقوب السوداء الهائلة ليست سوداء على الإطلاق. يقول شنيتمان: “معظم ما نعرفه عن الثقوب السوداء ينتج عن رصد الإشعاع الكهرطيسي الصادر عن الغازات التي تتجمع حول الثقب الأسود. ويمكن لأي شخص أن يتخيل أن وجود ثقب أسود كهذا مكان الشمس قد لا يعني نهاية الحياة على الأرض”.

غير أن الثقوب السوداء الهائلة ليست ساطعة وحسب، بل هي في الواقع أكثر المصادر المستمرة للإشعاع سطوعاً في الكون، خصوصاً في المنطقة فوق البنفسجية حيث يصل الإشعاع إلى ذروته، وهي محاطة بقرص ساخن من الغازات المتجمعة التي تقع باتجاه الثقب الأسود. وعلى الرغم من أن الظروف ضمن هذا القرص شديدة إلى درجة لا تدعم وجود الماء السائل، يقول شنيتمان إن الوضع قد يكون أفضل إذا تخيلنا أن معدل تراكم الغازات للثقب الأسود يصل إلى جزء صغير من القيمة المرصودة، وبالتالي فإن أي كوكب يدور حول الثقب الأسود الهائل قريباً منه سيتحرك ضمن غيمة من الغازات الساخنة. وفي الفيلم، كانت الكواكب المعنية تدور على مسافة قريبة من أفق الحدث للثقب الأسود، حيث ستكون -وفقاً لحسابات شنيتمان- محاطة بحقل إشعاعي للجسم الأسود بحرارة تصل إلى 6,000 درجة، وهو ما يصفه بأنه “ليس بالمناسب للحياة على الإطلاق”. وبالابتعاد عن الثقب الأسود ستكون الغازات أقل سخونة، وحتى تصل إلى درجة حرارة الغرفة، يجب أن يدور الكوكب على مسافة تساوي 100 ضعف من نصف قطر الحقل الثقالي للثقب الأسود.

وبالتالي، فإن وجود الماء السائل على كوكب كهذا قد يكون ممكناً للوهلة الأولى، أما تقييم إمكانية تطور الحياة فهو موضوع أكثر تعقيداً. يقول شنيتمان: “تتطلب جميع أنواع الحياة المعروفة تدرجاً طاقياً حتى تستمر، وبالتالي فإن خلفية من إشعاع الجسم الأسود الذي يخترق كل شيء قد لا تكون عاملاً مساعداً على ظهور أشكال حياتية معقدة”.

هناك مشكلة صغيرة ضمن الفيلم تتعلق بهذا الكوكب الذي يدور بشكل واضح خارج قرص تراكم الغازات، وهو بالتالي غير مستقر ديناميكياً، وفقاً لشنيتمان.

أما المشكلة الأكبر فهي أنه إذا كان معدل التراكم أقل، فإن كثافة القرص ستكون أيضاً أقل، مما يزيد من صعوبة إصدار الإشعاع. ومن دون هذا الإشعاع، سترتفع حرارة قرص الإشعاع بشكل يتجاوز ما يناسب الماء السائل، وبالتالي فإن هذه المسألة تنطوي على مفارقة تجعل منها مستحيلة.

إلا أن الأمل ما زال موجوداً؛ حيث يوجد مصدر آخر للطاقة على شكل إشعاع الخلفية الكوني الميكروي، وهو صدى الانفجار الكبير. وقد قاس الفلكيون هذا الإشعاع، ولا تتجاوز حرارته 270 درجة مئوية تحت الصفر، وهو ما ليس مناسباً على الإطلاق للماء السائل. ولكن هنا يأتي سحر النسبية! وكما يظهر في الفيلم، فإن الوقت يبطئ من سيره بالنسبة للمراقبين على سطح الكوكب، وهو ما يؤثر على الضوء بنقله ضمن الطيف باتجاه اللون الأزرق، مما يزيد من حرارته، وهو تأثير يشتد مع زيادة قرب الكوكب من الثقب الأسود.

ووفقاً لحسابات شنيتمان، فإن الكوكب الذي يدور مباشرة خارج نصف قطر الحقل الثقالي للثقب الأسود سيتعرض إلى ما يكفي من الحرارة من إشعاع الخلفية الكوني الميكروي لتحقيق المطلوب، ويقول: “سيكون هذا أشبه بالدوران حول نجم قزم أبيض على مسافة 0.2 واحدة فلكية”؛ وبالتالي يقدم ما يكفي من الطاقة لوجود الماء السائل، ولكنه أيضاً سيغمر الكوكب بمستويات خطيرة من الأشعة فوق البنفسجية.

هناك أيضاً الضوء الصادر عن النجوم الأخرى، فسماء الليل تبدو مظلمة على الأرض لأننا نقع في جزء قليل النجوم نسبياً من المجرة، ولكن الثقوب السوداء الهائلة تتواجد عادة في مراكز المجرات، حيث تكون كثافة النجوم أعلى بكثير. ولهذا إذا كان الكوكب يدور حول ثقب أسود هائل في مركز المجرة، فستكون سماء الليل أكثر سطوعاً بمائة ألف مرة مما هي على الأرض.

ويؤمّن هذا مقداراً كبيراً من الإشعاع الخلفي من الضوء فوق البنفسجي والأشعة السينية، ويتخيل شنيتمان حضارة متقدمة بما يكفي لبناء ما يشبه “نسخة مقلوبة من كرة دايسون” تعكس هذه الطاقة. (وكرة دايسون هي عبارة عن بنية ضخمة نظرية تحيط بنجم ما بشكل كامل بحيث تلتقط النسبة العظمى من طاقته). ويقول: “سيصبح السكن ممكناً في منطقة أقرب بكثير إلى الثقب الأسود الهائل، حتى بوجود كل هذا الإشعاع الخلفي من الأشعة فوق البنفسجية أو الأشعة السينية”، أو على الأقل: هذا ما نأمله.

ولكنه يضيف بمسحة متزايدة من اليأس: “ولكن، وحتى بوجود هذا الدرع الواقي، ما زال الخطر ماثلاً بسبب القاتل الطبيعي الصامت، وهي: النيوترينوات”؛ فهي لا تتفاعل بشكل قوي مع المادة، ولكن عند وجود عدد كبير منها، يمكن أن يزيد تأثيرها إلى درجة كبيرة. ويعتقد بعض العلماء أن أحداث الانقراض الشامل على الأرض وقعت بسبب دفقات كبيرة من النيوترينوات من المستعرات العظمى القريبة. ويستطيع ثقب أسود هائل أن يصدر من النيوترينوات ما يكفي لإفساد سعادة أي كوكب.

غير أن النيوترينوات قد تؤدي إلى التسخين الحراري الأرضي، كما يقول شنيتمان بمسحة تفاؤل: “وعلى عكس التدفق الضار فوق البنفسجي أو السيني الناتج عن الانزياح الأزرق في الإشعاع الكهرطيسي، فإن تسخين النيوترينوات لنواة الكوكب يمكن أن يؤدي إلى ازدهار في تعداد الأشكال الحياتية المشابهة لما نراه قرب المداخن في أعماق المحيطات على الأرض”.

لا يدوم هذا التفاؤل طويلاً مع انتقال شنيتمان إلى تعداد أسباب أخرى تدعو للتشاؤم؛ فالأمواج الثقالية قرب الثقب الأسود تؤدي إلى دمدمة متواصلة من الاهتزازات المدمرة، كما أن المادة المظلمة -في حال وجودها- تمثل بيئة مناسبة للهلاك.

ويحرص شنيتمان على ألا ينفي تماماً احتمال وجود كوكب صالح للسكن يدور حول ثقب أسود هائل، على الأقل ليس صراحة. ولكن الرسالة الضمنية واضحة، وتقول إن الوضع لا يبشر بالخير بالنسبة للصلاحية للسكن. وإذا كان هناك مكان في الكون يمكن للبشر أن يبحثوا فيه عن كواكب صالحة للسكن، فمن المرجح أن يكون أبعد ما يكون عن الثقوب السوداء الهائلة، وهي رسالة موجهة إلى معجبي فيلم Interstellar على وجه الخصوص.

مرجع: arxiv.org/abs/1910.00940:
الحياة على كوكب ميلر: المنطقة الصالحة للسكن حول الثقوب السوداء الهائلة


شارك