Article image
مصدر الصورة: جيتي



تَعد هذه التكنولوجيا بتقديم بطاريات أصغر وأفضل، بحيث يمكن دمجها ضمن المنتجات، وحتى تصميمها مع أخذ إعادة التدوير بعين الاعتبار.

تُعتبر بطارية أيونات الليثيوم من أهم التكنولوجيات التي تعتمد عليها الحياة في هذا القرن، فبفضل هذه الرزم الصغيرة من الطاقة، تمكنّا من بناء الهواتف الخليوية والسيارات الكهربائية، والحواسيب المحمولة، وأجهزة الرعاية الصحية، والروبوتات والحساسات التي تعمل بالتحكم عن بعد… وغير ذلك. ولهذا، ليس من المفاجئ أن مطوري هذه التكنولوجيا حصلوا على جائزة نوبل للكيمياء في العام المنصرم.

ولكن علماء المواد أصبحوا في حاجة ماسة لبطاريات أفضل من أجل إنترنت الأشياء، والجيل الجديد من الأجهزة الشخصية، وغير ذلك، كما ستلعب هذه البطاريات الأفضل دوراً كبيراً في تخزين طاقة المصادر المتجددة وغير المستقرة، مثل الطاقة الريحية والشمسية.

ويعتمد أداء البطارية على عدد كبير من العوامل المختلفة؛ حيث تُعتبر كثافة الطاقة هامة للغاية، وكذلك القدرة على احتواء الشحنات من دون تسريب. وهناك أيضاً قابلية الشحن المتكرر لآلاف وربما عشرات الآلاف من المرات، وبطبيعة الحال، السلامة.

ويدرك أخصائيو الكيمياء الكهربائية صعوبة تحقيق هذا التوازن الحساس، ولهذا يتعامل مصنّعو البطاريات بحذر مع تجربة أساليب جديدة خوفاً من تراجع أحد معايير أداء البطارية. وبالتالي، يتم تطبيق التحسينات بطريقة تراكمية وبخطوات صغيرة. ولكن، ما المصدر المرجح للتحسينات الكبيرة التي نحتاج إليها؟

اليوم، سنحصل على إجابة محتملة، وذلك من فلاديمير إيجيروف من جامعة كورك في إيرلندا وعدد من زملائه، الذين يقولون إن بطاريات المستقبل ستُصنع باستخدام الطباعة المجسمة ثلاثية الأبعاد. فقد درس هؤلاء الباحثون عدة طرق جديدة في طباعة البطاريات، ويشيرون إلى أنها قد تؤدي إلى تصنيع جيل جديد من الأجهزة الأفضل والأصغر حجماً.

ولنوضح أولاً بعض الأساسيات. حيث إن الطباعة المجسمة أو الطباعة ثلاثية الأبعاد مصطلح عام يشير إلى مجموعة من الطرق التي تسمح ببناء الأجسام ثلاثية الأبعاد بإضافة المواد على شكل طبقات متراكمة. ويمكن استخدامها لتصنيع النماذج الأولية للاختبارات، ناهيك عن أصناف الطعام الغريبة، وقطع التبديل للجسم البشري، بل حتى بناء مبانٍ كاملة. ويمكن باستخدام آلات الطباعة المجسمة على التوازي إنتاج كميات كبيرة من أشياء مثل الأحذية وقطع السيارات والطائرات. وعند وضع تصميم جديد، يُمكن أن يُطبع بسرعة من دون الحاجة إلى إحداث تغييرات كبيرة في توزيع الآلات على أرض المصنع.

وقد بدأ علماء المواد أيضاً بتجربة أساليب لطباعة الدارات الإلكترونية باستخدام الأحبار البوليميرية وبوليمر الفضة لخطوط التوصيل، ولهذا لم تعد هناك حاجة إلى عمليات التلحيم، وبهذا يمكن أن تأخذ لوحات الدارات الإلكترونية تقريباً أي شكل، وحتى تصبح جزءاً من هيكل الجهاز. ولكن تبقى الحاجة إلى استخدام بطاريات تقليدية -وهي ذات أحجام وأشكال محددة- هي إحدى أهم المشاكل التي تعترض تطبيق هذه الطريقة بالشكل المثالي.

ويمكن استخدام الطباعة المجسمة لتصنيع البطاريات لحل هذه المشكلة. يقول إيجيروف وزملاؤه: “إذا أمكن طباعة البطاريات بحيث تُدمج بشكل انسيابي ضمن تصميم المنتج، وتحقق معايير الجمال والوظيفة وسهولة الاستخدام، فلن تعود هناك حاجة لتكييف المنتج في مرحلة التصميم مع البطاريات المعيارية الكبيرة والجامدة”.

غير أن القول أسهل من الفعل، فالمواد الكهربائية المستخدمة في تصنيع البطاريات فعالة بطبيعتها، كما أن بعض الأجزاء مثل المصعد والمهبط معقدة فيزيائياً؛ حيث يجب أن تأخذ في أكثر الأحيان بنية بلورية، وفي بعض الأحيان بنية مسامية أقرب إلى إسفنجات جزيئية، ويجب أن تكون على الدوام ذات توصيف كيميائي جيد.

من الصعب تصميم نسخ من هذه المواد تصلح للطباعة المجسمة بأي من أساليبها، سواء ببثق المادة الصلبة أو السائلة، أو ببلمرة مادة سائلة. فما أن تُطبع، يجب أن تحافظ هذه المواد على تواصلها الكهربائي، الذي يتم التحكم فيه بدقة عن طريق تفاعلات كيميائية بين المكونات، بحيث تستطيع البطاريات أن تشحن وتفرغ الشحن لمرات عديدة.

أما الأهم من كل هذا، فهو مسألة السلامة. ويجب على كل البطاريات أن تحقق معايير صارمة للسلامة قبل أن يُسمح باستخدامها في المنازل والسيارات وعلى الطائرات؛ حيث إن البطاريات التي تُسرب موادها قد تحدث أضراراً جسيمة، غير أن الخطر الأكبر هو الحريق. ومن المحتمل أن معايير الاختبار قد تتطلب التغيير للسماح بتصاميم جديدة تتغير طوال الوقت.

ولكن حتى لو تمكنا من معالجة كل هذه المشاكل، يبقى سؤال آخر: هل ستكون البطاريات المُصنعة بالطباعة المجسمة أفضل من التصاميم الحالية؟

يقدم إيجيروف وزملاؤه نظرة شاملة على المواد والطرائق والتحديات التي تواجه صناعة البطاريات في طباعة بطاريات المستقبل. ولكن الباحثين تناسوا عنصراً هاماً آخر في تصاميم البطاريات المستقبلية حيث يمكن أن تلعب الطباعة المجسمة دوراً هاماً.

فمن أكبر التحديات التي تواجهها صناعة البطاريات وأهمها هي جعل منتجاتها صالحة لإعادة التدوير؛ حيث إن بطاريات اليوم مصممة بشكل خاص بحيث تكون صعبة التفكيك، ولهذا فإنه من شبه المستحيل استخدام المواد الثمينة الموجودة داخلها مرة أخرى. وهو أمر غير مقبول بالنسبة لإحدى التكنولوجيات التي ستلعب دوراً هاماً في انتقال المجتمع من الوقود الأحفوري إلى الطاقات المتجددة.

إذن، أصبحنا في حاجة ماسة إلى تغيير جذري. ويقول التوجه الحالي إن تصميم البطاريات يجب أن يأخذ إعادة التدوير بعين الاعتبار منذ البداية، وأن هذا سيتطلب من مصممي البطاريات تغييراً شاملاً في طريقة التفكير.

ولهذا، فإن المرونة التي تسمح بها الطباعة المجسمة يمكن أن تطلق وتسرع هذه الثورة التي نحن في أمس الحاجة إليها. وعلى الرغم من أن إيجيروف وزملاؤه تجاهلوا هذه المسألة (حيث إن مصطلح “إعادة التدوير” لا يظهر في البحث على الإطلاق)، فإن بقية أوساط صناعة البطاريات يجب ألا ترتكب نفس الخطأ.

المرجع: arxiv.org/abs/1912.04400:
تطور طرائق ومواد الطباعة المجسمة المستخدمة لتخزين الطاقة الكهركيميائية.


شارك