تتعدد السيناريوهات التي يتوقعها المحللون حول شكل تعافي المنحنيات الاقتصادية بعد انكماش فيروس كورونا، فهل نشهد ركوداً ضخماً؟

2020-05-07 22:05:26

07 مايو 2020
Article image
مصدر الصورة: مارتن سانشيز عبر أنسبلاش

قبل أيام، أخبرني صديق يعمل في مسح الأراضي العقارية أن جائحة كورونا كانت بمنزلة الضربة القاضية التي أدت إلى خسارته لوظيفته في شهر يناير؛ فالشركة التي عمل فيها مُقبلة على إعلان إفلاسها. خرج صديقي من وظيفته دون تعويض مالي، ويعمل حالياً سائقاً لسيارة أجرة، ويتقاضى يومياً 25 ألف ليرة لبنانية (حوالي 6.5 دولار)، هذا عدا عن أن شروط سير المركبات في لبنان تسمح للسيارات بالسير في أيام محددة بحسب لوحة الأرقام. لقد أخبرني أن الشركة التي يستأجر منها السيارة قد تضطر في حال بقاء الوضع على ما هو عليه إلى بيع جميع سياراتها لشركة أخرى.

هذا حال فرد من ملايين الأفراد حول العالم خسروا وظائفهم في ظل جائحة كورونا، وتنطوي رواياتهم على ذكر الوضع المزري للشركات التي عملوا فيها، والأجور التي تم تقليصها، وفرص العمل التي تآكلت، والقدرة الاستهلاكية التي ضعفت عند فئات كبيرة من الناس. إن هذه العوامل مجتمعة تخبرنا عن دورة الهبوط المريبة التي تشهدها القطاعات الاقتصادية حول العالم.

تدهور يشبه انهيار أميركا عام 1929 

كثيرة هي التحليلات الاقتصادية التي تقارن ما نعيشه حالياً من انحدار اقتصادي طالَ معظم دول العالم بالانهيار العظيم الذي شهدته الولايات المتحدة عام 1929. ولكن على خلاف أحداث القرن الماضي، فإن رقعة الركود العصيبة التي أنتجها كورونا لا تقتصر على أميركا، بل وصلت إلى الهند والصين ودول أخرى.

توحي التقارير الدولية بأن الأسوأ قادم؛ فأعداد الفقراء يرتفع يومياً بشكل غير مسبوق ويدفع الواقع المستجد دولاً عدة إلى الاستدانة إما من المصارف المركزية لديها -على غرار ما تفعله الحكومة الأميركية- أو قد تلجأ إلى محافل مالية دولية للاستدانة من أجل إنعاش الاقتصاد من الغيبوبة التي أصابته على إثر جائحة كورونا.

وإذا أردنا صنع موجز صغير عن الأضرار الاقتصادية والمعيشية التي ألقتها الجائحة على كاهل البلدان والشعوب، فمن الممكن اختصارها في بضعة نقاط: حوالي 200 مليون موظف كانوا يعملون ضمن دوام كامل خسروا وظائفهم. صندوق النقد الدولي يتوقع ركوداً عالمياً هو الأكثر حدة منذ قرن، وستبلغ نسبة خسارة الناتج المحلي الإجمالي العالمي حوالي 9 تريليون دولار. القطاع السياحي الذي تعتمد عليه دول كثيرة يأتي في خانة القطاعات الأكثر تضرراً من الجائحة. بالإضافة إلى ذلك، فقد سرّع كورونا من إفلاس لبنان وينتظر حالياً نجدة صندوق النقد الدولي لإغاثته من المستقبل المشؤوم، ومن المتوقع أن يلحق بلبنان عدد من دول أميركا الجنوبية والشرق الأوسط وأفريقيا.

كذلك وضع الوباء كمية هائلة من البشر عند حافة المجاعة، وبدأت الشركات واحدة تلو الأخرى تعلن عن إفلاسها، هذا عدا عن أن الفيروس صنع حواجز إضافية بين الشعوب كتضخم ظاهرة الرهاب من الشعب الصيني على وجه التحديد، بينما نلاحظ عودة الحركات القومية، الأمر الذي منح فرضية إمكانية تفكك الاتحاد الأوروبي زخماً إضافياً، بعدما كشفت دراسة عن أن 47% من الإيطاليين يريدون الخروج من الاتحاد الأوروبي نتيجة شعورهم بالتخاذل.

يستحيل التعافي على شكل V أو U

على الرغم من تفاوت حجم الأضرار الاقتصادية بين دولة وأخرى، إلا أن الجميع خسر أمام كورونا، فقد خلط الوباء أوراق اقتصادات الدول. بداية الأمر، تنبأ الخبراء أن تنتعش المنحنيات الاقتصادية وفق الأشكال الشائعة، مثل “V و U و W و L”، ولكن ثمة مجموعة من الخبراء يقولون إن الانتعاش سيكون على شكل “شعار نايكي”، وهو شكل من أشكال التحسن البطيء جداً الذي شهدته الولايات المتحدة بعد الكساد العظيم الذي أصابها عام 1929؛ ففي ذلك العام، انهار اقتصاد الدولة بالكامل نتيجة التراجع الحاد الذي شهدته أسواق الأسهم والقدرة الاستهلاكية، بالإضافة إلى خسارة ما يقارب 9 مليون أميركي وظائفهم، ودامت العجلة الاقتصادية إلى ما يقارب 10 سنوات حتى تمكنت من التعافي.

في الفترة الأولى من انطلاق جائحة كورونا وصولاً إلى شهر فبراير، تركزت التحليلات على أن التعافي من الركود سيتخذ شكل V. يمثل ظهور هذا الحرف في المنحنيات الاقتصادية؛ حدوث انتعاش حاد بعد انخفاض حاد في معدلات التوظيف والناتج المحلي الإجمالي والناتج الصناعي وغيرها.

بينما من شهر مارس إلى أوائل أبريل، ظهرت تحليلات جديدة توقعت أن الدورة الاقتصادية للدول ستتعافى على شكل حرف U، بما معناه أن الاقتصاد لن يتعافى قبل منتصف حلول عام 2021، ويتشكل حرف U عندما ينخفض المنحنى ويستقر في الأسفل إلى مدة زمنية، ثم يعود للارتفاع السريع مجدداً مستعيداً مقاييسه التي سبقت جائحة كورونا.

وفي بداية جائحة كورونا، كانت التحليلات كلاسيكية؛ ذلك أن في هذه الفترة الزمنية لم يكن عدد العاطلين عن العمل في أميركا قد وصل إلى ما هو عليه في يومنا هذا -أي إلى 20 مليون شخص- بينما تجاوز عدد الفرنسيين الذين خسروا وظائفهم حدود 10 مليون نسمة، وانخفض الناتج المحلي الفرنسي بنسبة 5.8%.

شعار نايكي: التعافي البطيء

ثمة عوامل عدة متداخلة تلعب دوراً أساسياً في بلورة شكل التعافي الذي ستشهده المنحنيات، والذي يرجح خبراءٌ أن يكون على شكل شعار نايكي. يمثل شكل نايكي الحالةَ التي يتدهور بها المنحنى ويصنع نوعاً من الاستدامة قصيرة الأجل في القعر ليبدأ بالتعافي تدرجياً مع السنوات.

وبدوره قدم منتدى الاقتصاد العالمي بحثاً شرح فيه كيفية تداخل العوامل التي ستؤدي إلى التعافي البطيء بشكل غير مسبوق.

العامل الأول: الغرق في الديون والعجز عن سدادها.
لقد دفع كورونا الكثير من الدول للاستدانة لأسباب عدة، من بينها: دعم القطاع الصحي، أو تقديم المعونة المالية للمواطنين، أو منع انهيار الشركات، وستضاف الديون الجديدة إلى مستويات الديون العامة المرتفعة في الأصل في عدد كبير من الدول.

العامل الثاني: انهيار القدرة الشرائية وتبدل السلوك الاستهلاكي.
تكشف البيانات التي نشرها مرصد “Visual capitalist” عن تراجع القدرة الشرائية لدى مواطني الدول ذات الاقتصادات الكبرى، مما أدى إلى تبدل في سلوكهم الاستهلاكي، وتدنّي شرائهم للسلع الكمالية، الذي سيؤثر حتماً على مصير الشركات الخاصة؛ لأنه يفرض عليها معارك كثيرة للبقاء.

العامل الثالث: تغير نمط الاستهلاك وتأثيره على مصير الشركات الخاصة.
لقد نظمت الجائحة الآلية التي يصرف بها الأفراد أموالهم، إذ ظهر في الآونة الأخيرة ميولٌ تجاري لشراء السلع الضرورية جداً.

العامل الرابع: دعم القطاع الصحي.
لقد كشف كورونا عن ضعف القطاعات الصحية في الدول المتقدمة مثل أوروبا الغربية، وفي الوقت نفسه تبرز الأهمية القصوى للقطاع الصحي. هذه الحقيقة ستجبر الدول على تخصيص المزيد من الإنفاق العام على الأنظمة الصحية، على حساب قطاعات أخرى.

العامل الخامس: تراجع قيمة العملة الوطنية.
ستشهد العديد من الدول (مثل تركيا وإيران ولبنان وفنزويلا) تراجعاً خطيراً في قيمة العملة الوطنية المحلية؛ نتيجة تراكم الديون مقابل ارتفاع هائل في الأسعار، وزيادة نسبة البطالة، وانخفاض القدرة الشرائية.

العامل السادس: اتساع فجوة الدخل بين الأفراد حول العالم.
تشكل الدول الفقيرة عبئاً كبيراً على المحافل الدولية؛ إذ إن مواطني هذه الدول يواجهون مصاعب معيشية نتيجة جائحة كورونا.

تستفيد الدول الفقيرة من الدعم المالي وسلاسل التوريد الغذائية التي توفرها الدول الكبرى، ولكن حالياً فإن اقتطاع جزء من ميزانيات الدول المتمكنة اقتصادياً لدعم الدول الأكثر فقراً سيؤدي إلى زيادة الضغط على ميزانية الحكومات المتقدمة التي تدعم مالياً برامج دولية للإغاثة.

العامل السابع: المزيد من التصدع في العولمة.
تتعدد الأسباب التي تمهد إلى مزيد من تشرذم التحالفات الدولية -السياسية والاقتصادية- ويحتل الصراع الأميركي الصيني واجهة الأزمات التي ستؤدي إلى فك العديد من الارتباطات الاقتصادية القائمة بين البلدين. من جهة أخرى، ستفرض العديد من الدول ضرائبَ مرتفعة على الاستيراد والخدمات المتبادلة والعمالة الأجنبية وغيرها؛ بهدف دعم الإنتاج المحلي واليد العاملة الوطنية. بينما من جهة أخرى، سنشهد المزيد من الانكماش العسكري لدول كبرى مقابل تمدد عسكري لدول أخرى، على غرار النشاط العسكري المستجد لروسيا في البلقان.

العامل الثامن: تراجع معايير الديمقراطية.
تتخوف منظمات حقوقية من الشراكات التي تم تشييدها مؤخراً بين شركات توفر تطبيقات تتعقب المستخدمين والحكومات؛ إذ ربما تكون خطواتهم قد أدت إلى انتهاك خصوصية المستخدمين أو كشفت بياناتهم بأسلوب غير منظم، دون الأخذ بعين الاعتبار القوانين التي تحصن البيانات الرقمية الشخصية. كذلك ساهم كورونا بتوسيع سلطة الحكومات على حساب الحقوق المدنية للمواطنين، تماماً كما حدث مؤخراً في المجر، حين حصد رئيس الوزراء المجري غالبيةَ أصوات البرلمان على قانون يضع كافة سلطات البلد تحت إمرة رئيس الحكومة.

ماذا عن الحرف باء العربي؟

لقد توقعت صحيفة “بلومبيرج” أن يشهد منحنى النمو العالمي شكل الحرف “ب”، وقال محللون في مؤسسة “Robeco” التي تعمل على تحليل الأصول المالية: “في ظل انخفاض التوجه نحو العلمانية، وانخفاض معدلات النمو، وارتفاع مستوى الديون، يبدو أن الخط السفليّ المطوّل للباء العربية معبّر بشكل أفضل من الأحرف الغربية”.


شارك