طوّرت نظرية رائدة لفهم نشاط الدول والعلاقات السياسية بشكلها التقليديّ وبشكلها الحديث المتأثر بالإنترنت والفضاء الرقمي.

Article image
مصدر الصورة: idss.mit.edu

الدراسة والعمل
بدأت نازلي شكري مسيرتها الأكاديمية عبر دخولها جامعة القاهرة لدراسة العلوم الاجتماعية، حيث حصلت منها على درجة الإجازة (الليسانس) سنة 1962 لتتابع بعد ذلك دراساتها العليا في جامعة ستانفورد الأميركية وتحصل منها أولاً على شهادة الماجستير في مجال العلوم السياسية سنة 1964 ثم شهادة الدكتوراه بنفس الاختصاص سنة 1967. انضمت نازلي شكري لجامعة إم آي تي سنة 1969 لتعمل أستاذة مساعدة في مجال العلوم السياسة وساهمت في العمل ضمن عدة جامعات منها جامعة كوينز وجامعة هارفارد، إلى أن ترقت لمنزلة أستاذة العلوم السياسة في إم آي تي سنة 1978.

تشغل نازلي شكري في الوقت الراهن منصب أستاذة العلوم السياسية في جامعة إم آي تي، كما أنها عضو في مركز الدراسات العالمية، بالإضافة لعملها في معهد البيانات والعلم والمجتمع، وتشمل مجالات اهتمامها البحثية مجال العلاقات الدولية والسياسة السيبرانية* مع تركيزٍ على البحث في أسباب النزاعات والأزمات والإستراتيجيات المطبقة لتوفير الأمن والاستدامة. تعمل أيضاً نازلي شكري مديرة للمبادرات البحثية المعروفة باسم سايبر آي آر آت إم آي تي [email protected] التي تعتبر جزءاً من مشروعٍ مشترك بين جامعتي هارفارد وإم آي تي في مجال العلاقات الدولية السيبرانية. 

وإلى جانب عملها في مجال البحث العلميّ، تقوم نازل شكري بتدريس عددٍ من المُقررات الدراسية في جامعة إم آي تي بمجال العلوم السياسية وارتباطها بالتقنية والفضاء السيبراني، مثل مُقرر العولمة، والهجرة والعلاقات الدولية، ومُقرر الاقتصاد السياسي والتقنية في الشرق الأوسط ومُقرر نظرية العلاقات الدولية في العصر الرقمي.  

الإنجازات البحثية والأكاديمية
تمتلك نازلي شكري مسيرةً علمية مليئة بالأبحاث الهامة، وقد شاركت بتأليف أكثر من 120 ورقةٍ علمية كما أنها مديرة وواضعة أسس النظام العالمي للتنمية المستدامة، الذي يمكن وصفه على أنه نظامٌ من المعارف المتشابكة المتعلقة بقضايا التنمية المستدامة وتطوير الحلول الإستراتيجية لها. 

وعند الحديث عن قيمة نازلي شكري كباحثة، يجب الإشارة إلى نظريتها الشهيرة المعروفة باسم نظرية الضغط الجانبيّ، التي شاركت نازلي شكري بصياغتها عبر ورقةٍ بحثية سنة 1972. كان الهدف من صياغة هذه النظرية هو الإجابة عن سؤالٍ بسيط: من يقوم بماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ ولماذا؟ وما الآثار المترتبة على ذلك؟ ومن ثم تم إسقاط هذا السؤال على المجالات الاقتصادية والسياسة بغرض فهم التوجه الذي تبديه الدول والشركات وحتى المجموعات البشرية لتوسيع مجال أنشطتها بغرض اكتساب تأثيرٍ إضافيّ وقدرة أكبر على التحكم ضمن مناطق ومجالات تتجاوز حدودها الأصلية، سواء كان ذلك لأهداف اقتصادية أو سياسية أو عسكرية أو علمية أو حتى دينية. بهذا الشكل، تهدف هذه النظرية لفهم الأبعاد المتعلقة بالتوجه المرتبط باكتساب مزيدٍ من القوة والنفوذ من حيث أسباب نشوئه والآثار التي ستنتج عنه. 

قامت نازلي شكري بتطوير هذه النظرية عبر دراسةٍ طويلة اشتملت على أطوارٍ عديدة، بحيث يتناول كل طور (أو حقبة) جانباً تاريخياً معيناً، مثل فهم سنين ما قبل الحرب العالمية الأولى عبر دراساتٍ إحصائية واسعة النطاق للجوانب الاقتصادية في البلدان المشاركة بالحرب، أو دراسة الاقتصاد السياسي ومفاهيم الحرب والسلم في علاقات الولايات المتحدة الأميركية مع الاتحاد السوفيتي في العقود التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية. 

قامت نازلي شكري بتأليف العديد من الكتب الأكاديمية المرجعية التي تتضمن دراساتٍ مفصلة ومعمقة حول مفاهيم العلاقات الدولية ونشوء الأمم اعتماداً على أسس نظريتها في الضغط الجانبيّ، ومن الأمثلة على ذلك هو كتاب “تحدي اليابان: قبل وبعد الحرب العالمية الثانية” الذي تم نشره سنة 1992، والذي استعرضت فيه نازلي شكري النموذج اليابانيّ كدولةٍ واجهتها تحديات كبيرة في مجال التنمية الاقتصادية بسبب واقعها السكانيّ ومحدودية مصادرها، وكيف أدى ذلك لفترات صراع وحرب أو سلام ورخاء، وذلك على فترةٍ زمنية تمتد لمئة سنة من تاريخ اليابان الحديث. وفرت نظرية الضغط الجانبيّ وسيلةً جيدة لتحليل النموذج الياباني بسبب قدرتها على تقديم منطقٍ سببيّ يمكن عبره ربط شكل النمو الاقتصادي للدولة بخصائصها من حيث السكان والتقنية والموارد المتاحة وتأثير هذه العوامل على القدرة الكلية للدولة والقدرة على تحديد وتعريف الظروف المصاحبة لتشكيل القرارات والسياسات على مستوى الدولة. 

خلال تسعينيات القرن الماضي، حدث تطورٌ تقنيّ هام ساهم في إحداث أثر على كافة جوانب حياتنا، وهو: دخول شبكة الإنترنت مجال الاستخدام واسع النطاق واعتمادها كوسيلةٍ أساسية لتبادل المعلومات. مع مرور الزمن، تزايد عدد الأشخاص المتصلين بشبكة الإنترنت، وازداد معه اعتماديتنا عليها، خصوصاً مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعيّ ومحركات البحث. دفع هذا التحول نازلي شكري لإعادة البحث في فهم تحولات العلاقات الدولية مع أخذ الآثار الناتجة عن الفضاء الرقمي الذي أتاحته شبكة الإنترنت بعين الاعتبار، وهذا الأمر كان محور كتابها الأشهر “السياسة السيبرانية في العلاقات الدولية” الذي صدر سنة 2012. عبر هذا الكتاب، تم استعراض كيفية تغير العلاقات الدولية كنظرية وممارسة بفضل تأثيرات الإنترنت والفضاء السيبراني** والقضايا المرتبطة بذلك، مثل عمليات اتخاذ القرار السياسي والأمن القومي والمؤسسات المركزية. كمثال، يظهر الكتاب كيف أنه لم يعد من الممكن النظر للدول ككياناتٍ جغرافية ذات حدودٍ مرسومة وواضحة تتنازع مع بعضها لاكتساب النفوذ والتأثير، فبسبب تواجد الإنترنت في كل مكان وإمكانية الولوج لها بشكلٍ مجهول وبأي وقت، أصبح شكل العلاقات الدولية مختلفاً وذو مجالٍ أوسع بكثير ولم يعد بالإمكان التعامل معه اعتماداً على النموذج التقليديّ للدول المركزية. 

آخر الكتب الهامة التي عملت عليها نازلي شكري هو كتاب :” العلاقات الدولية في العصر السيبراني: مأزق التطور المشترك” الصادر سنة 2019، والذي قامت بتأليفه بالمشاركة مع الباحث العالميّ دافيد د. كلارك، أحد العلماء الرواد الذين ساهموا في تطوير شبكة الإنترنت. يعرض الكتاب تحليلاً مفصلاً لتطور شبكة الإنترنت والعلاقات الدولية والتأثير الناتج عن الفضاء السيبراني في العلاقات الدولية وبالعكس، كيف تُسهم العلاقات الدولية بالتأثير في شكل وديناميكية الفضاء السيبراني. وبشيءٍ من التفصيل، يظهر الكتاب كيفية انتشار مفاهيم السياسة والسلطة في العالم الرّقمي، مع توضيحٍ لمشكلة هامة تتمثل في تطور الإنترنت على نحوٍ أسرع بكثير من قدرتنا على تنظيم استخدامه، وهذا ما خلق مأزقاً من ناحية إتاحة الفرصة لمؤثرين ضعيفين على التأثير أو حتى تهديد المؤثرين الأكثر قوة. قامت شكري ودافيد كلارك بتطوير طريقةٍ جديدة تساعد في تزويدنا بفهمٍ أفضل لقضية التحكم في عصر الإنترنت ومن ثم تطبيق هذه الطريقة على مواقف متنوعة تتضمن مؤثرين أساسيين في العلاقات الدولية والعالم الرقميّ: الصين، والولايات المتحدة الأميركية وشركة جوجل. 

لم يقتصر تأثير نازل شكري على المؤلفات والأبحاث التي قامت بنشرها، بل امتد ليشمل عضوية مؤسساتٍ دولية مرموقة، حيث تمتلك عضوية الأكاديمية الأوروبية للعلوم، كما أنها شغلت مرّتين منصب رئيسة اللجنة الاستشارية العلمية ضمن برنامج منظمة اليونسكو الخاص بالتحوّلات الاجتماعية. 

هوامش
*السياسة السيبرانية Cyberpolitics:  مصطلحٌ مستخدم على نطاقٍ واسع في المجال الأكاديميّ للإشارة إلى استغلال الإنترنت في النشاطات السياسية، وبذلك فإن السياسة السيبرانية تشمل نشاطاتٍ مثل الصحافة الرّقمية وجمع التبرعات والتدوين باستخدام المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي.
[المصدر: موسوعة ويكيبديا]

**الفضاء السيبراني Cyberspace: يشير هذا المصطلح إلى التقنيات الرّقمية واسعة الانتشار المتصلة والمترابطة مع بعضها البعض، التي يُمكن لها أن تشكل عالماً افتراضياً نستطيع التواصل والتفاعل عبره، فالفضاء السيبراني يتضمن التواصل عبر شبكة الإنترنت، والشبكات الحاسوبية المختلفة، والاتصالات الرقمية المختلفة. ولا يوجد تعريف محدد متفق عليه لمفهوم الفضاء السيبراني، إلا أن استخدام المصطلح نفسه يشير دوماً لمجال التواصل الكبير الذي نعيش كلنا ضمنه، وشبكة الإنترنت هي أحد أشكاله.
[المصادر: موسوعة ويكيبديا، موسوعة بريتانيكا].